كعكة الكتاب المدرسي (2/2)
إذا رجعنا لإحصاءات وزارة التربية الوطنية، والتي تتحدث عن 4 ملايين و53 ألفا و782 مسجلا بالتعليم الابتدائي، فإن معدل ما تدفعه الأسر المغربية التي لها أبناء في هذا السلك، أي من السنة الأولى إلى السنة السادسة، هو حوالي 488 مليون درهم، دون الحديث طبعا عن ملايين الدراهم التي تصرف على اللوازم المدرسية ومصاريف التسجيل، لاسيما في التعليم الخصوصي.
أما التعليم الإعدادي فيزاد عدد المواد المدرسة، ليصل إلى 13 كتابا لكل سنة من السنوات الثلاث لهذا السلك، وهي كتب مواد التربية الإسلامية واللغة العربية (كتابان اثنان)، والرياضيات والفرنسية والتربية التشكيلية والاجتماعيات والعلوم الفيزيائية وعلوم الحياة والأرض والتكنولوجيا والتربية الأسرية والإعلاميات، مع إضافة كتاب الإنجليزية بالنسبة للسنة الأخيرة من التعليم الإعدادي.
أما الأثمنة الإجمالية للكتب الـ13، فالسنة الأولى إعدادي 241 درهما، والسنة الثانية 256 درهما، وأخيرا السنة الثالثة 263 درهما. وبالعودة دائما لإحصاءات وزارة التعليم، فإنه يمكننا تقدير عدد الكتب التي تم بيعها وشراؤها لهذا السلك، لمليون و670 ألفا و657 تلميذا بالتعليم الثانوي الإعدادي، هم في حاجة لحوالي 21 مليون كتاب سنويا، أي بمبلغ تقريبي يمكن تحديده في 5.4 ملايير درهم، هو المبلغ الذي دفعته الأسر المغربية التي لها طفل أو طفلة في هذا السلك.
كل هذه السوق الضخمة والتي تعرف رواجا بمليارات الدراهم سنويا، تتحكم فيها 43 مطبعة فقط، توفر الكتب المدرسية لستة ملايين و775 ألفا و606 تلميذ وتلميذة، أي ما يفوق 153 ألف زبون، عفوا تلميذ، لكل مطبعة كل سنة.
43 مطبعة تقتسم «كعكة» الكتاب المدرسي بعد أن كانت 11 فقط قبل 2003، 43 مطبعة تحتكر طبع 93 عنوانا لكتاب مدرسي، موجهة لكافة مستويات التعليم المدرسي، وأيضا موجهة لحوالي 7 ملايين تلميذ، أي من التعليم الأساسي إلى الباكالوريا.
ورغم تأكيد الوزارة على تعدد الكتاب المدرسي، إلا أن كل مطبعة تحتكر توزيع مطبوعاتها في جهة أو إقليم لوحدها، وعشرات مؤلفي الكتب المدرسية اغتنوا من «حقوق التأليف»، لكونهم يتوصلون سنويا بنصيبهم من المبيعات، ويتم فرض الاشتغال بها بالرغم من اعتراضات المدرسين والآباء على جودة محتوياتها، ثم إن المطابع بالاتفاق مع بعض المؤلفين خصصت «كراسات» يكتب فيها التلميذ بدل الدفتر حتى لا يستفيد منها تلميذ آخر بعده، ويسميها أهل الاختصاص «كرواصة»، حتى يضطر كل تلميذ جديد لشراء كراسته، وبهذا تضمن المطابع «زبائن» جددا كل سنة، وهذا «خواض» آخر.
