دموع التماسيح
وأخيرا أصيب الفتى المدلل إبراهيم الفاسي الفهري بفضيلة الخجل، وتنازل وقدم اعتذاره على استضافة مجرمة الحرب تسيبي ليفني إلى منتدى «ميدايز» بطنجة الذي ينظمه معهده المولود بملعقة من ذهب في فمه.
فقد اعترف الفتى المدلل بأن استدعاء معهده لتسيبي ليفني كان خطأ سياسيا يعتذرون عنه، وأنهم يدينون العدوان على غزة. «إوا ملي قلناها ليكم ديك الساعة علاش خرجتو فينا عينيكم»؟
ولم يتوقف الفتى المدلل عند هذا الحد بل إنه وعد بالإقلاع عن استدعاء المسؤولين الإسرائيليين خلال الدورة القادمة، وأنهم سيستدعون كبير المحاورين الفلسطينيين صائب عريقات.
نفهم من هذا أن الفتى المدلل عازم على تنظيم دورة جديدة من منتداه. وإذا كان الجميع يعرف أن نتائج هذا المنتدى على المستوى الدبلوماسي والفكري كانت دائما صفرا على الشمال، فإن لا أحد بالمقابل يعرف حجم الدعم المالي الذي يصرف لهذا المنتدى من طرف مؤسسات عمومية ويضخ في حساباته التي يتصرف فيها الفتى المدلل إبراهيم الفاسي الفهري.
لقد توفرت لإبراهيم الفاسي الفهري الشجاعة الأدبية لكي يتعذر عن دعوته لمجرمة الحرب تسيبي ليفني، التي تفتخر بالقول أنها قتلت من أجل إسرائيل وأنها مستعدة للنوم مع الأعداء من أجل مصلحة إسرائيل، فهل يمتلك الشجاعة الأدبية لكي يطلع دافعي الضرائب المغاربة عن حجم الدعم المالي الذي يتوصل به من المؤسسات العمومية المغربية؟
ويبدو أن الفتى المدلل اقتنع أخيرا بعدما شاهد ما يقترفه العدو الصهيوني في حق أبناء غزة أن تبريره سابقا لدعوته لضيوفه الإسرائيليين بأنهم مجرد مدنيين كان غباء منه، لأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها مدنيون. فلكي تكون مواطنا إسرائيليا يجب أن تكون أولا جنديا من جنودها مستعدا للقتال من أجلها، ولذلك فكل المواطنين الإسرائيليين، ذكورا وإناثا، هم في الواقع جنود احتياط خضعوا للتدريب على حمل واستعمال السلاح والقتل. أما المستوطنون الذين يذرفون دموع التماسيح أمام كاميرات القنوات الغربية بسبب صواريخ القسام فهم جميعهم جنود مسلحون ومدربون على القتل.
ومن كان يسميهم إبراهيم الفاسي الفهري بالضيوف الإسرائيليين المدنيين ليسوا سوى كذبة لم تنطل على أحد سواه، لأن الجميع يعرف أن ضيوفه الإسرائيليين هم في الحقيقة جنود احتياط مستعدون للدفاع عن دولة إسرائيل في أية لحظة.
ولقد كان هذا التبرير الغبي ينضاف إلى لائحة التبريرات الغبية السابقة التي ساقها الفتى المدلل عندما أراد أن يبرر دعوته لمجرمة الحرب «تسيبي ليفني» لحضور أشغال منتداه، عندما قال لجريدة انبرى مديرها الصيرفي لتلميع صورته، إنهم دعوا ليفني لأنها تمثل المعارضة الإسرائيلية، وكأن المعارضة الإسرائيلية لديها مواقف في صالح القضية الفلسطينية، مع أن الجميع يعلم بأن المعارضة والحكومة الإسرائيلية إذا كانتا متفقتين حول شيء واحد فهو بالضبط إبادة الشعب الفلسطيني عن آخره.
فالولد المدلل، الذي يظهر من أسلوبه أنه لا يفتح دفاتر أخرى غير دفاتر الشيكات، لا يستطيع، بعد الاعتذار، أن يقول لنا ما الذي تحقق للمغرب من وراء دعوته لتسيبي ليفني وبقية ضيوفه الإسرائيليين على مستوى قضيتنا الوطنية الأولى. فقد رأى الجميع كيف كادت تحل الكارثة في الصحراء بعد الموقف الأمريكي الذي كاد يعطي للمينورسو صلاحيات مراقبة حقوق الإنسان. فهل يستطيع أن يقول لنا الفتى المدلل ماذا صنع ضيوفه الإسرائيليون للدفاع في الكونغرس والبيت الأبيض وتل أبيب، حيث يتم طبخ القرارات وصنع النزاعات وتغذية النعرات، لتقوية موقف المغرب وإسماع صوته في مراكز القرار الأمريكية والإسرائيلية؟
هل يستطيع أن يقول لنا ماذا ربحت القضية الفلسطينية من وراء استضافته في معهده لكل هؤلاء الصهاينة على حساب دافعي الضرائب المغاربة؟ لا شيء إطلاقا عدا المزيد من المستوطنات في القدس والمزيد من الغارات الجوية في غزة والمزيد من السلاح الأمريكي والمال العربي لإسرائيل.
والموقف الأمريكي من حرب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل في غزة اليوم واضح ولا غبار عليه.
