http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس= رشيد نيني

محاولة من أجل الفهم (2) «نفاق بلا حدود»

لم تشهد القارة الإفريقية، منذ استقلالها إلى اليوم، تواجدا لجيوش مستعمريها السابقين مثلما هو حاصل الآن. كما لو أننا نعيش الموجة الثانية من العصر الامبريالي في واحد من أشكاله الأكثر قبحا.
فالفرنسيون الذين شيدوا مجدهم الاقتصادي فوق أكتاف الدول التي استعمروها واستنزفوا ثرواتها، يضعون عتادهم وجيوشهم في إفريقيا الوسطى ومالي لحماية مناجم اليورانيوم والماس، والبريطانيون حاضرون من موريتانيا إلى جيبوتي، والأمريكيون يضعون قواعدهم في كل مكان لمحاصرة الغزو الصيني للقارة.
وهذا طبيعي، فالغرب والأمريكيون، والقوى الإمبريالية عموما، كلما داهمتهم الأزمة الاقتصادية كلما بحثوا عن دول ضعيفة لاستعمارها بطرق جديدة، مستعملين أذرعهم الحقوقية وجمعياتهم الإنسانية المتخفية وراء أقنعة الإحسان، من أجل إخضاع أنظمة هذه الدول واستنزاف خيراتها.
والقارة الإفريقية اليوم هي مستقبل العالم، ونسبة النمو التي تسجل بها تفوق الخمسة بالمائة سنويا. وسلة غذاء العالم موجودة بها، كما أن تطور العالم وتقدمه رهين بثرواتها الطبيعية ومخزونها من الطاقة.
ومن يتحكم في القارة الإفريقية سيتحكم في الميزان الديموغرافي، فسكان الكرة الأرضية سيكونون بحلول سنة 2050 تسعة مليارات نسمة بسبب الخصوبة المرتفعة في الدول الإفريقية، وسيصبح المسلمون ربع سكان الكرة الأرضية.
ولفهم الثقل الصيني في القارة الإفريقية علينا قراءة الخبر الذي تناقلته الأسبوع الماضي وكالات الأنباء حول امتناع جنوب إفريقيا عن منح التأشيرة  لـ«الدلاي لاما» الزعيم الروحي لشعب «التبت» من أجل حضور مؤتمر حول السلام.
فقد أصبحت بكين تؤثر في القرار السياسي لدول إفريقية قوية كجنوب إفريقيا، لمحاصرة خصومها. وقد تضاعف هذا التأثير في السنوات الأخيرة مما جعل الإدارة الأمريكية تفكر في وضع خطة عمل طويلة الأمد لمحاصرة الصين داخل إفريقيا.
ويبدو أن انتخاب رئيس أمريكي أسود أصوله من كينيا لم يكن اعتباطيا. فقرار غزو إفريقيا كان قد اتخذ في البيت الأبيض ولم يتبق سوى اختيار الرئيس الذي سيتابع خطه أسلافه، فقد وضع بيل كلينتون برنامج ( أكت أند أوبورتونيتي أفريكان كراوث)، الذي يسمح للنفط الإفريقي بالمرور نحو الأنابيب الأمريكية بدون رسوم جمركية، وبعده جاء جورج بوش ببرنامج تحدي الألفية  ( أكونت ميليوم تشالانج )، وها هو الرئيس الحالي يرفع تحدي استثمار 37 مليار دولار في القارة الإفريقية.
ولذلك لم يكن حلول لعنة فيروس إيبولا في الدول الإفريقية الأكثر استقطابا للاستثمارات الصينية، هي ليبيريا وسيراليون وغينيا وأنغولا، مجرد مصادفة.
ففي غينيا، حيث توجد أول منطقة بترولية في إفريقيا، تبحث الصين لكي تكون زبونا متميزا معها، علما أن الصين هي الزبون الأول لأنغولا بحيث تشتري منها 40 بالمائة من إنتاجها من البترول.
وبمجرد ما زار جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، لواندا عاصمة أنغولا حل بها ثلاثة أيام بعد ذلك الوزير الأول الصيني في زيارة رسمية ليومين. وهذا التسابق لنيل رضى حكام أنغولا وحده كاف لشرح مدى أهمية هذا البلد بالنسبة للاقتصادين الأمريكي والصيني.
فواردات أمريكا من النفط الإفريقي ستشكل بحلول سنة 2020 نسبة 15 بالمائة من مخزون أمريكا النفطي.
وما ينطبق على أنغولا وغينيا ينطبق أيضا على سيراليون وليبيريا.
وبالنسبة للاقتصاديين ففيروس إيبولا سيتسبب في حدوث شلل في الاستثمار، وبالتالي سيكلف حوالي 5,1 نقطة من الناتج الوطني الخام لهذه الدول، مما يعني أن الاستثمارات الصينية في هذه الدول الإفريقية سوف تتضرر بشكل مباشر، مما سيعطي للأمريكيين فرصة لالتقاط أنفاسهم واستدراك الوقت الضائع. مصائب قوم عند قوم فوائد.
