موقع عبدالله عبدالمجيد للعلوم الكونية

موقع يهتم بجميع مجالات العلوم الكونية

ولو ثبت هذا الأمر، لطرحتْ هندسة هذا النظام بعضَ التحديات والفرص المثيرة للاهتمام فيما يخص النماذج النظرية لنشوء النظم الكوكبية وتطورها، وقد انتهى عدد من المتخصصين بالديناميك (التحريك) الفلكي إلى أن تشكيل هذا النظام الافتراضي هو، في أحسن الأحوال، يكاد يكون مستقرا، فالاستقرار الدينامي للنظام سيتحسن تحسنا كبيرا إذا لم يَحْوِ رفيقا في الوسط، إن هذا أمر جدير بالملاحظة، إذ إن الشواهد الرصدية على وجود الرفيق الأوسط أضعف من شواهد وجود الرفيقين الآخرين.
ويبدو أن نظام أبسيلون أندروميدي يخالف جميع الآليات التي وُضِعت لها نظريات، والتي تجعل الكواكب العملاقة تهاجر نحو الداخل من الأفلاك البعيدة التي نشأت فيها، وإذا أدت التآثرات بين الكواكب الأولية القرصية إلى اضمحلال المدارات، فإن الأكثر احتمالا أن يكون الكوكب الأكثر ضخامة هو أول كوكب يولد، ومن ثَم يُعثر عليه على أقصر مسافة من النجم وهذا وضع مخالف للنمط الذي يسود نظام أبسيلون أندروميدي، ولو أن الرفيقين الأقرب إلى النجم والأبعد عنه كانا موجودين، لقدّم النظام مثالا على نموذج التبعثر الذي تسببه الكواكب بعضها لبعض، وهو نموذج يهاجر فيه كوكبان ضخمان إلى مدارين قريبين أحدهما من الآخر، ومن ثَم يبعثر كل منهما الآخر تثاقليا، بحيث يشغل أحدهما في نهاية المطاف مدارا دائريا تقريبا قريبا من النجم، والآخر مدارا بعيدا له اختلاف مركزي. والصعوبة التي تواجه هذا السيناريو هي أنه يُتوقع عندئذ أن ينتقل الرفيق الأثقل وزنا إلى المدار الصغير، والرفيق الأخف وزنا إلى المدار البعيد وهذا مخالف للسمات المميزة لنظام أبسيلون أندروميدي.
تُرى، هل يمكن أن يكون هذا النظام مزيجا لهذين السيناريوهين، أي أن يكون اضمحلالا مداريا ناجما عن التآثرات بين الكواكب الأولية القرصية في حالة الجسم الداخلي، وبعثرة تثاقلية متبادلة بين الرفيقين الآخرين؟ ،من المحتمل أن تندخل أيضا عمليات نشوء وتطور مختلفة كليا، كتفتت الغيمة الغازية للنجوم الأولية، التي يُظن أنها تولِّد نظما مكونة من نجوم متعددة ورفقاء من الأقزام السمر.
وإذا لم يوجد سوى الرفيقين الأقرب إلى النجم والأبعد عنه، فإن النظام سيكون مشابها من الوجهة الهندسية للنظم التقليدية الثلاثية النجوم، المكوَّنة من نجمين أحدهما قريب من الآخر ونجم بعيد في مدار له اختلاف مركزي، ولا نملك في الوقت الحاضر سوى تخمينات فيما يخص نظام أبسيلون أندروميدي، وسوف يساعد المزيد من الرصد والتحليل على تحديد عدد الرفقاء وكتلها وعناصر مداراتها.
إن طرق الاكتشاف التي استخدمت حتى الآن، غير قادرة على اكتشاف نظم كوكبية شبيهة بنظام كوكبنا الشمسي، وذلك يعود إلى أن الارتعاشات النجمية بسبب الكواكب، التي هي بحجم أرضنا والتي تدور في أفلاك قريبة من نجومها أو التي هي بحجم المشتري والتي تدور في أفلاك بعيدة عن نجومها مازالت أخفض من العتبة threshold القابلة للرصد، ومن ثم فمن السابق لأوانه القفز إلى النتائج المتعلقة بالوجود الفلكي لكواكب شبيهة بالأرض، إن فهمنا لأصل الأجسام الرفيقة لنجوم شبيهة بالشمس، والتي تم تعرّفها منذ عهد قريب، لا بد من أن يتطور، وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة فهمنا لنظامنا الشمسي.
تُرى ما العلاقة بين هذه الأجرام وكواكب نظامنا الشمسي؟ ،فوفقا للنموذج السائد لتكوّن الكواكب، اندمجت الكواكب العملاقة في نظامنا الشمسي خلال عملية جرت على مرحلتين، في المرحلة الأولى، تجمعت الكويكبات الصلبة معا لتكوّن لب كوكب بدائي، وبعد ذلك جَذَب هذا اللبُّ تثاقليا، غلافا غازيا ضخما من السديم المحيط به، ويتعين على هذه العملية أن تكون اكتملت في نحو 10 ملايين سنة من تكوّن السديم الشمسي نفسه، وذلك طبقا لما يستخلص من الأرصاد الفلكية لعمر أقراص الكواكب البدائية الموجودة حول النجوم الفتية الشبيهة بالشمس.
وعلى مسافة تبعد أقل من 0.5 وحدة فلكية عن نجم ما، تكون كمية المادة في القرص البدائي غير كافية لتكثيف أَلباب الكواكب البدائية الصلبة، وفضلا على ذلك، فثمة شك في إمكان كوكب بدائي في مدار قريب جذبَ قدرٍ كاف من الغاز المحيط به ليكوّن غلافا ضخما لكوكب شبيه بالمشتري، وأحد الأسباب ناشئ عن الهندسة البسيطة: فالجسم الموجود في مدار صغير يقطع مسافة في الفضاء أقصر مما يقطعه جسم في مدار أكبر، ثم إن القرص الغازي يكون أسخن كلما اقترب من النجم، ومن ثم فإن احتمال تكثفه على لب كوكب بدائي يكون أقل، وقد قُدمت هذه الاعتبارات حججا لدحض تكوّن كواكب عملاقة في مدارات بدورات جد صغيرة.