قلنا إن عدد المطابع التي تنتج الكتاب المدرسي هو 43 مطبعة، تتكفل بطباعة 101 كتاب مدرسي رسمي، بالإضافة للكتب الأخرى الموازية، كالروايات التي يتم تدريسها في التعليم الثانوي في اللغتين العربية والفرنسية، ثم الكتب الموجهة للتعليم الأولي ومحاربة الأمية وغيرها، بمعنى أنه سوق رائجة كما تمت الإشارة، لكن السؤال هو كيف ستقتسم 43 مطبعة حوالي 78 مليون كتاب يحتاجها تلامذة المغرب كل سنة؟
الجواب يوجد في خريطة توزيع الكتب المدرسية المقررة، والتي يتم الإعلان عنها بموجب مذكرة وزارية كل سنة، وهي أحد الترتيبات التي تقوم بها الوزارة عند كل دخول مدرسي، فإذا أخدنا كتاب اللغة العربية مثلا، سنجد كتبا متعددة، تختلف فقط في الإخراج والألوان والاسم الممنوح لها، أما من حيث المحتوى فهو واحد، بسبب إلزامية احترام التوجيهات الخاصة بالبرامج والمناهج، فنجد مثلا «الواضح في اللغة العربية» و«المعين في اللغة العربية» و«المفيد في اللغة العربية» وغيرها، وهي موجهة لنفس المستوى، وكل اسم أنتجته مطبعة مختلفة، لذلك فهذه الخريطة توزع على كل مطبعة منطقة تحتكرها لوحدها، سواء داخل الجهة وأحيانا داخل الإقليم.
وحتى لا تتعرض أية مطبعة لسياسة «الإقصاء»، فإنها تنال حقها في نفس الجهة أو الإقليم في كتاب خاص بمادة أخرى، فمثلا إذا فرضت الوزارة ألا يتم توزيع كتاب مدرسي لمستوى معين تابع لمطبعة ما في البيضاء، فإن الوزارة تعوض نفس المطبعة بأن تسمح لها باحتكار كتاب مدرسي لمستوى آخر في نفس المدينة، هكذا تتم تغطية كل التراب الوطني بالكتب المدرسية، وفي نفس الوقت تتمكن 43 مطبعة من الاستفادة «على قدم» المساواة في نيل «كعكة الكتاب المدرسي».
فنستنتج أن هذا التعدد يستفيد منه فقط المؤلفون والطابعون والموزعون، أما المدرسون والتلاميذ فمرغمون على التعامل مع كتاب واحد، وهذا يتم تحت إشراف المفتشين أحيانا، وعندما نقول المؤلفين، فإن كل الأسماء التي تتم كتابتها في مقدمة كل كتاب، وأغلبهم مفتشون وأحيانا مدرسون، حصلوا أو يحصلون على الملايين من «حقوق التأليف»، بحسب نوعية العقود التي وقعوها مع المطابع، إذ هناك من وقع على عقد بموجبه يحصل على نسبة أرباح ثابتة أو متغيرة بحسب المبيعات، وآخرون حصلوا بشكل مسبق «على حقوقهم» التي تصل لعشرات الملايين في بعض التخصصات، وهي العقود التي لم يتمتع بها كتاب ومفكرون وأدباء كبار، بعضهم يفضل أن يطبع كتبه في المشرق والبعض الآخر ما يزال يطبع كتبه ويوزعها على نفقته.
هكذا تكتمل دائرة المستفيدين من سوق الكتاب المدرسي، مؤلفون جمعوا موادهم، بعد أن تم تكليفهم من وراء حجاب، ومطابع صارعت بكل الوسائل لتحصل على نصيب لها في عشرات الملايين من الكتب المدرسية التي يتم ترويجها، وموزعون حددوا مناطق «نفوذ» في الجهات والأقاليم وذلك تحت إشراف الوزارة الوصية، بينما الضحية الأولى هي الأسرة المغربية، لاسيما في ظل الارتفاع المهول الذي تعرفه أسعار المواد الغذائية، ثم الضحية الثاني هو التلميذ المغربي، إذ أن 101 كتاب مدرسي والتي يدرس فيها منذ دخوله التعليم الابتدائي إلى غاية وصوله للباكالوريا، لا تجعل منه بالضرورة متفوقا.
والمؤسف حقا هو أنه بدل أن تسارع الحكومة إلى محاربة الفساد في سوق الكتاب المدرسي، بشكل يخفف العبء على الأسر المغلوبة على أمرها، وبدل أن تعيد النظر في البرامج الدراسية، إذ لا معنى لأن يدرس طفل يبلغ من العمر ست سنوات في عشرة كتب تقصم ظهره لكونه يضطر لحملها صباح مساء على ظهره، نراها تدخل سنتها التربوية الرابعة دون أن تنجز شيئا على هذا الصعيد، تماما مثل النعامة التي تدس رأسها في التراب حتى تمر اللحظات العسيرة لهذا الدخول المدرسي اللاهب.



ساحة النقاش