القنبلة الموقوتة
كشفت كارثة حريق المركز التجاري بالناظور وفاجعة انهيار ثلاث عمارات بالدار البيضاء عن شيء مرعب، وهو أن المغرب في حال ما إذا تعرضت إحدى مناطقه لا قدر الله لكارثة طبيعية، فإن الحصيلة ستكون مريعة.
فمن أجل إخماد حريق في مركز تجاري احتاج رجال الوقاية المدينة إلى أربعة أيام، وها هي قد مرت أربعة أيام على انهيار العمارات الثلاث ولازال هناك ضحايا تحت الأنقاض، بينهم الممثلة الشابة أمال معروفي التي استخرجوا جثمانها ولازال التلفزيون يبث الوصلة الإشهارية التي شاركت فيها دون خجل أو ذرة احترام لمشاعر عائلتها.
والواقع أننا لا يجب أن نتهم رجال الوقاية المدنية بالتقصير، فهم يفعلون ما بوسعهم ويشتغلون بوسائل بدائية لا تضمن لهم حتى سلامتهم الشخصية، فبالأحرى سلامة الضحايا.
أصابع الاتهام يجب أن توجه للمسؤولين الحقيقيين الذين يتسببون في مثل هذه الكوارث، بتغاضيهم عن تطبيق القانون واحترام المساطر.
وعوض أن يتبادل نبيل بنعبد الله والعنصر التهم في ما بينهما حول الجهة التي تتحمل مسؤولية الانهيار، ووفاة هذا العدد الهائل من المواطنين، عليهما معا أن يشرعا فورا في إخلاء أكثر من 8000 بناية صنفها تقرير علمي لأحد المختبرات، كبنايات آيلة للسقوط.
بعبارة أخرى إذا لم تستطيعوا تجنب كارثة بوركون فباستطاعتكم تجنب كوارث أخرى تهدد أكثر من 9250 عائلة في الدار البيضاء بالموت في كل لحظة.
إن الإبقاء على هذه العائلات في هذه المساكن الموقوتة التي يمكن أن تنهار فوق رؤوسهم، مع العلم المسبق بخطورة ذلك، يعتبر جريمة بشعة لا يجب السكوت عنها.
ما حدث في بوركون يكشف أن الدار البيضاء تسير بسرعتين متناقضتين، فمن جهة هناك سرعة الدار البيضاء كقطب مالي ببنايات إسمنتية مسلحة، ومن جهة ثانية هناك سرعة الدار البيضاء كقرية كبيرة لازالت أحياء الصفيح تستوطن قلبها وعربات الدواب تخترق مداراتها الكبرى.
الدار البيضاء ليست مجرد مدينة، إنها القلب النابض للمغرب. وعندما تتصلب شرايين هذا القلب الذي يضخ الحياة نحو باقي مفاصل البلاد، يصاب بما يشبه الذبحة الصدرية ويختنق ويصبح غير قادر على ضخ الدماء الضرورية التي يحتاجها الجسم.
ومثلما أن براريك فقراء الدار البيضاء كانت مهد الانتفاضة ضد الاستعمار، فإن المدينة العمالية المترامية الأطراف كانت دائما في واجهة الأحداث عندما تسوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلد.
فقد انتفضت الدار البيضاء سنة 1965 عندما أصدر وزير التربية الوطنية قرارا مجحفا في حق التلاميذ بسبب تقليص ميزانية التعليم (وهو ما قامت به حكومة بنكيران في نسختها الأولى)، فاضطر الجيش إلى التدخل لإخماد الحرائق التي أضرمها التلاميذ الذين انضم إليهم الطلبة والعمال، وحلق الجنرال الدموي أوفقير فوق المدينة بمروحيته الرهيبة موجها فوهة مسدسه نحو الجموع الذين قتلوا بالمئات.
