فـضائـح وأزمـات هــــــزت المغرب في رمضان (5/6)
أحكام إعدام وفضائح أخــــــــــلاقية في شهر الغفران
البصري وحملة التطهير
عبد الصمد الزعلي
العدد :2419 -
تزامن شهر رمضان بحملة التطهير الشهيرة التي قادها إدريس البصري، الذي عوض أن يركز على رجال الأعمال والمتورطين الحقيقيين في مجموعة من المخالفات، بطش بالبسطاء والأبرياء، الذين زج بهم في السجن، وتكشف بعض المصادر التي عاصرت تلك المرحلة على أن الحملة استهدفت مواطنين لا ذنب لهم سوى أنهم ليسوا من أتباع إدريس البصري ومقربيه، ومنهم من كان يعارض سياسته علانية، فجعله ذلك محط سخط من الوزير القوي، وعلى غير المتوقع من الحملة التي شنها البصري، فقد أدت إلى تشويه صورة المغرب في العالم، وآثرت على فرص الاستثمار في المملكة.
ورغم أنه ظل يبرر لفترة طويلة أنه كان ينفذ أوامر الملك، إلا أن إدريس البصري كان يعد مهندس حملة التطهير التي استيقظ عليها المغاربة في عز شهر رمضان، والتي سرعان ما اتهموه باستغلالها لتصفية حساباته مع خصومه.
وقد كانت المحاولة الأولى للحملة في سنة 1994، عندما حاولت الدولة محاربة التهريب لكنها فشلت، قبل أن تحاول مجددا في سنة 1995، حيث تم وضع لجان تضم ممثلين عن السلطات العمومية والجمارك، لكنها سرعان ما باءت في الفشل بدورها حسب المصادر ذاتها، واستمر الحال هكذا حتى السنة الموالية، أي سنة 1996، بعدما تضاعفت التقارير المرفوعة إلى الملك الحسن الثاني حول تزايد التهريب المالي، الشيء الذي أغضب الملك.
ففي سنة 1996 شهد المغرب أكبر حملة لتهريب الأموال إلى الخارج، حيث أقدم عدد من رجال الأعمال المغاربة على تهريب أموالهم، وإيداعها في البنوك الخارجية، وهو الأمر الذي ظهر تأثيره بشكل كبير على الاقتصاد المغربي، وهذا ما أغضب الحسن الثاني الذي سرعان ما أمره وزيره القوي بتتبع الأمر ومعاقبة المخالفين.
وأشرف إدريس البصري شخصيا على ملف مخالفات المستوردين المغاربة، وهم رجال أعمال كان محمد القباج وزير المالية آنذاك قد قدم أسماءهم إلى الملك الحسن الثاني، كانت لديهم مشاكل ضريبية تتعلق بأنشطتهم الاقتصادية.
القباج يومها اقترح على الملك الراحل الحسن الثاني أن يتم إشعار رجال الأعمال المخالفين بإنذارات كتابية، غير أن الحسن الثاني رفض اقتراح القباج، مشيرا إلى أن المخالفين المعنيين لن يردوا على الإنذارات الكتابية التي ستسلم إليهم، لذلك أقدم الحسن الثاني على سحب الملف من القباج وتسليمه إلى إدريس البصري، الذي سرعان ما وجد الفرصة السانحة لتصفية حساباته القديمة مع العديد من هؤلاء.
واستهل البصري حملته التطهيرية، بالصيدلاني بنعبد الرزاق، الذي وجه إليه اتهاما بإدخال عينات دم ملوثة بفيروس «السيدا» من الخارج، ورمى به في السجن بعد أن أصدر القضاء حكمه عليه بتسع سنوات سجنا نافذا.
رغم أن القناة الثانية يومها استضافت من قال يومها إن قصة استيراد دم ملوث بـ»السيدا» أو التهاب الكبد ما هي إلا قصة مفبركة، حيث تم تقديم الأدلة والبراهين على أن القصة كلها لتصفية الحسابات السياسية.
ولم يكن إدريس البصري خيار الملك الأول للإشراف على الملف، إذ يروى في هذا المجال أن الملك الراحل الحسن الثاني، وصله تقرير مفصل عن نشاط التهريب في المغرب، حيث أشار التقرير الذي رفعه مدير الجمارك إلى الملك، إلى أن الظاهرة استفحلت وفي طريقها إلى الخروج عن نطاق السيطرة. فاستقبل مجموعة من الوزراء، وكان غاضبا قبل أن يتوجه إلى الوزير الفيلالي بسؤال حول استعداده لمباشرة الملف، فاعتذر الفيلالي عن الأمر وذلك بسبب وضعه الصحي الذي لم يكن يسمح له بمواكبة ما يريده الملك الراحل الحسن الثاني.