كل هذا لكي نشرح نقطة مهمة، وهي أن التدخل الأجنبي في القارة الإفريقية ليس الهدف منه تقديم الغذاء للفقراء والدواء للمرضى، إن هذه الشعارات مجرد ذرائع، أما السبب الرئيسي لعودة القوى الإمبريالية لاستعمار القارة الإفريقية فهو الصراع والتسابق على مصادر الطاقة والغذاء.
فإذا كان الصراع الدائر حاليا في الشام والعراق يبدو ظاهريا صراعا بين طوائف وجيوش عربية، فإنه في العمق يبقى صراعا من أجل السيطرة على المعابر البحرية وآبار الغاز وأنابيب النفط بين قوى دولية ممثلة في روسيا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية مسنودة بدول الاتحاد الأوربي وحلف الناتو من جهة أخرى.
أما الجيوش التي تتصارع وتلوح براياتها، فهي مجرد «بيادق» تتحرك فوق الرقعة حسب رغبة الأسياد الذين يخوضون حروبا بالوكالة فوق أراض تبعد عن أراضيهم بآلاف الكيلومترات، ويسيرون طائراتها التي تقصف أهدافها بالريموت كونترول من مكاتبهم المكيفة في قواعدهم العسكرية بواشنطن.
لقد أشار الخطاب الملكي في ساحل العاج إلى نقطة مهمة لم ينتبه إليها كثيرون، خصوصا عندما تحدث الملك حول ضرورة القطع مع الرؤية الاستعمارية للغرب نحو القارة الإفريقية، التي لا تحتاج إلى مساعدات بقدر ما تحتاج شراكات تستفيد منها الدول الإفريقية بشكل أساسي.
ولقد فهم «جو بايدن» نائب الرئيس الأمريكي، الرسالة جيدا عندما قال في القمة الأمريكية الإفريقية التي انعقدت في الخامس من غشت الماضي بواشنطن، «السؤال ليس هو ماذا يمكننا أن نفعل من أجل إفريقيا، بل السؤال هو ماذا يمكننا أن نفعل إلى جانب إفريقيا».
ولذلك فمن يبحث لكي يحلل الخطاب الملكي الموجه إلى الدورة التاسعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، عليه أن يعود إلى خطاب ساحل العاج لكي يفهم أن الملك يدعو بشكل صريح القوى العالمية إلى مراجعة العلاقات القائمة بين الغرب ودول الجنوب، وخصوصا القارة الإفريقية.
كما أن حديث الملك عن ضرورة القطع مع فرض نماذج مجتمعية على دول الجنوب، لا تراعي هويتها وتقاليدها ودينها من طرف القوى العالمية، ينطوي على فكرة مهمة مفادها أن الغرب، عبر أدواته وأذرعه، يبحث لكي يجرد الدول التي عانت من رسوبات الاستعمار من مناعتها الذاتية لكي يسهل عليه فيما بعد ابتلاعها في طاحونة العولمة، أي داخل بالوعة الاستهلاك التي تحول هذه الدول إلى مجرد أسواق لترويج بضاعة الغرب.
ومن أجل تطبيق مخططه الاستراتيجي والموضوع على المدى البعيد، يبحث الغرب دائما عن طرق للتدخل في هذه الدول، وسواء جاء هذا التدخل على شكل إنزال عسكري من أجل مقاومة فيروس أو على شكل تحالف عالمي للقضاء على 35 ألف مقاتل، نصفهم تعلم فنون القتال في يومين، فإن الهدف يبقى دائما واحدا، وهو «تبرير التدخل» وإعطاؤه الشرعية الأخلاقية التي يغطي بها الغرب دائما وجهه المنافق.
يريدون إقناعنا أنهم سيعودون إلى العراق من أجل القضاء على حفنة من المقاتلين شاهد العالم كله كيف تم تجميعهم وتسليحهم وتدريبهم، هذا في الوقت الذي أقنعونا فيه أن مهمتهم في العراق انتهت بعدما قضوا على الدكتاتور صدام وفتتوا حزب البعث وأقاموا ديمقراطية المالكي، عدو السنة الذي كان يعدم كل من يضبط حاملا اسم عمر في بطاقة هويته.
أليس الغزو الأمريكي للعراق هو من زرع بذرة «داعش» بين أثلام تربة دجلة والفرات؟
هذا ما سنجيب عنه في عمود الغد.

 

المصدر: فلاش بريس= رشيد نيني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 34 مشاهدة
نشرت فى 14 أكتوبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,686