http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس= رشيد نيني

محاولة من أجل الفهم (3) «الوسائل والأدوات»

لعل واحدة من أكثر الصور إثارة للتقزز هي تلك التي ظهر فيها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وهو يقوم بتحدي سطل الماء المثلج من أجل المشاركة في حملة جمع التبرعات حول مرض التصلب العضلي الجانبي، الذي يصيب الجهاز العصبي بالضمور.
السيد جورج بوش، المسؤول قانونيا وأخلاقيا عن موت ملايين العراقيين طيلة سنوات الحصار والغزو الذي تلاها، يريد اليوم أن يرقع بكارته السياسية بسطل ماء مثلج لكي يظهر بوجه إنساني ينسي الناس في وجهه الوحشي البشع الذي تسبب في تدمير حضارة عمرها ثلاثة آلاف سنة.
والنتيجة هي ما نراه اليوم في العراق والشام، بريطاني يذبح رهينة أمريكي ويجز رأسه أمام العالم بسكين. والمثير للاستغراب هو أن بريطانيا وأمريكا كانتا دائما زعيمتي الغزوات الكبرى التي عرفها العالم، وها هو أحد أبناء بريطانيا يذبح أحد أبناء العم سام في بلاد الرافدين التي احتلتها جيوش بلديهما على عهد مجرمي الحرب توني بلير وجورج بوش.
إن ما يحدث اليوم من محاولة لإعادة رسم خرائط الهلال الخصيب والشام، بمناسبة مرور مائة سنة على توقيع اتفاقية «سايس بيكو» سرا بين فرنسا وبريطانيا قبل انفضاح أمرها، هو نتيجة مباشرة لغزو العراق وتفكيك نظامه وجيشه وتقسيمه إلى طوائف سنية وشيعية وكردية ويزيدية ومسيحية، وما لا نهاية له من الطوائف والأعراق والقبائل التي كان صدام حسين قد وحدها تحت مسمى جمهورية العراق.
وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ليس سوى نتيجة مباشرة للغزو التتري الذي قامت به جيوش الحلفاء الذين جمعهم بوش تحت مسمى «الحرب الصليبية»، وهو نتيجة أيضا لأساليب التعذيب الوحشية للسجناء في أبو غريب وغوانتانامو، وغيرهما من المعتقلات التي تعتبر ورشات سرية لصناعة مقاتلي الحركات المتطرفة باسم الإسلام.
في السابق كان مبرر التدخل في العراق هو البحث عن الأسلحة النووية التي كان صدام يخفيها عن المفتشين الدوليين، وعندما تم الغزو وأعدم صدام وفتت الجيش وقسمت البلاد مثل الكعكة بحسب آبار النفط، وتم تكليف الشيعي المالكي بتذبيح السنة، ثم ذهب الأمريكيون وجاء الدور الآن على الشيعة لكي يتم تذبيحهم على يد السني البغدادي. وهكذا أصبح للأمريكيين وح
لفائهم مبرر جديد للعودة إلى العراق: القضاء على تنظيم البغدادي.
إنها دائرة جهنمية لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد.
والواقع أن التدخل الإمبريالي الأجنبي في شؤون الدول، يكون إما بطريقة مباشرة، كما حدث في العراق وأفغانستان والشام، وإما بطرق غير مباشرة عبر وكلاء يشتغلون بإذكاء نيران النعرات الطائفية والقبيلة، أو وسطاء يستغلون ملفات حقوق الإنسان من أجل إخضاع الدول لمصالح الشركات الرأسمالية الكبرى.
ورغم أننا في المغرب بعيدون نسبيا عما يحدث من «انقلابات» في منطقة الشرق الأوسط، إلا أننا معنيون بما يقع لسببين رئيسيين على الأقل:
الأول كون مخطط «سايس بيكو 2» الذي يتم تنزيله بقوة الحديد والنار في العراق والشام والهلال الخصيب، لا ينفصل عن مخطط التقسيم الذي تحلم القوى العظمى تنزيله في شمال إفريقيا. وهو المخطط الذي انطلق منذ سنوات بدعم سخي للجمعيات والأصوات التي تعلن صراحة كراهيتها للإسلام والعرب وتدعو لطردهم نحو جزيرة العرب التي جاؤوا منها.
وبما أن المغرب ليس فيه طائفة سنية وشيعية كما هو الشأن في الخليج والشرق العربي، فقد وقع الاختيار على اللعب على وتر العرقيات. 