رفض الحملة وصل إلى حد تقديم الاستقالة من طرف وزير حقوق الإنسان محمد زيان، فقد رفض زيان الحملة واعتبرها ظالمة، وأن إدريس البصري يستغلها لتصفية حساباته مع خصومه، وأدى الأمر إلى أزمة سياسية في الحكومة، وصرح يومها محمد زيان أنه لن يستمر وزيرا في حال استمرت الحكومة في حملة التطهير.
وهكذا قاد إدريس البصري أول مواجهة بين رجال الأعمال وأصحاب الشركات، وبين المخزن من جهة في المغرب الحديث.
من جهة أخرى كان رجال الأعمال المعنيين يدافعون عن فكرة أن فرص الاقتصاد الوطني في المغرب يجب أن تكون متساوية بين الجميع، وأن ديمقراطية حقيقية هي السبيل الوحيد إلى فرض ضرائب قانونية عليهم واستخلاصها بشكل قانوني.
وقد جاء موقفهم ذلك بعد هيمنة المقربين من المخزن على ثروات البلاد، وعلى جميع المجالات الاقتصادية.
وبالمقابل كان أغلب رجال الأعمال المعنيين حسب بعض المصادر من الجيل الجيد الذي درس في الجامعات الأوربية والأمريكية والمتشبع بمبادئ الديمقراطية.
التقرير الذي حرم المغرب من الانضمام إلى الاتحاد الأوربي
لم يقتصر تزامن رمضان مع أحداث وفضائح داخلية فقط، بل ميزت بعض شهوره أحداث عالمية كان المغرب طرفا فيها، ومن بين أكثر الأحداث تذكرا، قضية أو صدمة تقرير أوربي حول المخدرات، وهو التقرير الذي كان سببا كافيا للملك الراحل الحسن الثاني كي يتخلى عن حلم المغرب بأن يصبح بلدا أوربيا، غير أن تقارير دولية وقفت في وجه الملك، بعدما رسمت المغرب كدولة تغرق أوربا بالمخدرات.
وتأتي القضية بعد أن طالب الملك الراحل الحسن الثاني بانضمام المغرب إلى الاتحاد الأوربي، برر الملك طلبه بكون المغرب أكثر قربا لأوربا، حيث أشار إلى أن أوربا لا تبعد عن المغرب إلا بأربعة عشر كيلومتر، غير أن الاتحاد الأوربي تبنى اختبارا يفرضه على كل الراغبين في الانضمام، ويتضمن إعداد تقارير من هيئات تابعة له حول مجموعة من الأمور، التي تعد شرطا أساسيا أمام أي دولة ترغب في الالتحاق بالمجموعة الأوربية، ومن هذه المواضيع كان هناك تقر ير حول الوضع في الصحراء المغربية، إضافة إلى مدى احترام المغرب لحقوق الإنسان، وفي الأخير ملف المخدرات والحشيش، وهذا هو العامل الأهم، وكلف الاتحاد الأوربي «المرصد الجيو سياسي للمخدرات» بإنجاز تحقيق حول مسؤولية المغرب عن إغراق أوربا بالمخدرات، فوضع المرصد تقريره لدى الهيئات المختصة في الاتحاد الأوربي سنة 1995 تزامنا مع شهر رمضان.
التقرير كان قاسيا وغير متوقع من طرف الحسن الثاني، إذ شكل صفعة قوية وخيبة أمل لطموحه إلى حصول المغرب على عضوية الاتحاد الأوربي وكشف التقرير أن المغرب هو أول مصدر للحشيش في العالم، كما يعد المزود الرئيس للأسواق الأوربية بالمادة»، ولم يقف التقرير عند حدود أرقام وإحصائيات، بل كشف عن خبايا تجار وأباطرة المخدرات، وأن شخصيات نافذة في المغرب متهمة بالتورط في تجارة المخدرات وتصديرها إلى البلدان الأوربية.
سرعان ما عرف التقرير طريقه إلى الصحافة، ولم تتردد صحيفة «لومند» الفرنسية في تخصيص تقرير لما جاء فيه، كتبه أحد صحافييها المختصين في الشأن المغربي. فقد نشرت صحيفة «لومند» الفرنسية مقتطفات من التقرير تحت عناوين مثيرة، وأشارت في التقرير إلى أن المرصد الجيوسياسي توصل إلى أن المغرب هو المصدر الأول في العالم للحشيش، كما اتهم مقربين من الملك الحسن الثاني بالاتجار في المخدرات.
بعد صدور عدد الصحيفة الفرنسية، قرر الحسن الثاني رفع دعوى قضائية ضد الجريدة أمام القضاء الفرنسي، بتهمة القذف والتشهير بسوء نية في حق رئيس دولة دون التأكد من صحة ما نشر.
أدان القضاء الفرنسي صحيفة «لوموند» لنشرها معلومات عن الملك الحسن الثاني دون التأكد من صحتها، وقضت المحكمة بتعويض لفائدة الدولة المغربية بخمسة آلاف فرنك فرنسي، وفرنك للحسن الثاني، كما قررت المحكمة تكليف الصحيفة مصاريف الدعوة.



ساحة النقاش