http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

الذهب الأبيض

 

من حيث لا تدري، أو ربما من حيث تدري، قدمت جريدة «فاينانشل تايمز» البريطانية الرصينة جوابا شافيا لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران حول إشكالية الاستقرار التي يلوكها في كل مرة يمد إليه صحافي ميكروفونا.
فقد ربطت الجريدة بين إمكانية حدوث مجاعة عالمية في حالة ما إذا تعرض المغرب لاضطرابات شعبية، ودليلها في ذلك هو أن الأسمدة التي تستعملها دول العالم في زراعتها وضمان أمنها الغذائي توجد في الفوسفاط المغربي.
وهكذا، وهذه من عندي، فالمغرب لا يتوفر فقط على أخطر نوع من أنواع العقارب في منطقة بنجرير بل يتوفر فيها أيضا على أخطر سلاح في العالم وهو الفوسفاط.
فالدول المتقدمة يمكنها أن تخترع بدائل للبترول والغاز، لكنها لا تستطيع أن تخترع بدائل للفوسفاط والأسمدة المستخرجة منه. فالفوسفاط مادة طبيعية لا يمكن تصنيعها، مثلها مثل الدم.
لذلك فالاستقرار في المغرب مسألة تتجاوز بنكيران وحزبه، وتدخل ضمن معادلة دولية تأخذ بالاعتبار الأمن الغذائي العالمي وسلاسة التبادل التجاري الدولي عبر مضيق جبل طارق.
وكل الدول التي توجد فيها مضايق ومعابر للتجارة العالمية بمجرد ما حاول أحدهم زعزعة استقرارها تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية بنفسها لإعادة الاستقرار إلى مكانه.
وما لا يعرفه كثيرون هو أنه عندما تشتعل منطقة من مناطق العالم، فإن ضوء أحمر يشتعل في خريطة كبيرة موضوعة في أكبر قاعة وأهمها في العالم على الإطلاق. طبعا، لا نتحدث عن قاعة مجلس الأمن، وإنما عن قاعة بورصة «وينيبيغ» بولاية «مانيطوبا» الكندية حيث توجد أكبر بورصة في العالم خاصة بـالقمح.
في هذه البورصة، التي تتحكم في خارطة الخبز العالمية، يشتغل خبراء دوليون، مهمتهم الأساسية مراقبة خارطة النزاعات الإقليمية والحروب الأهلية عبر العالم. وكلما اندلعت مشاكل اجتماعية مرتبطة بالفقر أو الجوع أو السياسة، ترتفع أو تنخفض أسهم القمح والذرة التي تتحكم فيها أربع شركات عالمية كبرى. هذه الشركات الكبرى، التي تراقب درجة حرارة العالم على مدار الساعة داخل كواليس بورصة «وينيبيغ»، لديها حساسية كبيرة تجاه كل الأخبار التي تتعلق بالفوسفاط وإنتاجه.
فبفضل الفوسفاط ومشتقاته، أي «البوطاس» و«الآزوط» أساسا، يتم تخصيب آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية في أمريكا وكندا والتي تنتج نصف احتياطي العالم من القمح والذرة والصوجا. وهذه الشركات العالمية، التي تتحكم في خبز ساكني الكرة الأرضية، تسعى اليوم بكل الوسائل إلى إخضاع شعوب العالم لسيطرتها عبر فرض زراعة الفسائل المعدلة جينيا، والتي بمجرد استعمالها مرة واحدة يصبح الفلاحون رهينة إلى الأبد لدى الشركة المنتجة لهذه الفسائل والتي تصبح متحكمة في مصيرهم وحجم إنتاجهم وصادراتهم وبالتالي أمنهم الغذائي.
هل تعرفون أن المغرب كان بإمكانه أن يحقق اكتفاءه الذاتي من الشعير لو أنه لم يقلع عن زراعته بسبب تشجيع أمريكا لزراعة قمحها الطري بالمغرب. هكذا صرنا رهينة لدى بورصات القمح الأمريكي الطري عوض الاكتفاء بشعيرنا الصحي والمنسجم مع نظامنا الغذائي المتوسطي.  
وقبل بضع سنوات كنت في هذا العمود قد تطرقت إلى مقال نشرته أسبوعية «بيزنيس ويك» الأمريكية تحت عنوان «الذهب الأبيض للمملكة المغربية»، يكشف عن أن أكثر من خمسين في المائة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط يتوفر عليه المغرب، واصفة المملكة المغربية بسيرها نحو التحول إلى العربية السعودية في مجال الفوسفاط.