والسبب الثاني هو أن المغرب، بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعله مشرفا على أحد أهم المعابر البحرية في العالم، يوجد في قلب الاهتمام الأمريكي، ليس فقط بسبب احتياطي المغرب العالمي من الفوسفاط أو لكون المغرب حليفا استراتيجيا لأمريكا، بل أيضا لأنه مصدر قلق لكثير من القوى الإمبريالية، وعلى رأسها فرنسا التي ترى فيه منافسا يسعى ليكون بوابة الدول الكبرى نحو الاستثمار في إفريقيا، القارة التي لا محيد للعالم عنها للاستمرار في العيش في عالم الغد.
المغرب إذن في عين الإعصار، ومن يتربصون بالمغرب الدوائر يعرفون أن حجر الزاوية في النظام المغربي هو الإسلام والملكية، ولذلك فضرباتهم تتوجه نحو هاتين النقطتين تحديدا، حتى يتصدع الصرح وينهار فوق رأس الجميع ويتبع المغرب مصير ليبيا وسوريا ومصر وغيره من دول الدمار العربي. عندها يسهل تقسيمه على العرقيات التي تم إعدادها وإنضاج نخبها وقياداتها لهذا الغرض بالضبط.
ومن أجل القيام بمهمة زعزعة الاستقرار وخلخلة الثقة بالنظام الملكي وإحداث حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي، تليها حالة من الفوضى التي لا أحد يعرف إلى ماذا ستفضي، هناك جيش منظم مستعد للقيام بهذه المهمة، مستغلا الملفات التي يعاني فيها المغرب من أخطاء، أو تلك التي تعتبر بنظر المنتظم الدولي لجاما يتم سحبه للتأثير على قرارات المملكة الكبرى في الشأن السياسي والاقتصادي والديني.
ومن أجل القيام بهذه المهمة، فليس ثمة أحسن من الناقمين على النظام، لأسباب ذاتية وشخصية. خصوصا أولئك الذين كانوا يحلمون برؤية أنفسهم جالسين في المحيط الملكي، والذين لأسباب ذاتية وموضوعية انتهوا خارج أسوار القصر الملكي، حاملين في قلوبهم غصة وحقدا دفينا يبحثون لتفجيرهما بكل الوسائل، حتى ولو وضعوا أنفسهم في خدمة أعداء الوطن.
ولعل المتابع الحصيف للخرجات والهجومات التي يتزعمها بعض هؤلاء الباحثين عن مقايضة هدنتهم بالمال والريع، سيلاحظون أنها تستهدف محيط الملك بشكل خاص، وذلك من أجل خلق الفراغ حول المؤسسة الملكية وتجرديها من رجالها، حتى تصبح المواجهة مستقبلا مع الملك مباشرة، المستهدف الحقيقي من كل هذه المناورات.
وسواء تعلق الأمر بشكايات التعذيب التي وضعت في فرنسا ودول أخرى ضد مدير المخابرات، عين الملك، أو بسكرتيره الخاص، أو بكل رجالات الدولة الذين وجهت لهم اتهامات تضعهم في مرمى الملاحقة القضائية الدولية، فإن الواقف وراء كل هذه «الأوركسترا» التي تعزف لحنا واحدا، هو شخص يحمل لقب أمير في العائلة الملكية.
مولاي هشام، المواطن الأمريكي الذي تحرسه عناصر من «المارينز»، اعتقد أنه صفى حسابه مع الملكية في كتابه الصادر أخيرا، والذي لم يحقق الهدف المرجو منه بسبب عدم تفاعل الشعب المغربي مع محتواه، يقف اليوم وراء كل الهجمات القضائية التي تستهدف محيط الملك. فقد قالها بوضوح في كتابه، وطالب الملك بالتخلي عن رجال ثقته وسماهم بالاسم.
فقناعة مولاي هشام هي أن سبب إقصائه من المشاركة في الحكم هو وجود رجال بعينهم في المحيط الملكي، وطالما أن هؤلاء الرجال موجودون، فإن حربه الشعواء ضدهم ستستمر، وليس الأسلحة أو الذخيرة من سيعوز الأمير، فهو بحكم تجربته في المتاجرة في السلاح، يعرف جيدا الأعيرة التي يستعمل، سواء منها تلك التي تصلح للتصويب القصير المدى أو المدى البعيد، وحتى تلك الكاتمة للصوت.
وهذا العتاد الثقيل للأمير هو ما سنتعرف عليه في عمود الغد.

المصدر: فلاش بريس= رشيد نيني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 26 مشاهدة
نشرت فى 14 أكتوبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,686