ثم انتفضت الدار البيضاء في 1981 عندما رفعت الحكومة من أسعار الخبز، وهو القرار الذي كاد أن يتخذه اليوم أرباب المخابر مباشرة بعد العيد، لولا تدخل في آخر لحظة جعلهم يعدلون عن هذا القرار الخطير. وعندما سقط القتلى بالعشرات في هذه الانتفاضة، سماهم إدريس البصري «شهداء الكوميرا»، على سبيل السخرية من مطالبهم، وكلف عيوش الأب، عن طريق الوكالة الحضرية التي كان يضع مسيريها في جيبه، بمشروع اسمه «الدار البيضاء تنتظم» تكلفت به شركة «شمس» التي يملكها. غير أن الميزانية التي كانت تقدر بمئات الملايين صرفت فيما بقيت الدار البيضاء تعيش فوضاها الطبيعية. إلى أن جاءت انتخابات 2007 فتم تكليف عيوش نفسه بإنجاح هذه الانتخابات ومنحت له الإمكانيات في إطار مشروع «2007 دابا»، فانتهى المغرب بالحصول على أسوأ انتخابات في تاريخه من حيث نسبة المشاركة. وها هو اليوم عيوش نفسه يحشر أنفه في ملف التعليم ويرفع التقارير إلى القصر حوله، مقترحا حلولا لمعضلة عجز عن حلها «الشخوشا».
وفي سنة 1990 انتفضت الدار البيضاء، التي لم تنتظم، بمناسبة الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات، فاتخذ الراحل الحسن الثاني قراره بتقسيم المدينة الأخطبوطية إلى خمس عمالات، وأمسك وزير الداخلية القوي إدريس البصري بمداخل ومخارج المدينة مراعيا في هندسة الأحياء الجديدة المقاربة الأمنية. وهذا ما يفسر الاختناق الذي تعيشه الدار البيضاء اليوم على مستوى المداخل والمخارج، بحيث تلزمك ساعتان لكي تخرج من المدينة نحو الرباط أو لكي تدخل إلى أحشائها. مما يضيع على البلاد عشرات الآلاف من ساعات العمل كل سنة، إضافة إلى تدمير جاذبية المدينة وتلويث هوائها، إلى درجة أصبح معها التنفس داخل المدينة شبيها بالتنفس داخل غرفة غاز.
وهكذا، وبسبب كل الهزات العنيفة التي عرفتها الطبقات الاجتماعية، أصبح التعاطي على المستوى المركزي مع الدار البيضاء، مبنيا على الحذر والريبة والتوجس، فهذه المدينة الغول المصابة بالأرق تتعهد بالرعاية في حضنها مادتين شديدتي الخطورة، النقابات والطبقات العمالية المسحوقة من جهة، ومن جهة أخرى طبقة رجال الأعمال والبورجوازية بنوعيها، الوطنية التي يتوارث أبناؤها مشعل الاستثمار وخلق فرص الشغل، أو المتعفنة التي يخرج أبناؤها في ساعات الفراغ لكي يسحقوا رجال الأمن والمواطنين في الطرقات بسياراتهم الفارهة.
وقد وصلت الهوة في السنوات الأخيرة بين هاتين الطبقتين اتساعا فادحا أصبح ينذر بالخطر.
وتحولت المدينة إلى مختبر لتجريب وصفات مختلف انتهازيي المضاربات العقارية ومخبأ لكبار اللصوص والمجرمين المبحوث عنهم عالميا، وملجأ للقراصنة المتخصصين في التربص بأملاك الأجانب المنسية.
ولكي نفهم أسباب الحالة التي وصلت إليها الدار البيضاء، ومعها بعض المدن الفاشلة كالرباط التي تعاني من العمش بسبب رداءة الإنارة العمومية، يجب أن نعود إلى التاريخ لكي نبحث عن الأحزاب والنقابات التي ارتبطت بالدار البيضاء. فمنذ حكومة عبد الله إبراهيم وزمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كانت الدار البيضاء مدينة عمالية نقابية يتحكم في مفاصلها حزب المهدي بن بركة.