ويلخص المقال، الصادر بالمجلة الأمريكية الاقتصادية المتخصصة، مستقبل المملكة المغربية في كلمتين، وهما أن المغرب سيتحكم عما قريب، أي بعد حوالي ثلاثين سنة على الأكثر، في الأمن الغذائي العالمي بفضل الحاجة العالمية المتزايدة إلى الفوسفاط والمواد الأساسية المستخلصة منه، وخصوصا الأسمدة الكيماوية والأورانيوم والمواد التي تستخدم في صناعة البطاريات والأجهزة الإلكترونية.
فالاحتياطي الأمريكي سينفد بعد سنوات قليلة، والإنتاج الزراعي الأمريكي، الذي يشكل النسبة الغالبة من الإنتاج الزراعي العالمي، سيكون مضطرا إلى اللجوء إلى الفوسفاط المغربي لتغطية حاجياته من الأملاح المعدنية والأسمدة الكيماوية المستخلصة من الفوسفاط.
وليس هذا فحسب، فصناعة الإلكترونيات الحديثة كلها تقوم على مواد أساسية مستخلصة من الفوسفاط، وكل بطاريات الأجهزة الإلكترونية المتطورة، من هواتف نقالة و«آي باد» وحواسيب وغيرها، مصنوعة من مستخلصات مواد موجودة في الفوسفاط.
بمعنى أن صناعتين أساسيتين، هما الزراعة والإلكترونيات، تقومان على الفوسفاط، وأكثر من نصف الاحتياطي العالمي لهذه المادة النفيسة موجود تحت تراب المملكة المغربية. وهذا ما دفع الصحافة الأمريكية الاقتصادية المتخصصة إلى الاعتراف بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستعول، في المستقبل، على الفوسفاط المغربي لكي تحرك هاتين الصناعتين الثقيلتين.
الرؤية بعيدة المدى للملك محمد السادس، والتي تضع في اعتبارها العشرين سنة المقبلة، اقتضت أن تحسم المملكة المغربية في معركتين أساسيتين: الأولى هي معركة ضمان الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، عبر إطلاق مشاريع ضخمة وغير مسبوقة لإنتاج الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة والبديلة، بدت للبعض خرافية بسبب الميزانيات الكبيرة التي رصدت لها، لكنها اليوم تبدو حيوية بالنسبة لبلاد تستورد أكثر من تسعين في المائة من حاجياتها الطاقية من الخارج.
والمعركة الثانية هي التوجه نحو إعطاء الفوسفاط، كثروة وطنية، قيمته الحقيقية في الأسواق العالمية، وذلك بتخصيص مصنع بالكامل لتزويد القارة السمراء باحتياجاتها من الأسمدة بالمنصة الكيماوية في الجرف الأصفر.
المصنع الجديد، الذي أعلن عن إحداثه على هامش الزيارة الملكية لمالي سيساهم في دعم إستراتيجية المجمع في مجال تحسين استعمال الأسمدة ورفع الإنتاجية الفلاحية داخل القارة السمراء. 
وبعد سنوات قليلة سيفهم الجميع أن المصير الغذائي للكرة الأرضية بأسرها متوقف على المغرب. كيف ذلك يا ترى؟ الجميع يعرف تقريبا أن المغرب هو أول مصدر للفوسفاط في العالم. وهذا الدرس علمونا إياه في مدارس الابتدائي منذ كنا صغارا. لكن القلة القليلة فقط من المغاربة تعرف أن احتياطي المغرب من الإنتاج العالمي للفوسفاط يصل إلى ثمانين في المائة، أي أن عشرين في المائة فقط من الفوسفاط توجد خارج المغرب موزعة على العالم. ومن يقول الفوسفاط يقول مواد التخصيب الفلاحية المستخلصة من الفوسفاط، والتي بدونها لا يمكن للإنتاج الفلاحي أن يكون. بمعنى آخر، فالمغرب ينتج الفوسفاط الذي منه يتم استخلاص مواد التخصيب الفلاحية الضرورية للمحافظة على الأمن الغذائي العالمي. وبدون فوسفاط ليست هناك مواد تخصيب، وبدون مواد تخصيب ليس هناك إنتاج فلاحي، وبدون إنتاج فلاحي مرحبا بالمجاعة وما تتسبب فيه من حروب وفوضى وكوارث.
ونظرا إلى أسباب لها علاقة بالأمن الغذائي، فإن الفوسفاط سيصبح، بلا شك، أحد المعادن الأكثر أهمية خلال القرن الواحد والعشرين، فإن أصواتا في أمريكا، مدعومة بأموال الجزائر،ترتفع للمطالبة بخلق مؤسسة دولية تهتم بتدبير هذا المعدن النفيس، مثلما يحدث مع موارد أخرى إستراتيجية كالبترول.
