بسم الله الرجمن الرحيم
<!--[if !mso]> <mce:style><! v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} --><!--[endif]--><!--<!--<!--[if gte mso 10]> <mce:style><! /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} -->
<!--[endif]-->
النظرية النسبية العامة
يعتبر ألبرت آينشتاين من عمالقة الفكر في القرن العشرين،وقد أدت أبحاثه إلى قيام ثورة علمية، فقلبت الموازين رأسا على عقب، ففي عام1905م قام بتقديم عدة أبحاث في تفسير الظاهرة الكهرضوئية، والحركة البروانية للجزيئات، وفي طبيعة المكان والزمان، وفي ديناميكا حركة الأجسام الفردية، ومن أهم انجازاته وضعه للنظرية النسبية الخاصة، ولعل أهم انجازاته على الإطلاق وضعه للنظرية النسبية العامة، والتي تعتبر نموذجا مطورا عن النسبية الخاصة وقد تم نشرها عام 1915م أي بعد عشر سنوات من النظرية النسبية الخاصة.
ففي عام(1905م) قام آينشتاين بوضع النظريّة النسبيّة الخاصّة، ودرس فيها حركة الأجسام المتحرّكة على مسار مستقيم وبسرعة ثابتة، وقد اعتمد فيها على فرضيّات ومسلّمات ومبادئ، منها ما هو فيزيائي، ومنها ما هو رياضي وفلسفي، فالمبادئ الفيزيائيّة هي:
· سرعة الضوء في الفراغ لها نفس القيمة، في جميع المجموعات الإحداثيّة الثابتة، والمتحرّكة بسرعة ثابتة بالنسبة لبعضها البعض.
· قوانين الطبيعة واحدة بالنسبة لبعضها في جميع المجموعات الإحداثية المتحرّكة بسرعة ثابتة.
ومن ناحية الكوسمولوجيا اعتمد على مبدأ: أنّ الكون متجانس وموحّد الخواص، وأمّا من الناحية الفلسفيّة، فقد اعتمد مجموعة أفكار للفيلسوف آرنست ماخ، وأطلق عليها اسم مبدأ ماخ، وهي:
· الفضاء بحدّ ذاته لا شيء، سوى روابط انتزاعيّة بين فواصل المادّة.
· الكتلة العطاليّة لأي ذرّة هي نتيجة نوع من التفاعل بين كتلة الذرّة وكل الكتلة الموجودة في الكون.
· الشيء المهم في الميكانيك هي الحركة النسبيّة للكتلة جميعها.
· أيّ جسم في الخلاء لا يملك أي خاصّيّة هندسيّة.
· المادّة هي التي تعيّن الهندسة، ولا هندسة بدون مادّة.
وأمّا من ناحية الهندسة، فقد اعتمد على المسلّمات التالية:
· في الهندسة الإقليديّة: من نقطة ما لا تقع على مستقيم، يمكن رسم مستقيم واحد موازي لذلك المستقيم.
· في الهندسة الهذلوليّة: من نقطة ما لا تقع على مستقيم، يمكن رسم أكثر من مستقيم يوازي ذلك المستقيم.
· في الهندسة البيضويّة: من نقطة ما لا تقع على مستقيم، لا يمكن رسم مستقيم يوازي ذلك المستقيم.
ونجم عن هذه النظريّة مايلي:
· تزداد كتلة الأجسام مع ازدياد سرعتها،.
· تمدّد الزمن حسب سرعة الجسم،
· تكافؤ الكتلة مع الطاقة،
إنّ ظهور النسبية الخاصّة أدّت إلى قفزة نوعيّة في مفاهيم الفيزياء، فالخواص الأساسيّة للأجسام ليست ثابتة، بل تتعلّق بحركتها ومقدار سرعتها وتفاعلها مع الوسط المحيط أثناء حركتها.
إنّ ظهور النسبية الخاصّة قد مهّد الطريق لظهور النسبيّة العامّة، وهي تعنى بدراسة حركة الأجسام المادّيّة بعجلة، تحت تأثير قوّة خارجيّة ما، وحسب نوعيّة هذه القوّة تسمّى كتلة الجسم المادّي، فإذا كانت قوّة الجاذبية سمّيت بالكتلة التثاقليّة، وإذا كانت القوّة غير ذلك سمّيت بالكتلة القصوريّة.
