محمد الأشهب
كاتب و صحفي
لا وجود للانفصال في القمة الأفرو أمريكية
لا مكان لجبهة بوليساريو في إفريقيا. تلك أهم خلاصة كرستها القمة الأفرو – أمريكية الأولى التي استضافتها واشنطن. وبعد أن أبعدت عن القمة الإفريقية – الأوروبية، وعن القمة العربية – الإفريقية، كان طبيعيا أن ينسحب الموقف على الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك الاستراتيجي لأكثر الدول الإفريقية في رسم معالم المستقبل.
لا مكان أيضا للاتحاد الإفريقي في الحوارات الدائرة بين العوالم، ما لم يتوصل إلى حل قانوني وسياسي لتعليق عضوية الكيان الوهمي «الجمهورية الصحراوية» التي أقيمت من طرف واحد، ضدا على أوفاق ومبادئ الشرعية الدولية. ففي غضون توالي عمليات الإبعاد هذه،يتجلى بوضوح أن الكرة رمي بها إلى ملعب الاتحاد الإفريقي الذي أصبح منظمة إقليمية بلا نفوذ ولا حضور، بسبب تعنت بعض الأطراف في الإبقاء على وضع استثنائي ترفضه غالبية الدول الإفريقية التي سبق لها أن دعت المغرب إلى استعادة مكانته التاريخية في التنظيم الإقليمي.
ولا مكان كذلك لأي حركة انفصالية، لأن العالم اكتوى من نيران الانفصال من أوكرانيا إلى مالي ومن جمهورية إفريقيا الوسطى إلى العراق،سيما في ظل ارتباط التوجهات الانفصالية المنبوذة بالتنظيمات الإرهابية المتطرفة، ولم يعد الأمر يقتصر على نزعات محدودة بسبب تأثير الحدود الموروثة عن الاستعمار واستمرار خلافات الحدود بين الدول، بل تعداها إلى بلقنة تستفيد منها الحركات الخارجة عن القانون، والتي تبحث عن«ملاذات» للاستقرار والانطلاق، بهدف بث الفتنة وانعدام الأمن وأشكال التعصب الديني والعرقي والطائفي.
في مقابل هذه اللاءات التي ارتفعت في قمة واشنطن وفي غيرها من المنتديات السياسية التي تروم إذكاء الحوار والتعاون وبناء شراكات متعددة الأطراف، تبرز الخطة البديلة، متمثلة في أن السبيل الوحيد للتغلب على البلقنة والتجزئة هو الانصراف إلى دعم سيادة ووحدة الدول. فقد تأكد أن الدول التي تفرض سيطرتها على حدودها وتحترم إرادة شعوبها في تقرير مصائرهم عبر الخيار الديمقراطي الذي تجسد فيه صناديق الاقتراع الإرادة الحقيقية في التغيير والتطور، وتعامل جوارها وفق مبادئ العلاقات الدولية المبنية على حسن الجوار والتعاون والتفاهم، هي وحدها التي تصمد في وجه هزات العنف والتطرف والاضطرابات.
بيد أنه على رغم المعضلات الصعبة التي تواجهها القارة الإفريقية، فقد تحولت إلى سوق ناشئة ارتفعت في بعض دولها التي تنعم بالاستقرار نسب النمو إلى درجة لافتة، ولم يكن للمنافسات التي استغرقت القارة من طرف الأوربيين والأمريكيين والصينيين أن ترتدي طابع الحدة، لولا أن القارة تزخر بالإمكانات الواعدة، فقد جلبت الرأسمال من الهند إلى البرازيل، وأغرت كبريات الشركات من البرازيل إلى أبعد منطقة آسيوية، فضلا عن أنها مؤهلة إلى المزيد، نظرا إلى قربها من أوروبا التي أضحت ترى فيها خلاصا من أزماتها المالية والاقتصادية. فيما ترقب الأسواق الإفريقية حضورا للرأسمال العربي وللاستثمارات التي تضررت جراء انعدام الاستقرار في بلدان عربية عدة، بسبب تداعيات ما يعرف بالربيع العربي الذي لم يجلب الرخاء والتعايش الموعود.
وتشكل بلدان الشمال الإفريقي المدخل الطبيعي إلى القارة السمراء، ليس لأنها أقرب جغرافيا فقط، بل لأنها امتدادها الطبيعي شمالا نحو أوروبا وشرقا نحو العالم العربي. غير أن الأوضاع التي تجتازها بلدان الاتحاد المغاربي لا تبدو مشجعة، أقله لناحية انزعاج وتذمر دول إفريقية من نقل الخلافات العربية – العربية إلى الساحة الإفريقية.
والواقع أن الأزمة التي يجتازها الاتحاد الإفريقي ليس مصدرها الانزلاق نحو الاعتراف بكيان لا يتوفر على شروط السيادة فقط، ولكنه إصرار الجزائر على إقحام كيان ثبت أنه لم يجلب للقارة السمراء غير مظاهر الفرقة والتجزئة وشرذمة الصفوف.
أهم درس استخلصه الأفارقة من قمة واشنطن، وتحديدا في ما يتعلق بقضية الصحراء، أن لا دور للاتحاد الإفريقي ولا لمبعوثه الخاص. عدا أن التحديات التي تواجهها القارة في قضايا تكريس الأمن والاستقرار وبناء شراكات اقتصادية، تضع مسافة أبعد حيال الانشغال بالأوهام الصغيرة التي لم يعد لها مكان في عالم التكتلات الاقتصادية الكبرى. في غضون هذه التطورات، لاشك أن الأفارقة ينظرون بكثير من الارتياح والتقدير للدينامية الجديدة التي ميزت علاقات المغرب مع إفريقيا، كونها تستند إلى منظور مستقبلي يرى في البعد الاقتصادي ومسائل التنمية والديمقراطية والاستقرار، أبرز تحديات اللحظة التاريخية.
هذا التطابق الذي أملته الواقعية السياسية الجديدة، يضع على عاتق المغرب، كما شركائه الأفارقة، مسؤوليات جسيمة. وإذا كانت الرباط بشرت في وقت سابق بفوائد الشراكة المغاربية، الإفريقية، عندما ينهض الاتحاد المغاربي من كبوته ويلتفت إلى جواره الاستراتيجي ذي العمق التاريخي والجغرافي، فإن الحاجة ماسة إلى معاودة تحريك مساعي تفعيل الاتحاد المغاربي، كي يقوم بدوره الوازن إلى جانب منظمات إقليمية إفريقية، مثل تجمع الساحل والصحراء ومنظومة دول غرب إفريقيا وغيرها.
المفارقة أن الاتحاد المغاربي تأسس في العام 1989، وكانت قضية الصحراء قائمة تتفاعل في محيطها الإقليمي سلبا، لكنه اختار المجاهرة بأنه يضم خمس دول لا غير، المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس وليبيا، أي أنه ألغى أي وجود لجبهة بوليساريو. وفي تجربته هذه ما يفيد الاتحاد الإفريقي في أن يمضي على الطريق الصحيح بعد تعليق عضوية كيان لا وجود له أصلا.



ساحة النقاش