التتار
على عادة الجيوش المتوحشة التي غزت أرض فلسطين في القرون السالفة، لجأت إسرائيل إلى الطريقة نفسها التي مارستها هذه الجيوش لإخافة المدنيين وترويعهم. هكذا قام جيش الاحتلال بشواء أجساد الأطفال بنيران قذائفه، وأخرج المستوطنون الكراسي وجلسوا فوق الروابي المطلة على غزة، يتفرجون ويلتهمون حبات الذرة كما لو أنهم يشاهدون فيلم رعب.
إنهم يجتهدون في البطش بالأطفال حتى تشيع تلك الصور المرعبة بين سكان المدن والقرى الفلسطينية المجاورة. وهي الطريقة الجبانة نفسها التي قام بها المغول خلال اجتياحهم لفلسطين، عندما كانوا يسلقون الأطفال في قدور المياه المغلية، ويأكلونهم ويعلقون جثث الرجال أمام مداخل المدن لإخافة السكان وإجبارهم على الاستسلام.
الصور نفسها يتم تداولها اليوم في الصحف والقنوات الفضائية.. وجوه الأطفال المحروقة وأطرافهم المشوية بنيران القصف. وهي الصور التي رافقت الاجتياح البري الإسرائيلي لغزة. فالهدف من وراء تلك المشاهد كان هو إفزاع سكان غزة وإجبارهم على الضغط على حركة المقاومة من أجل إحراجها ودفعها إلى الاستسلام.
لكن علينا أن نفهم أن ما يجري في غزة، وما جرى في مناطق فلسطينية أخرى من مذابح، هو في آخر المطاف معركة ديمغرافية. وهي المعركة التي خسرتها إسرائيل مع مطلع سنة 2010 عندما وصل تعداد الفلسطينيين إلى سقف 6.2 ملايين عربي مقابل 5.7 ملايين يهودي في إسرائيل.
إن العدو الرئيسي لإسرائيل هو معدل الخصوبة في فلسطين. فالفلسطينيون يتكاثرون بضعف معدل تكاثر اليهود في إسرائيل، إذ تبلغ نسبة الخصوبة بالمجتمع الفلسطيني نحو 5.9 لكل امرأة، وهي أعلى نسبة خصوبة في العالم.
ومعدل المواليد في قطاع غزة يزيد عن الألف مولود شهري بمعدل 28 إلى 36 طفلا يومياً، هذا على الرغم من أن قطاع غزة يتوفر على واحد من أسوأ الأنظمة الصحية في الشرق الأوسط.
لذلك فعندما قالت «إيليت شاكيد»، عضوة الكنيست الإسرائيلي من حزب البيت اليهودي، «ينبغي قتل جميع الأمهات الفلسطينيات اللاتي يلدن الأفاعي الصغيرة خلال العدوان الحالي على غزة»، فهي تعي جيدا ما تقول.
إن الهدف ليس هو تدمير البيوت أو احتلال غزة تحديدا، بل الهدف هو نزع فتيل القنبلة الديمغرافية التي تحسب لها إسرائيل ألف حساب، وذلك بقتل أكبر عدد من النساء والأطفال. فرحم المرأة الفلسطينية الولود هو المقصود بكل تلك الصواريخ المدمرة، وهناك لدى القيادة العليا للجيش الإسرائيلي أجندة مضبوطة تحدد تواريخ الهجوم على هذه الأرحام من أجل استئصالها وقتل ما يكفي من أطفال صغار، لتجنب مواجهتهم بعد سنوات عندما سيشتد عودهم.
إن كل المذابح التي اقترفتها الآلة العسكرية الإسرائيلية والتي كلفت أكثر من خمسين ألف شهيد، سواء في مذبحة الدوايمة ومذبحة بلدة الشيخ ومذبحة دير ياسين أو مذبحة قبية وقلقليه وكفر قاسم وخان يونس والقدس والخليل، هي مواعد مضبوطة في الأجندة العسكرية الإسرائيلية لنزع فتيل القنبلة الديمغرافية.