لقد اعتمدت نظرية النسبيّة العامّة على المبادئ السابقة بالإضافة إلى المبادئ التالية:
· مبدأ التكافؤ: وهو ينصّ على عموميّة السقوط الحر، أي أنّ الأجسام تسقط بنفس المعدّل ضمن مجال الجاذبيّة بغض النظر عن كتلتها وتركيبتها المادّيّة، وهو مبدأ مبني على الملاحظات التجريبيّة. ويمكن وضع هذا المبدأ ضمن صيغ مختلفة منها:
· أنّه لا توجد طريقة يستطيع مراقب ما، في غرفة مغلقة أن يميّز فيها حركة الغرفة: نتيجة تأثير مجال جاذبي؟ أم هي نتيجة قوّة خارجيّة.
· أنّ الكتلة القصوريّة والتثاقليّة متكافئتان ولا يمكن التمييز بينهما.
· أنّ القوى التثاقليّة تكافئ القوى القصوريّة.
· الإطار المتسارع يكافئ الإطار التثاقلي.
· مبدأ التوافق: أي أنّ القوانين الفيزيائيّة متوافقة، ولا تتعلّق بتغيّر الإحداثيّات الزمانيّة والمكانيّة، ومن أجل تحقيق مبدأ التوافق، قام آينشتاين باستخدام حساب الممتدّات، فصياغة المعادلات بصيغة الممتدّات، يكون لها نفس الشكل بجميع النظم الإحداثيّة.
لقد ظهرت النسبيّة العامّة والخاصّة في عصر كان يشهد تبدّلات وتطوّرات هائلة في الفكر العلمي، فقد كانت الفيزياء الكلاسيكيّة مهيمنة في تلك الفترة، وكذلك الإقليديّة في الهندسة، والكانتيّة في الفلسفة والرياضيات، وكانت أكثر القوانين العلميّة منطبقة مع الظواهر الطبيعيّة، وإلهاما من الطبيعة نفسها، فخرجت النظريّة النسبيّة عن المألوف، وابتعدت كلّ البعد عن الطبيعة وظواهرها، ومعتمدة على فلسفات رياضيّة وفيزيائيّة جديدة في مفهومها، فكانت الهندسة الهذلوليّة هي النموذج النظري لها، والهندسة البيضويّة النموذج العملي لها، والأعداد الخياليّة وحساب التينسورات والسطوح الريمانيّة أدواتها، فظهرت النسبيّة العامّة تناطح أقوى نظريّات عصرها، لتضعنا أمام نظرة جديدة للكون، وتقلب المفاهيم والمعايير الفلسفيّة والفيزيائيّة المختلفة.
فالنسبيّة في الفيزياء معناها رفض فكرة الفضاء المطلق، فالنسبيّة الخاصّة ترفض فضاء ميكلسون المطلق، والنسبيّة العامة ترفض فضاء نيوتن المطلق.
لقد أثّرت عقليّة ماخ على أفكار آينشتاين في النسبيّة العامّة، فمبدأ ماخ ذو جذور كينماتيكيّة كلاسيكيّة، ولا ينظر إلى الحقول بأنّها ذات معيار احتمالي في الفضاء، وينظر لهذا المبدأ أحيانا بأنه ليس له أيّ اعتبار فيزيائي، فهو مبدأ كوني ولا يمكن إخضاع الكون كلّه للتجربة، وبالتالي لا يمكن الإدّعاء على أنّ العطالة هي من نتائج الفضاء المطلق أو الأجرام الكونيّة، وبالتالي فنحن أمام خيارين إمّا فلسفي أو فيزيائي، ونفي الفضاء المطلق لدى ماخ ناجم على عدم استناد الفيزياء بأسرها على المراجع العطاليّة، ولذلك يفقد الفضاء دوره تلقائيّا في الفيزياء، وبالتالي لا وجود له.