فالخطاب «التاريخي» الذي ألقاه أوباما في الرابع من يوليوز سنة 2008 عندما اعتلى منصة منظمة «الإيباك»، أقوى منظمة يهودية صهيونية في العالم، كان واضحا إلى أبعد حد.
وهذا الخطاب الذي قطع فيه أوباما عهودا على نفسه إزاء إسرائيل ويهودها جاء أياما قليلة قبل نجاحه في دخول البيت الأبيض، أي أشهرا طويلة قبل خطاب القاهرة الذي «رقد» فيه العرب عندما قال لهم بلسانه المتلعثم «السلام أليكم».
إن الفرق الجوهري بين «خطاب الإيباك» و«خطاب القاهرة» هو أن أوباما التزم بجميع ما وعد به اليهود، فيما أخل بكل الالتزامات التي وعد بها المسلمين.
وحتى ننعش ذاكرة الفتى المدلل وكل من يعاني من النسيان ليسمحوا لنا بأن نذكرهم بأهم وأخطر التعهدات التي قطعها «أوباما» على نفسه أمام يهود العالم في ذلك اليوم المشهود. لقد قال «أوباما» إن أمن إسرائيل أمر لا نقاش فيه، ووصل به الأمر إلى القول إن أمن إسرائيل مقدس وغير قابل للتفاوض. وقال أيضا إن القدس يجب أن تظل عاصمة أبدية لإسرائيل وإن تقسيمها بين الفلسطينيين والإسرائيليين أمر غير وارد. وأضاف أن إسرائيل من حقها المحافظة على طابعها اليهودي.
لقد وعد «أوباما» إسرائيل بأنه لن يتخلى عنها، ولذلك فإنه سيخصص ميزانية قدرها 30 مليار دولار للعشر سنوات المقبلة لتقوية ما أسماه «التفوق النوعي» للجيش الإسرائيلي. كما وعد إسرائيل بالوقوف إلى جانبها دائما في مجلس الأمن وفي العالم بأسره. وختم بنبوءة أثبت الزمن تحققها عندما قال إننا لا يجب أن نجبر إسرائيل على الذهاب إلى المفاوضات.
كل ما وعد به أوباما اليهود في ذلك اليوم تحقق أو هو في طريقه إلى التحقق. فالتهويد يسير على قدم وساق، واستمرار بناء المستوطنات لم يعد في نظر البيت الأبيض حاجزا أمام استمرار المفاوضات، والأسلحة التي وعد بها «أوباما» الإسرائيليين تصل في موعدها لدفن الأطفال والأمهات تحت جدران منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم، و«الفيتو» الأمريكي مستعد دائما في مجلس الأمن لإيقاف كل قرار ليس في صالح إسرائيل.
وفي مقابل الالتزام الحرفي بالوعود التي قطعها «أوباما» على نفسه أمام يهود العالم، نندهش عندما نراجع شريط وعوده المعسولة التي أطلقها في خطاب القاهرة الذي وجهه إلى المسلمين.
فقد وعد بتخصيص مئات الملايين من الدولارات لتطوير الاقتصاد الأفغاني وإعادة بناء المدن التي خربتها القوات الأمريكية. كما وعد بإغلاق سجن «غوانتانامو» وإعادة قوات الجيش الأمريكي إلى قواعدها إذا تأكد من عدم وجود متطرفين.
كما التزم بعدم قبوله بشرعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية، والتزم بالدفاع عن حل الدولتين لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. فما الذي تحقق من كل هذا؟
لا شيء إطلاقا. المفاوضات توقفت بعدما صارت عبثية، والمستوطنات تتناسل مثل الفطر، والتهويد جار على قدم وساق، ومخطط تدمير الأقصى ماض لطمس المعالم الإسلامية في القدس وتهويدها بالكامل، ومسلسل إبادة الفلسطينيين يبث في كل تلفزيونات العالم بالمباشر.
عندما نقارن بين خطاب «أوباما» في منظمة «الإيباك» وخطابه في جامعة القاهرة، نكتشف كم هو منافق هذا الرئيس الأمريكي. وإذا كان بوش أكثر الرؤساء الأمريكيين غباء، إلى درجة أنه ألف كتابا يعترف فيه بالسماح بممارسة التعذيب، فإن أوباما يظل أكثر الرؤساء الأمريكيين مداهنة ومكرا على الإطلاق، كأي محام أمريكي محلف.
فأمام اليهود، يتحدث عن اللجوء إلى استعمال القوة من أجل أمن الحليفة إسرائيل. وعندما يقف أمام المسلمين، يكتشف منافع الدبلوماسية ويستحضر مقولة للرئيس البريطاني «تشرشل» الذي قال إنه «كلما قللنا من الاعتماد على القوة اشتدت عظمتنا».
أمام اليهود، يمجد اللجوء إلى القوة من أجل حماية النفس ويعد بحشد الأموال من أجل التسلح. وأمام المسلمين، يمجد الحوار ويدعو الفلسطينيين إلى التخلي عن المقاومة المسلحة، لأن طريق العنف مسدود دائما.
عندما نراجع الخطابين نخرج بفكرة واحدة، وهي أنه في أمريكا لا ينتخب الرئيس وإنما في أمريكا يتم اختيار الرئيس.



ساحة النقاش