فمعدل إنجاب كل امرأة في غزة هو سبعة أطفال، ومع كل امرأة يقتلها الجيش الإسرائيلي فهو يقتل سبعة أطفال، أي سبعة رجال ونساء، ولذلك يستهدفون مستشفيات الولادة تحديدا.
ونحن كمغاربة نفتخر بأن لدينا طبيبا مغربيا في أحد مستشفيات غزة، ينوب عنا جميعا في إسعاف ضحايا العدوان الصهيوني ويقدم واجب العزاء لعوائل الشهداء.
لقد واجه الجيش الإسرائيلي مصر والأردن وسوريا خلال حرب 67، واستطاع أن يهزمهم وأن يحتل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان في أسبوع. لكن الجيش نفسه رغم التطور الهائل الذي عرفه، لم يستطع أن يقتحم غزة دون أن يترك ثلاثين قتيلا وأسيرا.
مما يدل على قوة شكيمة المقاتلين الفلسطينيين ودرايتهم الكبيرة بفنون الحرب، رغم قلة الوسائل والأدوات. فعندما حصرهم العدو الإسرائيلي فوق الأرض، نزلوا تحتها وحولوا باطنها إلى أنفاق ومخازن ومخابئ.
ولذلك ففي كل مرة تريد إسرائيل قتل عدد معين من الأطفال والأمهات الفلسطينيات، تخترع سيناريو معينا لكي تبرر جريمتها. وهذه المرة كان سيناريو اختطاف وقتل ثلاثة مستوطنين على يد مقاتلين في حماس، ذريعة لشن عملية «الجرف الصامد» ضد غزة.
ووسط ركام أرقام القتلى والجرحى القادمة من غزة، هناك رقمان يجب الانتباه إليهما، الرقم الأول يتعلق بالخصوبة والذي يضع نساء غزة في المرتبة الأولى عالميا، والرقم الثاني يتعلق بالأمية، والذي يضع سكان غزة في المرتبة الأولى عالميا على مستوى محوها، إذ لا تتعدى نسبة الأمية في فلسطين 1،4.
وحتى في عز الحرب والدمار يستمر التلاميذ هناك في دراستهم.
لذلك فالعدو الأكبر لإسرائيل هم أولئك الأطفال الفلسطينيون الذين يتكاثرون ويتعلمون.
عندما ضرب التسونامي اليابان كان أول شيء فكرت فيه الدولة، هو إنقاذ الأطفال، وكان رجال الإنقاذ يغامرون بدخول مناطق فيها إشعاعات، ويعرفون أنهم لن يعيشوا بعد ذلك سوى بضعة سنوات، لكنهم مع ذلك كانوا يصرون على إنقاذ الأطفال، لأنهم يعرفون أنهم بإنقاذهم للأطفال ينقذون المستقبل.
الدول التي يشغلها مستقبل أمتها وشعبها تفعل المستحيل لتعليم وتربية الأطفال والعناية بصحتهم ومحيطهم وتنمية قدراتهم الفكرية والخيالية. أما الدول التي لا ترى أبعد من أرنبة أنفها، فتنشغل باليومي وتنسى المستقبل، والمستقبل لا يوجد أبعد من التربية والتعليم.
ورغم أننا في المغرب لا نواجه عدوا خارجيا، فنحن لدينا أكبر نسبة للأمية في العالم العربي، حوالي نصف المغاربة لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، ولدينا أكبر نسبة من الهدر المدرسي، فحوالي 400 ألف طفل يتركون المدرسة سنويا.
لدينا نسبة وفيات عالية في صفوف الأطفال، فخمسة أطفال مغاربة من أصل 100 يموتون دون الخمس سنوات، بسبب إصابتهم بأمراض تنفسية وبحالات الإسهال الحاد، بينما يتوفى حوالي 1600 رضيع سنويا قبل إتمام الشهر الأول، لأسباب ترتبط بنقص المراقبة الطبية وقلة العلاجات خلال فترة الحمل وعند الولادة.
«هاد الشي كامل بلا حرب بلا سيدي زكري».



ساحة النقاش