إنّ مفهوم الزمان والمكان كانا مفصولين قبل النظريّة النسبيّة، سواء من ناحية الفلسفة أو الفيزياء والرياضيات، فأتت النسبيّة وربطت بين هذين المفهومين، ربطا فلسفيّا وفيزيائيّا ورياضيّا، وأصبح للفضاء دورا مهمّا، فهو فضاء زماني رباعي الأبعاد، وهو يعين كلّ أنواع الحركة، سواء كانت ثقاليّة أو عطاليّة، وكما نلاحظ فإنّ النسبية قد ابتعدت قليلا عن مبدأ ماخ، باحتساب أنّ الفضاء المطلق يؤثّر ولا يتأثّر، والفضاء الزماني يؤثّر على الكتلة بشكل مجال أو حقل، وتؤثّر عليه الكتلة من خلال تغيّر إنحناء الفضاء، وقد حقّقت النسبيّة جزءا من مبدأ ماخ، وعوضا عن حذف الفضاء بأكمله، اكتفت بنسبيّته، وعوضا عن جعل قوى العطالة قوى ثقالة كما تصوّرها ماخ، جعل قوى العطالة قوى مادّيّة، وقوى الثقالة جعلها العطالة التي تحدّد الفضاء، فكان عدم تأييد فكرة الأثير ووحدة القوانين الفيزيائيّة هي من أهمّ البراهين للنظريّة النسبيّة، ولم تؤيّد التجارب وجود مادّة في الفضاء تحمل الأمواج الضوئيّة وتنقلها في الفضاء.
إنّ أهمّ نتائج النظريّة النسبيّة أنّ الزمان نسبي، وللمكان انحناء، وسرعة الضوء هي أكبر سرعة ممكنة، ولم يعد بالإمكان فصل الزمان عن المكان، بل يكوّنان كلاّ متصلا يسمى بمتّصل الزمكان، فالزمان بعد رابع يضاف إلى أبعاد المكان الثلاثة، وبالتالي فإنّ مقولة الزمان ذو الاتجاه الواحد ولا يقبل الإعادة، بينما المكان متساوي الاتجاهات قد سقطت تبعا للنظريّة النسبيّة، فالزمن أصبح نسبيّا، ويتوقّف على إطار المرجع، والإطارات متعدّدة تبعا لاختلاف الأجرام السماويّة في الكون، وبالتالي لم يعد بالإمكان الحديث عن اتّجاه واحد في متصل الزمان والمكان، بل له اتجاهات زمنيّة متعدّدة، وأمّا بالنسبة للمكان، فقد أصبح له انحناء، أي أنّ المستقيم في الهندسة الإقليدية لم يعد مستقيما، وأصبح لزاما علينا أن نبحث عن هندسة تناسب هذا الفضاء المحني، ومن هنا أتى اعتماد النظريّة النسبيّة على الهندسة الهذلوليّة والبيضويّة.
1- النظريّة النسبيّة الخاصّة:
لقد كان الفيزيائيون في القرن التاسع عشر، مشغولين بدراسة الظواهر الكهرومغناطيسيّة، في محاولة لفهم كيفيّة تولّد وانتشار المجال الكهرومغناطيسي، أثناء حركة الشحنات الكهربائيّة بتسارع، فبرزت قضيّة الأثير، وبدا أن هذا الوسط لا غنى عنه من أجل تفسير بعض الظواهر الفيزيائيّة، وأنّه في حال وجوده، فلابد أن يملأ الكون كله لأنّ ضوء النجوم يصلنا من بعيد عبر هذا الفراغ، وقد اكتشف الباحثون في تلك الفترة أيضا، علاقة تربط بين سرعة انتقال الموجة عبر وسط ما، وكثافة ذلك الوسط،
إنّ أيّ وسط مفترض لنقل الموجة الكهرومغناطيسيّة علاوة على أنه يملأ المكان، فإنّه يجب أن يكون ذي مرونة عالية جدّا وكثافة قليلة جدّا، وهاتين الخاصّتان تكاد تكونا متناقضتنان، ومع ذلك فقد تشبّث بعض الباحثين بفرضيّة وجود الأثير، لأنه يمثّل المكان المطلق الذي تقاس فيه جميع الحركات، حيث يقوم هذا الوسط بدور الوسط الكوني المطلق، ويمكن الخروج من ورطة الزمان المطلق من خلال افتراض وجود الزمن المطلق إلى جانب المكان المطلق.
وهنا برزت الحاجة إلى إعادة دراسة قوانين الميكانيك والحركة للفيزياء الكلاسيكيّة، والتمحيص في الأساس النظري لها، كما تمّت مراجعة قوانين ماكسويل، ونتيجة لذلك برز لدى العلماء، وجود فرق جوهري في الأسس الحركيّة لكلا النظريّتين النيوتونيّة والماكسويليّة، وهذا الفرق هو الذي ميّز الحالتين، وأظهر ضرورة توحيد الأسس النظريّة لحركة المادّة والطاقة في نظريّة واحدة.
