حسن البصري
صحفــــــــي
خرائط معاقة
في كثير من وكالات الأسفار بشبه الجزيرة الإبيرية تظليل جغرافي وتاريخي لا ينتبه إليه المهاجرون المغاربة، فأغلب الخرائط التي تزين مكاتب الوكالات تصر على فصل المغرب عن صحرائه، وتلصق بتربة الصحراء مسمى «الغربية» وكأن هناك صحراء شرقية.
في شبه الجزيرة الخضراء، كان موظف وكالة الأسفار منهمكا في توضيح أسعار النقل البحري عبر مضيق جبل طارق، كنادل مقهى تتطاير شظايا لعابه، وحين لفتنا نظره إلى الخريطة التي بترت الجزء الجنوبي من المغرب، التفت إليها وتبين أن حدودها لا تتجاوز مدينة طانطان، قبل أن يقدم العذر الأقبح من الذنب ويؤكد أنه اشتراها من مكتبة في شمال المغرب بسعر لا يزيد عن 250 درهما.
انتبه أحد المهاجرين إلى انشغال الموظف بقضية الخريطة المعاقة، وطلب منه أن يؤجل النظر في قضية الحدود إلى ما بعد تسليم التذاكر لطابور المسافرين، فموعد الرحلة أهم من سجال حدودي لن يغير من واقع الأمر شيئا.
من المفارقات الغريبة في هذه الواقعة، أن الوكالة لا تبعد عن قنصلية المغرب في «الجازيراس» إلا ببضعة أمتار، والأكيد أن القنصل وموظفي القنصلية يمرون يوميا أمام الخريطة دون أن تلفت نظرهم، بل إن مكتبا للإرشاد السياحي الأندلسي يوجد قبالة مقر قنصلية لا فرق بينها وبين مقاطعة حضرية، يعرض في واجهته خرائط للمغرب طالها مقص رقيب مجهول.
في مدينة فارو البرتغالية بإقليم الغارف، الذي كان في زمن مضى تحت سيطرة المسلمين، تصادفك خريطة مماثلة بمحطة للوقود، لا تقل استفزازا للمشاعر عن خريطة الجزيرة الخضراء، بل إن الخرائط المعروضة للبيع تحرص على فصل المغرب عن صحرائه دون أي اعتبار لواقع الحال.
سألت صحفيا رياضيا في مدينة سيتي بال البرتغالية عن حدود معرفته بالمغرب فقال إنه يمني النفس بزيارته لأنه يريد أن يستمتع بدفء الرمال، لقد كان الرجل الأربعيني يختزل المغرب في الجمال والنوق والواحات وأفاعي ساحة جامع الفنا، في ظل غياب المكتب الوطني للسياحة عن هذا السجال وتسويقه لسياحة الحلاقي.
حتى في الملصقات الدعائية لمباريات الوداد البيضاوي والجيش الملكي في البرتغال، هناك إصرار من المنظمين على ربط المغرب بالرمال والأضرحة والواحات، حتى يعتقد المتفرج أن اللاعبين المغاربة يعانقون العشب لأول مرة ويركضون فوقه بحشمة وتريث. ولأن السلطات المغربية لا تناقش مضامين اللوحات الدعائية والملصقات التي توضع على واجهة المحلات التجارية، فإن الأمر تجاوز حدود ربط المغرب بماضيه وحاضره إلى اختزاله في فرجة سياحية، كما حصل حين قدم الإسبان شريطا دعائيا لمباراة البارصا ضد الرجاء، يتضمن رحلة لرفاق ميسي على القوافل نحو «مرويكس». وحين عادوا إلى برشلونة غانمين كتبت الصحف الكتلانية، عنوانها المستفز «البارصا تعود غانمة من بلاد الأربعين حرامي».
القضية تجاوزت حدود الخرائط، بل امتدت إلى المواد الغذائية، حين أصر موظف في جمارك الحدود المغربية الإسبانية، على وجود بضائع محجوزة تحمل خرائط مبتورة، عبارة عن أقمصة أو علب للقهوة مستوردة من إسبانيا، حينها تضطر المصالح الجمركية إلى تحريك دعوى قضائية ضد المهرب الذي يصبح متابعا بالتهريب وبعدم التبليغ عن إساءة للوطن.
ولأن وزارة شؤون المهاجرين مهتمة بتخليد اليوم الوطني للمهاجر، وسفارات المغرب تختزل نشاطها السنوي في الاحتفال بالعيد الوطني، فإن المواطن المغربي مطالب بتغيير المنكر الخرائطي بلسانه عبر الاحتجاج وقبله كأضعف الإيمان إذا كان وضعه الاعتباري هشا في بلاد الغربة، فيقوده التمرد على خريطة مبتورة إلى بتر مزمن في مستقبله المهني.
يمكن أن نبتلع ريق الاستفزاز ونحن نتصفح خرائط المملكة المبتورة في بلاد المهجر، لكن النكبة أكبر حين تمتد العدوى إلى خرائط في مرافق رسمية، تزين تظاهرات رياضية وفكرية وفنية تقام في المغرب المبتور.



ساحة النقاش