أحمد عوني بعلوشة
كاتــب و صحفــــي
آلةُ الحربِ لا تعرف قيمةَ القصص التي تحملها البيوت
«لما أموت.. في ناس هتزعل عليا، وناس هترتاح مني، في ناس هتفتكرني طول عمرها، وناس مجرد ما تسمع الخبر مش هيفرق معاها»
كان هذا آخر ما كتبه الشهيد فخر العجوري من شمال غزة على صفحته عبر «فيسبوك»، قبل أنْ يتحوَّل إلى قطعٍ متناثرة، بعد أنْ استهدفته الطائرة وهو ينقل حاجيَّاتِ النَّاسِ على عربته التي يعمل عليها كناقلٍ للبضائع، وليقول هذا الحدثُ للعالم أنَّ جميعَ الفلسطينيين قد أصبحوا في مرمى النيران، وأنَّ كافة الناس في غزة هم مستهدفون من الطائرات التي تُغير على كُلِّ الأماكن دون استثناء. وكي تشتد قسوة الظروف والزمان على أهل القطاع، في ظل استمرار الحصار المطبق على أهله، والذي فرضته اسرائيل منذ حزيران 2007، وانقطاع التيار الكهربائي بين الحين والآخر، إضافةً إلى النقص العام في الموارد والحاجيات الأساسية التي تكفل للإنسان حياةً كريمة. ويشن سلاح الجو الاسرائيلي، منذ مساء الاثنين الماضي – السابع من يوليو تموز 2014- غارات مكثفة على أنحاء متفرقة في قطاع غزة، في عملية عسكرية أطلقت عليها إسرائيل اسم «الجرف الصامد» وقابلته المقاومة الفلسطينية بإطلاق اسم «العصف المأكول» على هذا العدوان. بدأت الطائرات بشن غارات على كافة الأحياء في قطاع غزة من شماله وحتى أقصى جنوبه، ليصل المناطق الحدودية مع جمهورية مصر العربية، وليقصف البشر والحجر، وتكون حصيلة العدوان الاسرائيلي على غزة، بحسب إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية، 120 شهيداً، 930 جريحاً.. وشهيدٌ آخر قد يسقط الآن أثناء كتابة هذا التقرير، الأمر الذي يجعل مسألة الأعداد قصَّةً تراكميَّةً رواها الأجدادُ قديماً، وما زال الأبناءُ يقرؤونها لأبنائهم.
آلةُ الحربِ لا تعرف قيمةَ القصص التي تحملها البيوت، ولا تعي قيمة الذكريات التي عاشها الشهداء قبل أنْ يذهبوا. كلُّ شيء في هذه المدينة مستهدف.. الإنسان، البيت، المشفى والدمى، وربما أصبح واضحاً أنَّ بنكَ الأهداف الذي تحدثت عنه قيادة الجيش الاسرائيلي قد أصبح فارغاً؛ ليصبح المستهدف هو الطفل والشيخ والبيوت الآمنة.
تصريحات كثيرة تصدر عن دولة الاحتلال بين الفينة والأخرى، تفيد بأنَّ عمليةً عسكرية برية سوف يقوم الجيش الاسرائيلي من خلالها باجتياح قطاع غزة والقضاء على حماس، إلا أنَّ «أبو عبيدة» الناطق الإعلامي باسم كتائب القسام، قال: «أيتوعدنا الاحتلال بما ننتظر على أحر من الجمر؟»، في إشارةٍ منه إلى أنَّ اسرائيل سوف تتكبد خسائر فادحة إذا ما فكرت ببدء عملية برية في قطاع غزة، وتابع أبو عبيدة حديثه خلال رسالته قائلاً: «إذا فكَّر العدو بعدوان برِّي؛ فسيقابل بردٍّ لن يتوقعه عدوٌّ ولا صديق».
وقال عسكريون إن الآليات العسكرية تتمركز على الشريط الحدودي لقطاع غزة وذلك بشكلٍ محدود دون أيِّ تقدمٍ لهذه الآليات.
يُذكر أنَّ رئيس الوزراء الاسرائيلي قطع مؤتمره الصحفي حين سقطت صواريخ المقاومة بالقرب من هذا المؤتمر بمدينة تل أبيب، وقد أعلنت سرايا القدس، الذراع العسكري لحركة الجهاد الاسلامي، مسؤوليتها عن هذه العملية، وقالت إن كل المدن والبلدات المحتلة هي في مرمى صواريخ المقاومة الفلسطينية. وفي تعقيبه على هذه العملية، قال الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم: «هذا هو الفرق بيننا وبين الاحتلال، نحن نعرف تماماً أين تسقط صواريخنا، ونستهدف مواقع عسكرية تتبع للجيش الاسرائيلي، وهم يستهدفون الأطفال والنساء».
لا زالت الأم تبكي.. على ولدها الذي لم يفرح بعد بنتائج الثانوية العامة ليسقط شهيداً بين هؤلاء الشهداء الكثر الذين يرتقون في كلِّ وقتٍ وحين، هؤلاء الذين لا يعلمون حتى الآن، ما هو سبب هذا الموت الذي يطولهم في كلِّ الأمكنة والأزمنة.
معظم الأطفال يشترون الفوانيس في شهر رمضان، ليلعبوا بها مع أصدقائهم ويمارسوا الطقوس الجميلة التي يحملها هذا الشهر الفضيل، إلا أنَّ أطفال غزة قد توقفوا تماماً عن استخدام هذه الفوانيس، لأنَّ الفوانيس التي ترميها الطائرات في سماء غزة كانت كفيلةً بأن تُلغي فرحةَ الأطفال وتؤجل موعد اللَّعبِ إلى وقتٍ غير معلوم، ومن بين هؤلاء الأطفال الطفلة كفاح غنَّام التي كتب عنها الشاعر الفلسطيني خالد جمعة عبر موقعه الشخصي: «من ضمن شهداء رفح هذا اليوم، الفتاة كفاح غنام، وهي فتاة صماء كانت تقاوم إعاقتها عبر برنامج تعليم خاص في إحدى المؤسسات، كانت تعود إلى المنزل سعيدة كلما تعلمت شيئاً جديداً… ربما استشهدت كفاح ولم تسمع أغنية في حياتها، لم تسمع صوت أمها، لم تسمع صوت قطة أو عصفور، لم تسمع صوت أذان الفجر، وبالطبع لم تسمع صوت الانفجار».



ساحة النقاش