فما هي الأسس النظريّة لميكانيك نيوتن؟
تتضمّن هذه القوانين عدّة مفاهيم أساسيّة وهي:
أنّ وجود الزمان مطلق وكذلك المكان، فقوانين نيوتن في الحركة لا تحدّد مرجعا مكانيّا أو زمانيّا والذي يدخل في السرعة والتسارع المشمول في تلك القوانين، وهي لا تحدّثنا عن الظواهر الفيزيائيّة لجسيم وحيد في فضاء خالي من أيّة مادّة أخرى، أو أنّ لوجود ذلك الجسيم في تلك الظواهر معنى فيزيائي أم لا، فقوانين نيوتن تفترض وجود مكان ساكن سكونا مطلقا كمواقع النجوم، ثم افترضت أنّ الأثير هو المكان المثالي للمكان المطلق، وتفترض هذه القوانين أنّ الزمان موجود، ويجري بشكل متساوي في أرجاء الكون، دون أن يتأثّر بأي شيء حوله، وهذه المسألة تثير قضيّة الأطر المرجعية للحركة.
إنّ الكون في حالة حركة دائمة، ولا يوجد شيء ساكن سكون مطلق، وفي الفضاء الخارجي بعيدا عن تأثير الجاذبيّة، لا يمكن أن نعرف ما إذا كنا نتحرّك أم نحن ساكنون، فعندما تكون الحركة بسرعة ثابتة وعلى خط مستقيم، لن نشعر بالحركة القصوريّة، ونتيجة لذلك يصحّ القول: أنّ جميع الأطر القصوريّة متكافئة، ولا يوجد امتياز لأحدها على الآخر، وتعرّف هذه القاعدة باسم نسبية غاليلوGalilean Relativity، ويمكننا من خلال ذلك رؤية أوضاع حركيّة مختلفة من مناظير
مختلفة.
إنّ تحويلات غاليلو لا تشترط وجود مكان وزمان مطلقين، ولكنّها تفصل وجود الزمان عن المكان فقط، فجميع الأطر القصوريّة متكافئة وتقاس حالتها الحركيّة نسبة لبعضها البعض، ومن هنا سمّيت نسبيّة غاليلو.
إنّ الكميات الفيزيائيّة تحت تحويلات غاليلو هي كمّيات لا تغيّرية، وهو أمر مهم جدّا في الفيزياء، لأنّها الأسس التي تستند عليها وحدة القوانين الفيزيائيّة للكون، وبدون الكمّيات اللا تغيّرية يصبح من العسير وجود فيزياء موحّدة للكون.
إنّ معادلات ماكسويل قد وحّدت المجال الكهربائي والمغناطيسي، إذ بيّنت تولّدهما من بعضهما عبر التغيّر الزماني.
وهو يعني أنّ المجال المغناطيسي، ينشأ عن برم الجهد المتّجهي، بينما ينشأ التيّار الكهربائي عن التغيّر الزمني للجهد المتّجهي والتغيّر المكاني للجهد القياسي باتّجاه معاكس، أي أنّ المجال الكهربائي ينشأ عن تغيّر زماني مكاني، بينما المجال المغناطيسي فينشأ عن تغير مكاني فقط، وهو يدلّ على عدم وجود قطب مغناطيسي منفرد، بينما يمكن الحصول على شحنة كهربائية منفردة.
وبالتالي يمكن القول أن المجال الكهرومغناطيسي هو نوع من التوزّع الزمكاني، أي أنّ المجال الكهرومغناطيسي هو خاصّيّة للزمكان وليس للمادّة، وهو تعبير دقيق فالإلكترون هو جزء من الذرّة، ولا يمثل أي نوع من المادّة، فهو جزء أصغر من أي وحدة بنائية للمادة، وفي نفس الوقت يمتلك شحنة كهربائيّة وعزم مغناطيسي ذاتي، لأنّ المجالين الكهربائي والمغناطيسي هما صفتان للزمكان، ويظهران صفة للمواد بحاصل الجمع الذي تؤلّفه مكوّناتها الأساسيّة من الذرّات ومكوّنات الذرّات المتمثّلة بالجسيمات الأوّليّة.
