كاتبة و صحفية
قيمة المغرب
لن يكون لنا أي رأسمال، لا مادي ولا غير مادي من دون أن يستعيد المواطن المغربي آدميته كاملة غير منقوصة، وهو ما يعني أن توفي الدولة بكل التزاماتها تجاهه بما يمكنها أن تطالبه لاحقا بتوازن الحقوق والواجبات. وسيكون من المتعذر قياس ثروة المغرب من دون قياس قيمة المواطن، الذي تشكل النظرة إليه أساس كل تقدم. وكلما انحدرت نظرة الدولة لمواطنيها، انحدرت مؤشراتها كافة.
وحين يتم الاعتراف بأن مناطق بأكملها تعيش الهشاشة والفقر والبؤس الاجتماعي، فإن الدولة ملزمة بسن سياسة تقشفية عامة تطال كافة جوانب التسيير والإنفاق حتى يشعر الفقراء أن حالهم ليس استثناء، وهو ما يتطلب حذف مظاهر البذخ والتصرف في المال العام كمال سائب لا رقيب عليه.
وستظل كفتنا غير راجحة وقيمتنا ناقصة طالما فتح المواليد الجدد أعينهم في الشارع وانطلقت صرختهم الأولى من الأزقة وليس من غرف المستشفيات العمومية، وستظل وضعية المرأة دونية ولو استنسخنا القوانين الأكثر تقدما في العالم الغربي وطبقنا جميع المواثيق المطالبة بتحرر المرأة، طالما بقيت نساؤنا تحمل على نعوش الموت لمنح الحياة في المناطق النائية والقرى البعيدة، كما ستظل التقارير الدولية ترسم صورا قاتمة عن أوضاع الطفولة في بلادنا ما دامت الدولة لم تتحمل مسؤوليتها في حماية الأطفال من التسول نهارا تحت شمس حارقة والمبيت ليلا في أحضان المجهول، وطالما لم تفكك أخطبوط التسول الذي اتسع نطاقه كما نفوذه. وسيشعر الكبار بالنقمة على المجتمع طالما نشأوا صغارا في ظل النظرة الدونية للآخر، يتسولون لقمة العيش التي تكون أحيانا دامية حين يتعرضون للاغتصاب والقتل سعيا وراء دراهم معدودة.
كيف سنبني مجتمعا فاضلا تستوي فيه النظرة إلى الأغنياء والفقراء من حيث الواجبات والحقوق إذا ظل تعليمنا يخرج أفواج العاطلين ويقذف بهم أمام بوابة البرلمان عوض أن يساهموا في بناء الوطن. وكيف نطور تعليمنا ونجعله يستثمر في الأجيال المقبلة إذا كنا سنسلم مشعل النهوض به لأشخاص شغلهم الشاغل إما سن التبعية لفرنسا أو تعميم الدارجة وإزاحة اللغة العربية من خارطة طريق إصلاح منظومة التربية والتعليم.
حين تبني الدولة الطرق وتصلها بالمناطق النائية وتنظر من نفس الزاوية لأبناء الوطن الواحد إن في الشمال أو الجنوب، في الشرق أو الغرب، وتنشر التعليم وتقضي على الأمية وتوقف الهدر المدرسي وتعمم المستشفيات والمراكز الصحية وتكافح التسول وانتشار الجريمة بفرض هيبة الدولة واستخدام القانون والتشدد في أحكامه للمتربصين بالطفولة وبأمن المواطنين ستنشر شعورا عاما بالمواطنة سينسحب على كافة مناحي الحياة.
سيكسب المغرب حينها مواطنيه، ويحق له أن يطالبهم بالوفاء بواجباتهم تجاه الدولة. لكن قبل ذلك لا بد أن تعترف الدولة بأهمية الحفاظ على الأسرة كنواة للمجتمع، فغنى بلادنا يكمن في التضامن الأسري الذي يعبر عنه في العائلات الفقيرة أو متوسطة الحال الأخ الأكبر حين يقضي حياته مشتغلا لفائدة بقية أفراد العائلة، وغالبا ما يضيع في الطريق أشياء كثيرة لا تصمد أمام الرغبة الجارفة في إنقاذ الإخوة وتمكينهم من مستقبل يضمن لهم حياة كريمة. هذا التكافل يحفظ كثيرا من الأسر المغربية من التشرذم ويبني أسرا جديدة ويعفي الدولة حين يغيب دورها في الدعم والمساعدة، لذلك من واجبها الحفاظ على هذه النواة قوية وهذا يتطلب إعلاما مواطنا يأخذ بتقاليد المغرب وتراثه ويحافظ على هوية متابعيه. فقيمة المغرب من قيمة أبنائه، ونحن نحتاج أن يرفع العلماء والمخترعون العلم الوطني لا أن يتلحف به كل من قذفت به الأقدار إلى هذا البلد أكان مغنيا أو راقصا أو مثليا.
الأوطان يرفع من قدرها حملة العلم وليس حملة مطالب المثلية وإفطار رمضان. فهل سمعتم يوما الغرب أو منظمات حقوق الإنسان الدولية تدافع عن العلماء العرب والمسلمين، بقدر دفاعها عن المثليين ومفطري شهر الصيام. لن يساعدنا الغرب على النهوض إذا لم نقرر فعل ذلك، والعراق الذي سحقته أمريكا وحولته لبلد دون سيادة يعبث به تجار السلاح والقتل على الهوية إنما استهدف لعلمائه وللدرجة الصفر في الأمية. أما وقد قتل علماؤه وقفزت به نسب الأمية، فلم يعد الغرب يسأل عنه ولو من باب ما يدعيه من مكافحة الإرهاب .



ساحة النقاش