ولذلك خلقت الداخلية حزب الاتحاد الدستوري من المنشقين عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أي عبد اللطيف السملالي والمعطي بوعبيد ومحمد أبيض الذي كان حينها من قيادات الاتحاد المغربي للشغل، وقد تم استقطابه لكي يجر معه النقابة نحو الحزب الجديد. غير أن هذا المشروع فشل، لأن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خرج من رحم الشعب وليس من دهاليز الداخلية.
وفيما كان حزب الاستقلال مرتبطا بفاس ثم بعد ذلك بمراكش، ظل الاتحاد الاشتراكي بعد أفول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرتبطا بالرباط عبر من كانوا يسمون حينها «جناح الرباط»، أي عبد الرحيم بوعبيد وأولعلو والآخرون. إلى أن جاءهم طنجاوي من المنفى اسمه عبد الرحمان اليوسفي قاد الحزب نحو طنجرة الضغط الحكومية التي جعلت منه ما هو عليه اليوم.
وفي السابق كنا نعرف كل مدينة بحزبها، أما اليوم فالحزب الوحيد المتحكم في رقاب المدن، هو حزب «الشلاهبية» و«الشناقة» الذين يمسكون بخناق المواطنين ويعصرون جيوبهم بالضرائب، دون أن يروا أثر ضرائبهم على الأرصفة أو الساحات العامة أو الخدمات.
حزب «الشلاهبية» هذا يوجد أعضاؤه في مجالس المدن، وهم من العبقرية بحيث يعرفون الطريقة السهلة والسريعة لدخول المجالس شبه فقراء ومعدمين لا يملكون حتى الصباط، والخروج منها ببطون سمينة وأرصدة منتفخة في البنوك داخل وخارج المغرب.
ولعل قلة قليلة يعلمون بوجود اتفاقية توأمة بين الدار البيضاء وشيكاغو الأمريكية. ولعل الشيء الوحيد الذي استفادت منه الدار البيضاء من وراء اتفاقية توأمة مع ولاية أمريكية، هو استيراد نموذج غرس النخل على طول الكورنيش المتآكل لعين الذياب، وهو النخل الذي مات معظمه بسبب عدم تأقلمه مع الرطوبة الصاعدة من المحيط.
ولعل أول جهاز يجب أن يتحرك لكي يعيد لدافعي الضرائب بالدار البيضاء الثقة في مؤسسات مدينتهم المنتخبة، هو المجلس الجهوي للحسابات الذي يجب عليه أن يزور المجالس المنتخبة ويراجع حساباتها وطرق صرف ميزانياتها. ثم هناك المديرية الجهوية للضرائب التي يجب أن تبحث في ثروات بعض أعضاء المجالس ورؤسائها، لكي تدقق في مصادرها وهل هي متحصل عليها قبل توليهم المسؤولية أم أثناءها.
إن الحل بالنسبة لمدينة مصابة بالسمنة وتضخم القلب وتصلب الشرايين كالدار البيضاء، ليس في ارتفاع علو بنيانها في المارينا أو في الهندسة المستقبلية لبنوكها وشركاتها في المركز المالي، وإنما الحل الحقيقي يوجد في مدى تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية والأمن بالنسبة لكل سكان الدار البيضاء، سوءا كانوا في حي كاليفورنيا أو في سيدي بوسمارة أو درب لوبيلا أو العوينة الحارة.
لقد نجحت، طيلة سنوات، السياسات المحلية للمجالس المنتخبة والشركات الأجنبية المتوحشة، بتواطؤ مع السلطات الوصية، في تطويق الدار البيضاء بأحزمة ناسفة مصنوعة من محاليل البؤس والفقر والتجاهل والاحتقار. ولقد آن الأوان لفك هذه الأحزمة عن خاصرة الدار البيضاء، بحكمة وذكاء وصبر. لأن ترك هذه الأحزمة تزداد يعني وضع قلب البلد رهن قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.



ساحة النقاش