تتميّز قوانين ماكسويل بدخول سرعة انتقال المجال الكهرومغناطيسي في هذه المعادلات، وقد وجد أنّ هذه السرعة كبيرة جدّا وتبلغ 300000كم/ثا تقريبا، و أنّ سرعة انتقال المجال الكهرومغناطيسي في الفراغ هو ثابت كوني، ولا يعتمد على متغيّرات حركيّة أو زمكانيّة، وقد أشار ألبرت آينشتاين لهذه الحقيقة.
لقد وجد العالم لورنتز أنّ معادلات ماكسويل لا تبقى محافظة على صيغتها تحت تحويلات غاليلو، بل تبقى محافظة تحت تحويلات أخرى يتداخل فيها الزمان مع المكان، وقد بينت أنّ الزمان والمكان متداخلين تداخلا تامّا، حيث يؤدّي التغيّر في أحدهما تغيّرا في الآخر، ومن الجدير بالذكر أنّ قوانين نيوتن لا تتوافق مع هذه التحويلات، بل تخضع لتحويلات غاليلو.
إنّ اعتماديّة الزمان على المكان من خلال اعتماده على الإحداثيّات المكانيّة للنقطة التي يقاس عندها الزمن، يؤشّر على غياب إطار مرجعي مطلق للزمان، وقد أدّى ذلك إلى حدوث تشويش وإرباك في الوسط العلمي في القرن التاسع عشر.
نظر آينشتاين للمجال الكهرومغناطيسي وتحويلاته الزمانيّة والمكانيّة، ولاحظ اختلاف التحويلات التي يخضع لها هذا المجال، وهي تحويلات لورينتز، في حين تخضع قوانين نيوتن لتحويلات غاليلو، وعرف أنّ تحويلات لورنتز هي الأصحّ من خلال فشل تجربة مايكلسون ومورلي، ولم يقتنع أيضا بتفسيرات لورنتز وفيتزجيرالد لتلك التجربة.
ومن خلال التأمّل في تصرّف المجال الكهرومغناطيسي ومضمون تحويلات لورنتز، وجد آينشتاين أنّه بالإمكان تجميع شتات مجموعة من الأفكار المتواصلة، لتأليف نظريّة جديدة في الزمان والمكان والحركة، وربّما تتمكّن من تفسير بعض الظواهر التي لوحظت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، مثل تجربة مايكلسون ومورلي.
فقد لاحظ أنّ سرعة الضوء هو ثابت كوني يختصّ بخصائص الاستجابة الطبيعيّة للفراغ للمجالين الكهربائي والمغناطيسي، كما لاحظ من خلال تحويلات لورنتز، أنّ الزمان مرتبط بالمكان، وأنّ كلاهما معتمد على الحالة الحركيّة للمشاهد، ومن أجل ذلك بدأ نظريّته بوضع مسلّمتين وهما:
1- أنّ قوانين الفيزياء يجب أن تكون واحدة في جميع الأطر المرجعيّة القصوريّة، أي أنّ صيغة هذه القوانين لا تتغيّر عند إجراء تحويل زماني ومكاني من مرجع إلى آخر، بل تتغيّر الكمّيّات الفيزيائيّة فقط، وتأتي ضرورة هذا الفرض من باب وحدة قوانين الطبيعة، وكون العالم بما يمثلّه من مكان وزمان هو كيان متجانس، ولو قلنا بغير ذلك لكان لكلّ نقطة من نقاط الفضاء قوانينها، وبالتالي لا تعود هنالك قوانين عامة تحكم تصرّف الظواهر الطبيعيّة، وبموجب هذه المسلّمة، سيكون من الضروري تغيير قوانين نيوتن بما يتناسب مع تحويلات لورنتز، ومن أجل ذلك لابدّ من تحويل الصيغة الثلاثيّة للقوانين، إلى صيغة رباعيّة، تدخل فيها مركبة الزمن كمركبة رابعة، أي أنّ المتّجهات التي اعتدنا التعامل معها على أساس ثلاثيّة المركبات تصبح رباعيّة المركبات، ثلاثة مكانيّة والرابعة زمانيّة.
