http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

محمد الأشهب

 

كاتب و صحفي

 

نداء أصيلة

 

نداء أصيلة حول دعم الاتحادات الإقليمية وانفتاحها على بعضها، على رغم ما يعتري بعض التجارب من تعثر وجمود، يرتدي أهميته من كونه صدر عن خبراء يقيسون الأشياء بمنطق علمي وموضوعي، بعيدا عن أي شوفينية أو تعصب. يضاف إلى ذلك أن توقيته يبلور الوعي بالأبعاد الإستراتيجية لهذا الخيار، حيث لم يعد في وسع أي دولة أمام زحف العولمة وتشابك المصالح وتزايد التحديات أن تبني اقتصادياتها بمعزل عن الانفتاح.
مهما كانت الثروات والموارد التي تتوفر لدى أي دولة، فإن الحاجة إلى تكاملها مع محيطها الأقرب والمتناسق جغرافيا وتاريخيا، لا يمكن شطبها من معادلة المرحلة. فقد مضى ذلك العهد الذي كان يقاس فيه الاستقلال الاقتصادي بالتحكم في الموارد، بما فيها المياه التي سيكون لها شأن كبير في توجيه الصراعات القادمة. واندثر من قاموس السياسة مفهوم الهيمنة والتبعية التي هي في طريقها لأن تستبدل بمفهوم الشراكات المتكافئة والمتوازنة.
لا يعني ذلك أنه لا توجد هيمنة ولا انقياد وراء بعض الإملاءات التي تصدر من الخارج، فقد تولى البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والهيآت المانحة فرض شروط قاسية ومجحفة على سلم التنقيط. لكن الاندماج في تكتلات اقتصادية كبرى يجنب الدول مخاطر التطويق، أكان ذلك على صعيد اكتشاف أسواق جديدة أو الاستفادة من التجارب والخبرات المتبادلة، أو التخفيف من أعباء المعضلات الاجتماعية مثل البطالة والهشاشة والهجرة وأنواع والإكراهات المختلفة.
عندما وقعت دول أوروبية في شرك الأزمة المالية والاقتصادية، وجدت في الإطار الجماعي للعمل المشترك الذي اسمه الاتحاد الأوروبي خير معين لها لتجاوز اللحظات العسيرة. انطلاقا من مبدأ التضامن الذي يعتبر من ركائز الوحدة الأوروبية. وحتم هذا المنحى الإيجابي التزام سياسات داعمة حالت دون انحدار بعض الدول إلى هاوية الإفلاس. وإذا لم يكن من ميزة للاتحادات الإقليمية سوى بلورة معاني التضامن، فإن ذلك يعتبر كافيا للدلالة على الطابع المصيري لهكذا اختيار.
من بين العوامل التحفيزية أن الحوار مع مختلف العوالم والشركاء يكون أكثر إنصافا، عندما تتم المفاوضات ندا للند، ومن خلال اتحادات قائمة تغلب المصلحة الجماعية، والحال أن الذهاب على انفراد إلى أي مفاوضات، مهما كان ملفها قويا ومقنعا، فإنه يفقد الدولة المعنية حظوظ انتزاع كامل حقوقها، لأنه بدل حيازتها الدعم من طرف شركائه في أي تكتل إقليمي، ينتقل الوضع إلى منافسات غالبا ما تكون الدول المنفردة الخاسر الأكبر فيها.
ليست التكتلات الاقتصادية والاتحادات الإقليمية شرفا يمكن الاستغناء عنه، فقد أمست بدرجات الضرورات التي تكفل صون وتقوية الوجود، إن على مستوى كل دولة على حدة، أو في نطاق مجموعات متعددة الأطراف. وبالنظر إلى مخاطر عدم الاستقرار وغياب الأمن يزيد حجم التهديدات التي تحدق بكل دولة. بخاصة تلك التي تعجز عن حماية حدودها وفرض هيبة الدولة ومرجعية القانون. فالحدود التي يفترض أن تكون فضاء للتعاون والاندماج، باتت مدخلا لتسلل التنظيمات المتطرفة التي لم يكن لها أن تجد الملاذات الآمنة وحرية الحركة والتجوال، لولا غياب التنسيق بين الدول الذي يكون مبعثه إما وجود خلافات أو الانشغال بأزمات داخلية.
لعل الوضع المتدهور الذي تجتازه ليبيا يقدم مثلا عن تأثير غياب التنسيق الحدودي، في ظل تراجع نفوذ سلطة مركزية غير موجودة إلا بالاسم، نظرا لتداعيات انهيار الدولة عسكريا واقتصاديا وأمنيا، وإن كان الصحيح أن ليبيا كانت دولة بقياس الراحل معمر القذافي وليس بمعايير الدولة غير المنبوذة. ذلك أن دعواته من أجل الوحدة لم تكن تستند إلى أساس فكري وسياسي، فيما أن مأساة العراق بعد اقتطاع ما يعرف بالدولة الإسلامية أجزاء من الوطن لفرض نفوذ خارج سلطة القانون وأعراف المعاملات والسلوكات تترجم بدورها ترابط الأزمات بين ما يحدث في سوريا والعراق، ولم يتوالد من الفكر الطائفي غير نزعات أكثر تشددا وتعصبا.
في وقت سابق نحا الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين نحو إقامة اتحاد يضم بلاده والأردن واليمن، لكن خلفياته لم تكن سليمة، ما أدى إلى انهياره قبل أن يرى النور. والواقع أن التجربة الوحيدة التي استطاعت الصمود على الصعيد العربي هي منظومة مجلس التعاون الخليجي، على رغم ما واجهته من حروب وأزمات دارت في جوارها الأقرب. وكان في وسع التجربة أن تتطور أكثر لولا عدوى الخلافات المستشرية التي تبقى قابلة للاحتواء.
في الجناح الغربي للعالم العربي انتعشت الآمال بقيام اتحاد مغاربي يتوفر على كافة شروط النجاعة والاستمرار، من حيث وحدة الدين والمذهب واللغة والتاريخ والانتماء. لكنها تعرضت مثل أي تجربة واعدة إلى الانتكاس، نتيجة غلبة النزعة الشوفينية وعدم احترام الأوفاق المؤسسة للتجربة. ومع ذلك فما من عاصمة مغاربية إلا وتؤكد التزامها بهذا الخيار الذي لا بديل عنه. لكن الالتزام يقاس بالإرادة والأفعال. ومن هنا يكتسي نداء أصيلة مغزاه في أنه يعاود إنعاش الذاكرة وفق منظور متقدم للعلاقات، لا سبيل من دونه لتحقيق تطلعات الأمن والاستقرار. أما الازدهار فتلك قضية أخرى. 

 

المصدر: فلاش بريس = محمد الأشهب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 17 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

316,619