كاتبة و صحفية
هل يؤسس الريسوني تيار «بلا هوادة»؟
ساعة من الزمن كانت كافية لقلب نتائج المؤتمر الوطني الخامس لحركة التوحيد والإصلاح رأسا على عقب. وفيما كان أحمد الريسوني الرئيس الأسبق للحركة يتصدر النتائج خلال الجولة الأولى من التصويت بحصوله على 340 صوتا، قفز المرشح المنافس الذي لم يكن سوى مستشار رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران من الرتبة الخامسة إلى الأولى،حيث انتقل من 162 صوتا خلال الجولة الأولى إلى 202 خلال الجولة الثانية قبل أن يصبح صاحب أكبر عدد من البطائق بحصده 296 صوتا، وهي الجولات التي فقد فيها الريسوني 169 صوتا، وكان الخاسر الأكبر فيها عمر بنحماد الذي فقد 202 صوت، ما يعني أنه بين الجولتين الأولى والأخيرة تغيرت قناعات 134 مؤتمرا فضلوا تأييد الشيخي على حساب الريسوني وبن حماد.
وقد لعب المستشارون الحكوميون أدوارا خلفية هامة في المؤتمر الوطني الخامس لحركة التوحيد والإصلاح، حتى أنهم تحولوا لمفاجأة المؤتمر. وفيما استطاع مستشار رئيس الحكومة عبد الرحيم الشيخي انتزاع زعامة الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية، مفسحا المجال أمام بن كيران للتمدد خارج موقعه الحكومي، أطاح سعد الوديي مستشار وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة بالخلفي من مربع الجهاز التنفيذي للحركة بسبب الجدل الذي رافق محاولات تعيينه كاتبا عاما، وأيضا فشل الوزير في تطبيق دفاتر التحملات وضبط المشهد الإعلامي وفق رؤية الحركة.
لكن أكبر الرابحين من نتائج مؤتمر حركة التوحيد والإصلاح هو رئيس الحكومة الذي نجح في قلب المعادلة لصالحه في ظرف ساعة، وقاد «انقلابا أبيض» أطاح بالريسوني الذي كان المرشح الأوفر حظا لزعامة التوحيد والإصلاح. وبذلك يكون بن كيران ضمن مرحلة وئام بين الحزب وذراعه الدعوية كفيلة ليس فقط بإنهاء مشوار الحكومة دون تشنجات ولكن أيضا بخوض الانتخابات دون صدور مواقف قد تعكر على الحملات الانتخابية لوزراء الحكومة من العدالة والتنمية.
ويبدو أن الريسوني استشعر ضغط تلك الارتدادات ففضل عدم الحضور خلال حفل الافتتاح، خصوصا أن ذلك الافتتاح كان من المحتمل أن يحضره وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق الذي وجهت إليه الدعوة، لكنه رفضها بعدما شبه الريسوني وزارته بأنها مثل جماعة «بوكو حرام»، وأن العلماء والخطباء أصبحوا مكلفين فقط بفتح المساجد وإغلاقها.
وإذا كان الريسوني لم يظهر خلال الافتتاح، فإن تصريحاته كان لها صدى في الكلمة التي وجهها الحمداوي، والتي بدت أقرب لرسائل للقصر الذي يرعى الشأن الديني مفادها أن كلام الريسوني يلزمه، وقال الحمداوي ردا على تهجم الريسوني إن العلماء صاروا جزءا من النسيج المؤسساتي للدولة يحظون بمجلس له صبغة دستورية ويشاركون في الرقابة على دستورية القوانين ويرجع لمؤسساتهم في الفتوى في الشؤون العامة، داعيا إلى أخذ العبرة من الخريف الذي يضرب بلدان الربيع العربي.
لكن فشل الريسوني في انتزاع زعامة الحركة لا يعني أن امتداده داخلها توقف، فقد تابعنا كيف أن هناك داعشيين داخل التوحيد والإصلاح، بعدما رفعت مؤتمرة في الجلسة العامة علم تنظيم دولة الخلافة الأسود قبل أن يأمر مستشار بن كيران عبد الله باها بإنزاله. ولا يعرف إن كان وزير العدل والحريات مصطفى الرميد الذي تلقى تهديدات بالقتل من داعش سيتابعها قضائيا طالما أنه يرأس النيابة العامة خصوصا أن ديوانه وصف تلك التهديدات بالإرهابية.
وأيا تكن لعبة الأرقام، فإن قراءة النتائج تقول إن الاختيار رسا على التيار المساند لتسويق نموذج الاستثناء المغربي على التيار الذي يسوق لنموذج الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يشغل الريسوني منصب نائب رئيسه يوسف القرضاوي. وأيا تكن التدخلات التي جعلت المعادلة تنقلب، فإن النتيجة النهائية للتصويت تترجم رغبة «الأغلبية» داخل التوحيد والإصلاح في إزاحة نماذج الخليج التي لم تستطع رغم التخمة النفطية والخيرات التي حباها الله بها غير تصدير الحروب نحو بلدان الربيع العربي. لذلك رأينا كيف قبل نائب رئيس حركة النهضة التونسية عبد الفتاح مورو علم المغرب حين كان يهم بالصعود إلى المنصة لإلقاء كلمته أمام قادة التوحيد والإصلاح، تقديرا لمعنى التغيير في ظل الاستقرار الذي فقدته تونس وتحاول استعادته تدريجيا، وكيف نوه أسامة حمدان القيادي في حماس بمواقف المغرب لصالح القضية الفلسطينية في وقت اتسم فيه موقف دول الربيع العربي بالخذلان.



ساحة النقاش