2- إنّ سرعة الضوء في الفراغ هي ثابت كوني لا يعتمد على الحالة الحركيّة للمشاهد ولا على الحالة الحركيّة للمصدر الباعث، وهذه المسلمة مستوحاة من نظرية المجال الكهرومغناطيسي ، فضلا عن ضرورتها لتثبيت محتوى تحويلات لورنتز، فهو يظهر في هذه التحويلات، وهو الذي يتحكم بقيمة الكمّيّات الفيزيائيّة من خلال نسبة سرعة الحركة إلى سرعة الضوء.
إنّ المضمون الفيزيائي للمسلّمة الثانيّة تعكس حقيقة الظواهر الكهرومغناطيسيّة، وهي ظواهر زمكانية وليست خاصّيّة للمادّة، على الرّغم من أنّ الكهربيّة والمغناطيسيّة كلا منهما هي خاصّيّة للمادّة.
لقد اهتم آينشتاين بتحويلات لورنتز، فأعاد اشتقاقها وتبيّن أنّ تحويلات لورنتز هي تحوير لتحويلات غاليلو، بعد الأخذ بمبدأ اعتماديّة الزمان على المكان وبالعكس على الحالة الحركيّة للراصد.
من النتائج المباشرة لتحويلات لورنتز ما يلي:
انكماش الطول:
أي إذا كان القضيب في حالة حركة بالنسبة لمشاهد في حالة سكون فإنّ طول القضيب يتقلّص باتجاه حركته، وأمّا أبعاد الجسم الأخرى فلا تتأثّر، وهذا الانكماش يدعى:انكماش رولنتز وفيتزجيرالد Lorenz Fitzgerald contraction .
ملاحظة: إنّ الانكماش في الطول، ليس نتيجة تغيّرات فيزيائيّة على الجزيئات، بل نتيجة لتغيّر الرابطة بين طول القضيب ووسيلة القياس،
تباطؤالزمن:
تغيّرالكتلةمع السرعة :
انتشار الضوء في أوساط متحرّكة:
الزيغ في النجوم : لقد اكتشفت ظاهرة الزيغ عام 1728م على يد العالم الفلكي برادلي، حيث لاحظ تغيّرا في الموضع الظاهري للنجوم، خلال فترات زمنيّة مختلفة من السنة، وقد أعاد ذلك إلى السرعة المحدودة للأرض، وهي تتحرّك في مدارها حول الشمس، وقد أمكن تفسير هذه الظاهرة بواسطة تحويلات لورنتز للسرعة، وفسّرت كذلك بواسطة النظريّة الموجيّة، على اعتبار أن الأثير لا يشارك في أيّ تغيير يحصل في اتّجاه سرعة الأرض بالنسبة للشمس.
الفترة الزمكانيّة : لقد لاحظ آينشتاين أنّ المسافة والزمن هما كمّيتان نسبيّتان، تعتمدان على الحالة الحركيّة للراصد، فالمسافة تنكمش مع السرعة والزمن يتباطأ بنفس النسبة، لذلك لابد من وضع تعريف جديد تكون فيه الكمّيّة لا تغيّرية.
المتّصل الزمكاني : يعدّ هذا المفهوم من أبرز مفاهيم النظريّة النسبيّة الخاصّة، وقد برز عند ملاحظة أنّ الفترة الزمكانيّة المؤلّفة من مربّعات إحداثيّات المكان والزمان تبقى ثابتة بالنسبة لجميع المراجع القصوريّة تحت تحويلات رولنتز، لذلك جرى تعريف الفضاء بأنه زمكان يتألّف من أربعة أبعاد ثلاثة مكانيّة وواحد زماني ويسمّى بالمتّصل الزمكاني المسطحFlat Spacetime Continuum ، ويسمّى أيضا بزمكان منكوفسكي Minkowski Spacetime.
فبعد ظهور النظريّة النسبيّة الخاصّة أصبحت الكمّيّات الفيزيائيّة رباعيّة الأبعاد، بعد أن كانت ثلاثيّة في ميكانيك نيوتن، ولذلك تحوّل العلماء إلى استخدام المتّجهات الرباعيّة بدلا من الثلاثيّة ، وتكون المركبة الرابعة هي مركبة الزمن، ويتمّ تمثيل زمكان منكوفسكي في بعدين بمحورين، الأول مكاني x والآخر عمودي عليه ويمثل الزمان مضروبا بسرعة الضوء.
