وفاء المهدي
كاتبــــــــــة
سأفتقد شهر رمضان
سأفتقد شهر رمضان حقا... لأشياء لن تتكرر طيلة السنة، فعادة أجواء الليل تختلف عن أجواء النهار، فلليل أسياده، من يستأسدون على الباقين، وللنهار سحره وهدوؤه وصخبه، حيث تظل تقول إنه لا وجود لأي خطر إلا إن ذهبت إليه برجليك، لكن في شهر رمضان تنقلب الأحوال، ويصير للنهار بعض من الخطورة في بعض الأحيان، ويسترجع الليل سحره الساكن والآمن. وبالنسبة إلى النساء، فشهر رمضان يعد فرصة لا تعوض، إذ يمكنهن الخروج متى أردن ليلا دون خوف، وأن يلجن المساجد في أي وقت أردن حتى قبل الأذان، كما أن التحرش يقل وكذا تتبع الغاديات الرائحات، ويندر السكر العلني ونوبات الصراخ والغضب لمدمني المخدرات في الليل... هذه الحرية الاستثنائية تكون أكثر اتساعا في رمضان، فتزيل الوحشة عن الأجواء الليلية لتلبسها بعضا من الأمن والأمان.
ومن أجمل الأشياء إلى قلبي، أذان الفجر الذي يتردد في جوف الليل الساكن. لكني لم أكن أفهم جيدا التهليل لعدم وضوح الصوت الذي يصل، وهذه المرة حاولت التركيز أكثر مع معانيه، فرغم اختلاف الصيغ وتعددها، فوجئت بصيغة ظلت تتكرر في رأسي، هي حين قال المؤذن: «يوم لا ينفع نسب... العلم ينفع» كانت أول مرة أسمع التهليل عن قرب، لأن مكبرات الصوت التي تتوفر عليها بعض مساجدنا أو جلها لا توصل الصوت بشكل واضح، ولا أعرف إن كانت مسألة مقصودة، أم لا، لأن هذا الموضوع تمت إثارته في عدة مرات، فقد أثارته نزهة الصقلي بالبرلمان، حين أشارت إلى ضرورة الحد من الأذان لأنه يزعج السياح، وأثير للمرة الثانية مع موجة من الاحتجاجات حين تم استصدار أمر بخفض صوت الأذان بالدار البيضاء هذه السنة، والحال أن المشكل لا يرتبط بالتهليل وأذان الفجر، بل بمكبرات الصوت المتردية والتي لا تنقل الصوت بالشكل الواضح الذي يجب أن يكون عليه لكي يلامس قلوب عموم الناس دون أن يتعب سمعهم.
وما دمنا نتحدث عن المساجد، فهناك من يرفض صلاة المرأة بالمساجد، ويتمسك بهذا الرأي وذلك بمبرر أنها تثير فتنة الرجال، وبالتالي وجب أن تظل بالبيت لكي تتقي شر الفتن، إلا أن هذا المبرر أوهن من بيت العنكبوت، إذ يرمي لتقييد حرية المرأة فقط، فالمساجد ما وضعت إلا لتكون للنساء والرجال من مختلف الأعمار على السواء، وفضاء تثقيفيا بامتياز في الأمور الحياتية المستجدة واليومية، وما إبعاد المرأة عن هذا الفضاء إلا إمعانا في تضييق حدودها التواصلية، وتكريسا لصورتها النمطية بأن وجودها لا يشكل إلا فتنة للرجال.
سأفتقد فعلا شهر رمضان، لسكونه وهدوئه وأمنه...



ساحة النقاش