وبدلا من ذلك، اقترح بعض العلماء النظريين أن الكواكب العملاقة المزعومة خارج النظام الشمسي ربما تكون قد تكوّنت على مسافات تبعد عدة وحدات فلكية عن النجم، ثم هاجرت إلى الداخل فيما بعد، وثمة ثلاث آليات لهجرة المدارات الكوكبية قيد النقاش، اثنتان منها تتضمنان تآثرات بين القرص الغازي والكوكب البدائي، وهذه التفاعلات تسمح للكواكب بالحركة مسافات طويلة من المواقع التي وُلِدت فيها ما بقي هناك قرص ضخم.
فوفق نظرية التآثرات بين القرص الغازي والكوكب البدائي التي قدمها گولدرايتش وتريمين يكون الكوكب محجوزا بسريان الغاز نحو الداخل والذي يتنامى على النجم البدائي، وربما ينغمر في النجم أو ينفصل عن الغاز عندما يصبح قريبا من النجم، أما الآلية الثانية فهي أن التآثر يجري مع قرص من الكويكبات وليس مع قرص غازي: إن كوكبا عملاقا مطمورا في قرص ضخم جدا من الكويكبات قد يتبادل الطاقة والزخم الزاوي مع القرص عن طريق التبعثر التثاقلي والتآثرات الرنينية، كما سيتقلص مداره على طول الطريق إلى الحافة الداخلية للقرص، وذلك على مسافة لا تبعد عن النجم أكثر من بضعة أمثال نصف قطر هذا النجم.
والآلية الثالثة هي تبعثر الكواكب الكبيرة التي إما أنها تكونت في مدارات قريبة بعضها من بعض سعيا لاستقرار طويل الأمد، أو تكوّنت وهي في طريقها إلى هذه المدارات، ويتعذر التنبؤ بنتائج هذه العملية، إلا أنها تؤدي عموما إلى مدارات ذات اختلافات مركزية كبيرة لكلا الكوكبين، وفي بعض الحالات التي تحدث مصادفة، ينتقل أحد الكواكب المبعثرة إلى مدار له اختلاف مركزي، ويقترب هذا الكوكب من النجوم كثيرا عند حضيضه إلى درجة تمكّن الاحتكاك المدّي من جعل مدار الكوكب دائريا في نهاية المطاف، أما النجم الآخر فيتبعثر إلى مدار بعيد على هيئة قطع ناقص، وتسمح جميع هذه الآليات بمدى واسع من أنصاف الأقطار والاختلافات المركزية لمدارات الكواكب وذلك للكواكب التي كتب لها البقيا.
إن هذه الأفكار ليست مجرد تعديل بسيط للنموذج المألوف لتكوّن الكواكب، وهي تتحدى التوقعات السائدة على نطاق واسع، والتي تذهب إلى أن أقراص الكواكب البدائية حول النجوم الشبيهة بالشمس تتطور عموما إلى نظم كوكبية عادية مثل نظامنا الشمسي، ومن المحتمل أن معظم الكواكب تُولَد في تشكيلات غير مستقرة، وأن تؤدي الهجرة الكوكبية اللاحقة إلى نتائج تختلف تماما من نظام إلى آخر، بسبب حساسيتها للخصائص الابتدائية للقرص، هذا وإن شرح الرابطة بين الكواكب الرفيقة المكتشفة حديثا خارج نظامنا الشمسي وبين كواكب نظامنا الشمسي يتطلب المزيد من التطورات النظرية والرصدية، ومع ذلك فهناك أمر واحد لا شك فيه، وهو أن الفكرة القائلة بأن الكواكب يُمكن أن تغير مداراتها تغييرا كبيرا هي فكرة وجدت لتبقى.
ومما تقدم نجد أن تلك الفرضيات ما هي إلا اجتهادات حاول بها واضعوها تعليل أمر خارج عن نطاق قياسهم وتجربتهم، وهي تبدأ باحتمالات لتنتهي باحتمالات أخرى وليس على وجه اليقين، وكذلك نتائجها اجتهادية، فهي تنطلق من افتراض وكأنه حقيقة واقعة، ثم تولد منه وتشتق فرضيات أخرى قد تقنع إلى حد ما من جهل علوم الفلك والفيزياء، وهذه الافتراضات قابلة للتعديل والإضافة والحذف ، ولذلك فهي ليست نهائية ، وهي قابلة للخطأ وللتبديل كما رأينا من خلال عرضنا لأهمها ، وهي إن أردنا أن نعتبرها علما ، فلابد أن نتبع المنهج العلمي بدراستها ، من خلال قياسها وتجربتها، والقياس هنا أمر مستحيل، وإذا أردنا الاستدلال بأمر آخر شبيها به، فإن مثل هذا الاستدلال لن يكون إلا وسيلة تؤدي في غالب الأحيان إلى نتائج ظنية ولانهائية، ولذلك فإن ما جاءت به هذه الفرضيات أو ستجيء به فرضيات أخرى ، لن توصلنا إلى نتائج قطعية ولانهائية.

المصدر: نفس المصدر السابق
  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 6 يوليو 2011 بواسطة tetraneutron

ساحة النقاش

عبدالله عبدالمجيد

tetraneutron
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,731