المخروط الضوئي: يمكن رسم المخروط الضوئي انطلاقا من محاور المخطّط الزمكاني الرئيسيّة، مضافا إليه الحدود التي يحدّها الخط الذي يميل على المحاور بمقدار45 درجة، وكل ما هو خارج هذا المخروط يعتبر حوادث لا فيزيائيّة، لأنّها تتطلّب سرعة أكبر من سرعة الضوء، وبالتالي فهي أحداث لا سببيّة، أي لا يحكمها قانون الفعل السببي، وما هو داخل المخروط فيمثل الماضي والمستقبل ونقطة الحاضر هي نقطة الأصل التي تفصل الماضي عن المستقبل.
مفهوم التزامن ونسبيّة التزامن: يقصد بالتزامن وقوع حدثين أو أكثر في أماكن مختلفة في آن واحد، أي أنّه لها الزمن نفسه، وقد تعرّض هذا المفهوم لتغيير جوهري بعض ظهور النظريّة النسبيّة ، وهذه التغييرات هي:
التغيير الأول: وسببه محدوديّة سرعة الضوء، فأي نقطتين تفصل بينهما مسافة قدرها x ستكونان منفصلتين زمانيا بمقدارx/c ، وبالتالي سيكون هنالك فرقا في التوقيت في الساعات الزمنيّة التي تحدّد الزمن للحوادث المختلفة بمقدارx/c .
التغيير الثاني: وسببه اعتماد الزمن على الحالة الحركيّة للمشاهَد والمشاهِد، كما هو مبيّن في الشكل أدناه.
2- النظريّة النسبيّة العامّة: من أجل دراسة النظريّة النسبيّة العامّة وفهمها، لابدّ من معرفة السطوح الريمانيّة، والعمليّات الحسابيّة التينسوريّة، والدخول في هذه المفاهيم سيدخلنا إلى علوم الرياضيات من أوسع أبوابه، ولذلك سنحاول شرح هذه النظرية بعيدا عن معادلاتها الرياضيّة قدر الإمكان، ولمن أراد الاستزادة فيمكنه مراجعة المراجع المختصة.
يعتبر الانحناء الجيوديسي من أهمّ مفاهيم النظريّة النسبيّة العامّة وأدواتها، فالمادّة تقوس الفضاء، فتصبح أقصر فاصلة بين نقطتين في الفضاء تقع على خط منحني وليس على خط مستقيم، واستخدام السطوح الريمانيّة الثلاثيّة الأبعاد ليس لتمثيل الفضاء الرباعي الأبعاد، بل لتبسيط وشرح بعض مفاهيم رياضيّات النظريّة النسبيّة العامّة، وذلك بالاستفادة من معادلاتها.
مبدأ الكوسمولوجيا:
يعتبر هذا المبدأ ذو أهمّية كبيرة في النظريّة النسبيّة العامّة، كأهمّية مبدأ ماخ في النظريّة النسبيّة الخاصّة، وهو يشترك مع مبدأ ماخ في بعض المفاهيم، إلا أنّ حالته الإفتراضيّة تضع الكثير من التحفّظات عليه، وينصّ هذا المبدأ على أنّ الكون متجانس وموحّد الخواص.
فالنموذج الكونيّ الذي يستند عليه: عبارة عن مجموعة لا متناهية من المجرّات المنتشرة في الكون وبنسبة متساوية ومبتعدة عن بعضها البعض، وتعتبر جميع المجرّات ذات نسبة متساوية نسبة للكون كلّه، ويتنافى هذا النموذج مع فكرة عالم متناهي في الفضاء اللا متناهي، ولا وجود لمراجع العطالة في هذا النموذج كما هو الحال في النموذج النيوتوني، والتي تنتشر فيه مراجع العطالة إلى مالا نهاية.
إنّ وحدة الخواصّ الكونيّة الموجودة حولنا هو أحد الدلائل على صحّة هذا المبدأ، ولكن لا يمكن الجزم بأنّنا نتمركز في المكان المثالي من الكون.
إنّ تجانس الكون ليس مكانيّا فقط بل أيضا زماني، أي أنّ متوسط ظاهر الكون في كلّ زمان متساوي، فليس هنالك بداية أو نهاية لهذا الكون، ولكي يتوسع الكون لملأ الفضاء الناتج يجب أن توجد المادّة الكافية لملأ هذا الفراغ، وهذه العبارة تتعدّى مبدأ قانون حفظ الطاقة، ولكن ليس بمقياس واسع وإنّما بحدود ذرّة هيدروجين لكل60 كم3 من الفضاء في السنة.