ولعل السؤال الماكر الذي تطرحه هذه الأصوات هو «هل الميكانيزمات التسويقية الحالية للفوسفاط بوسعها أن تضمن استعمالا وتخزينا دائما لهذه المادة»؟
السؤال ليس بريئا تماما،خصوصا إذا عرفنا أن الحرب الدائرة مؤخرا ضد المغرب في ملف الصحراء من طرف الجزائر تستهدف ضربه في القلب النابض لاقتصاده الوطني، أي الفوسفاط. ومن أجل عرقلة عمل هذه الآلة الاقتصادية الجبارة التي ستجعل من المغرب أحد المخاطبين الاقتصاديين الأساسيين في العالم، وضعت الدبلوماسية الجزائرية كل إمكانياتها المالية رهن إشارة لوبي قوي في أمريكا وأوروبا من أجل استعمال ورقة حقوق الإنسان في الصحراء لإحراج الشركات العالمية التي تتعامل مع المغرب في مجال الفوسفاط، ودفعها إلى مقاطعته تجاريا بحجة أن الفوسفاط الذي يبيعها المغرب إياه مستخرج من الصحراء التي يحتلها. ولإنجاح حملتها المنظمة مولت الجزائر مكاتب دراسات في السويد وأستراليا لإنجاز بحوث موجهة حول الفوسفاط تقول خلاصتها إن الاحتياطي العالمي المتبقي حاليا لم يعد يتجاوز أربعين سنة في أحسن الأحوال، وإن فترة تراجع الإنتاج، أو ما يسمونه
le pic du phosphate، قد بدأ منذ 1989، وإن النسبة الكبرى من الفوسفاط الموجود بالمغرب توجد في الصحراء. ولذلك يجب الدفع في اتجاه وضع مؤسسة مستقلة شبيهة بمؤسسة «الأوبيك»، التي تتحكم في تدبير البترول، يعهد إليها بتدبير الفوسفاط في الصحراء.
ولعل المغرب مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يشرح للعالم أن الدراسات العلمية الموجهة التي مولتها الجزائر في أستراليا والسويد، والتي تحاول نتائجها أن تقنع المنتظم الدولي بأن أكبر احتياطي من الفوسفاط يوجد في الصحراء، كلها مبنية على الرغبة في منع المغرب من تطوير استثماراته الفوسفاطية حتى لا يصبح رقما صعبا في المعادلة الدولية، مثلما هي الجزائر بفضل الغاز. ولذلك، فالأجدر تمويل مؤتمرات علمية تشرح للمنتظم الدولي أن الفوسفاط الذي يستخرجه المكتب الشريف للفوسفاط من الصحراء لا يشكل سوى خمسة في المائة من مجموع الإنتاج الوطني من هذه المادة، وأن 95 في المائة من احتياطي الفوسفاط الذي يتوفر عليه المغرب يوجد في الشمال وليس في الجنوب، وأن احتياطي الفوسفاط المتبقي في المغرب يقدر بمئات السنين وليس بأربعين سنة كما تقول مكاتب الدراسات التي تمولها الجزائر، وأن الهدف الحقيقي من استغلال مناجم الفوسفاط في الصحراء ليس استنزاف خيرات المنطقة وإنما الهدف هو المحافظة على مناصب الشغل هناك، رغم أن أرباح البيع لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج. ثم إن عائدات الفوسفاط الذي يستخرجه المغرب من الصحراء لا يستفيد منها الشمال كما تقول الدعاية الجزائرية، وإنما يتم إنفاقها على المنطقة بمقتضى التزام موقع بين المغرب والشركات العالمية التي يتعامل معها تجاريا، ويحمل شارة أشهر مكتب محاماة أمريكي.
جنرالات الجزائر يعرفون أكثر من أي مسؤول مغربي أهمية الفوسفاط بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي، ولذلك فكل جهدهم منصب اليوم على إشاعة الأكاذيب حول توفر الصحراء على النصيب الأكبر من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، وأيضا إشاعة المخاوف بشأن قرب انقراض هذه المادة الحيوية للاستقرار العالمي. والهدف، طبعا، هو دفع المنتظم الدولي إلى إنشاء مؤسسة دولية مستقلة للتحكم في الفوسفاط.
فهل يدرك المغرب، إذن، قيمة الكنز الثمين الذي يوجد تحت أقدامه؟ وهل يفهم بنكيران وصحبه أن الاستقرار في المغرب «ملف» يتجاوزهم بآلاف السنوات الضوئية؟

 

المصدر: فلاش بريس = رشيد نينيي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 16 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

316,610