http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

محمد الأشهب

 

كاتب و صحفي

 

بين بوليساريو وداعش

 

التطرف لا يصنع الدولة والانعزال كذلك. في تجارب سابقة ولاحقة أن أوهام إقامة كيانات راديكالية، يسارية أو إسلامية لم تجلب للعالمين العربي والإسلامي إلا المزيد من النكسات.وقبل أن يبشر أبو بكر البغدادي بدولة الخلافة التي اقتطع أجزاءها من أراضي سوريا والعراق، ظهر «بغداديون» من نوع آخر في منطقة الشمال الإفريقي، بتزامن واندلاع نزاع الصحراء.
في خلفيات تاريخية ووقائع ثابتة أن جماعة من الشباب ذوي ميول ماركسية ـ لينينية، حلموا يوما بإقامة ثورة تبدأ من تخوم الصحراء وتمتد إلى أجزاء أخرى في العالم العربي. والتقوا في ذلك مع حركة «ظفار» في شرق العالم العربي التي راهنت بدورها على إطاحة نظام سلطنة عمان والتمدد في اتجاه دول الخليج. فالأهمية اليسارية كانت مغربية، حيث يشطب الانتماء الوطني ومفاهيم الأسرة والعلاقات الاجتماعية لفائدة نظرية الدولة المهيمنة.
المفاهيم والنظريات والطروحات الإيديولوجية هي التي تباينت، أما فكرة الهيمنة والتوسع وإلغاء منظومة الدول المتعارف عليها، فقد استمرت، وليس غريبا أن دولة الخلافة تقتبس المنظور ذاته، مع فارق في الأدبيات والمبررات.
عندما برزت بوليساريو إلى الوجود، ضمن خليط من الأجناس والانتماءات، تم تجميع أعداد كبيرة من أفارقة منطقة الساحل الذين هربوا من الجفاف وشح الأمطار، إضافة إلى خبراء عسكريين من أوروبا الشرقية وكوبا، وتحولت تيندوف الواقعة تحت النفوذ الجزائري إلى ملاذ لكل هؤلاء، إلى جانب متحدرين من أصول صحراوية جرى اختطافهم من بيوتهم والزج بهم في تلك المجتمعات. كان الهدف يروم إلغاء كافة الروابط الاجتماعية وتحولت النساء إلى «خزان» لتفريخ المواليد الذين كانت صلاتهم تقطع مع ذويهم، فالأممية اليسارية لا مكان فيها للأسرة.
من المفارقات أن دولة الخلافة المعلنة أخيرا في العراق وسوريا تكاد تخضع لنفس الاعتبارات، مقاتلون متطوعون من الشيشان والصومال وأفغانستان والشمال الإفريقي ومواطن الغربة في البلدان الأوروبية. وهناك دائما الزعيم الذي لا يخضع لانتخاب أو اختيار ديمقراطي، فالبطش وقطع الرؤوس وإشاعة الخوف هي الثقافة الوحيدة السائدة.
ظل المغرب ولا يزال على قناعة بأن إقامة كيان وهمي في الصحراء يهدف إلى فصله عن امتداده الإفريقي، عبر صنع حاجز يحقن شرايين تدفق الحس الحضاري الذي ربط إفريقيا والعالم العربي، عدا أنه يمثل مختبرا لزرع التفرقة وتضخيم عوامل التجزئة. والحال أن ما يعرف بدولة الخلافة في الشرق تلتقي عند الهدف ذاته، أي تجزئة دولتي العراق وسوريا والانطلاق منها نحو نشر عدوى تفتيت الكيانات في كل اتجاه.
القاسم المشترك بين الحالتين، على رغم تباينهما من حيث التوقيت والمسار، أن الفوضى الخلاقة التي بشر بها مهندسو العالم الجديد، لم تبدأ اليوم، فقد اندلع التوتر في شمال غرب إفريقيا بتزامن وأزمات إقليمية ساخنة في جنوب السودان وشرق إفريقيا عبر حرب «الأوغادين» وفي لبنان أيضا في العام 1975، ولا يمكن لكل هذه التطورات السلبية أن تحدث دفعة واحدة، على امتداد أوسع، من دون وجود مخطط أكبر. لذلك فإن الكثير من المتغيرات الصادمة التي يعرفها العالم العربي تندرج في نطاق ما كان يصفه أحد كبار المفكرين العرب بـ «تجزئة المجزء وتقسيم المقسم». وربما أن العواصم العربية في غالبيتها هي التي تفاجئها هذه التطورات، مع أنها لا تعدو أن تكون نتائج طبيعية لمقدمات على الأرض.
وحده المغرب من بين دول العالم العربي حرر أراضيه وفق منهجية سلمية لم ترق فيها قطرة دم واحدة، لولا أن معاكسة الجار الجزائري جلبت على المنطقة ويلات وأزمات. والغريب أنه بعد أن كان تحرير الأرض مطلبا قوميا ووطنيا، صار اليوم تقسيمها وتجزئتها واقعا مريرا يعاينه الجميع من موقع الارتخاء على مقاعد المتفرجين.
أحسن المغرب إذن حين أبعد جامعة الدول العربية عن الخوض في ملف وحدته الترابية. فطن قبل هذا الوقت إلى أن الدفاع عن الوحدة والسيادة سيكون المفصل الجوهري في التحديات القادمة، ولم يكن ذهابه إلى الأمم المتحدة إلا الدليل على أن المنتظم الدولي الذي يضبط أوفاق الاعتراف بالدول وتحديد معالم وجودها والتزاماتها يستطيع أن يتجاوز عيوب ومؤاخذات سياسات إقليمية أدت إلى المزيد من التجزئة. لكن الخطاب الذي برز في الآونة الأخيرة، إبان اندلاع الأزمة السورية، حول ضرورة صيانة سيادة ووحدة الدول في المقام الأول، مهما كانت الخلافات مع نظمها الاستبدادية، يكسب اليوم أهمية متزايدة، في ضوء ما يحدق بالعراق وسوريا ومجمل المنطقة العربية من مخاطر.
لم يقع الانتباه إلى ما تحمله بوادر التجزئة من رياح عاصفة. وما من شك في أن بعض الأطراف العربية التي غذت هذه النزعة تتحمل كامل المسؤولية إزاء ما آلت إليه الأوضاع. اليوم دولة الخلافة التي لا مقومات ولا وجود ولا حدود لها، وغدا لا أحد يعلم عن أي شيء يتفتق هذا الواقع الذي يحبل بالتناقضات والمخاطر.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 29 مشاهدة
نشرت فى 10 يوليو 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,681