لقد نالت هذه النظريّة شهرة واسعة، ولكنّ الأرصاد الفلكيّة شكّكت بمصداقيّتها ممّا أجبر حتّى المدافعين عنها بالتخلّي عنها.
إنّ مبدأ الكوسمولوجيا يدلّ على نسبيّة الكون، وأيّ صيغة أو فرض مشابه فإنّه يدل على النسبيّة، وبالتالي يمكن تعريف النسبيّة على أنّها نظريّة فيزيائيّة مع مجموعة من التحويلات التي لا تغيّر قوانين هذه النظريّة.
فالميكانيك النيوتوني هو نسبيّة مجموعة تحويلات غاليلو، والنسبيّة الخاصّة هي نسبيّة مجموعة تحويلات لورنتز، والنسبيّة العامّة هي نسبيّة مجموعة تحويلات واحد إلى واحد، وكذلك العلوم الكونيّة الأخرى هي نسبيّة مجموعة تناظرات مختلفة لكون واسع جدا، وحتىّ النظريّة التي تصدق في فضاء إقليدي مطلق (بشرط أن يكون هذا الفضاء متجانس) هي نسبيّة مجموعة من الدورانات والانتقالات.
إنّ التعريف الأساسي للتجانس ضمن هذا المبدأ هو: مجموعة الأرصاد الكونيّة من مراقب ما هي نفسها التي يؤدّيها مراقب آخر، فالأرصاد التي نقوم بها على الأرض ( كتوسّع الكون وكثافته) هي نفسها التي يقوم بها مراقبين في مجرّة أخرى في زمن رصدها.
إنّ أحد نتائج هذا التجانس وجود لحظات مطلقة للكون كلّه، فإن كانت هنالك تغيّرات في هذا الكون المتجانس، فكلّ نقطة منه تعمل عمل التزامن، ويمكن أن ننتخب مبدأ للزمن لساعة المرجع في زمن تتساوى فيه كلّ الأرصاد، وفي هذه الحالة نتائج هذه الأرصاد هي للزمن الكوني T ، وهو الزمن الكوني في كلّ مجرّة، وبالتالي يمكن تنظيم الساعات كلّها حسب الزمن الكوني.
معادلات النسبية العامة:
إن فحوى النظرية النسبية هو دراسة حركة الأجسام التي تتحرك بعجلة سواء كانت متسارعة أو متباطئة، وكذلك دراسة مدى تأثر حركة تلك الأجسام بحركة الأجسام المادية الأخرى.
ومن خلال معادلات النظرية النسبية العامة يمكن حساب:
· انحراف الضوء عند مروره قرب كتلة ضخمة.
· تقدم نقطة الحضيض للكواكب.
· انزياح الطيف نحو الأحمر.
· بناء نموذج رياضي للكون كنموذج فريدمان مثلا.
إن قوة النظرية النسبية تأتي بقوة نتائجها، ومن أهم تلك النتائج:
· انحناء الفراغ: إن تسارع الأجسام بنفس المعدل عي السمة الأساسية للجاذبية، ومن أجل تفسير ذلك تخيل آينشتاين أن الجاذبية هي نتاج لانحناء المكان، وهو نتاج فروض النظرية النسبية العامة حيث تستعيض عن الجاذبية بدلالة هندسة الزمكان، فبعيدا جدا عن مصادر الجاذبية كالنجوم مثلا، يكون الفراغ مسطحا، بينما بالقرب من مصدر الجاذبية يكون المكان منحنيا، وبتخيل كرة تدحرج على هذا السطح، فبعيدا جدا عن مصدر الجاذبية فإن الكرة تدحرج بشكل مستقيم لأن المكان يعتبر مسطحا، وعند مرورها بالقرب من المصدر فإنها تنحني باتجاهه وفي حال توفر السرعة المماسية المطلوبة، فإنها تسير في مدار حول ذلك المصدر، وبالتالي فانحناء السطح هو الذي أجبر الكرة بإتباع ذلك المسار، ويظهر هذا التأثير على جميع الأجسام مع اختلاف حجومها وأوزانها مما يفسر تأثير الجاذبية المتساوي على الأجسام المختلفة.
فوجود المادة يؤدي إلى انحناء الزمكان، وانحناء الزمكان وسرعة الأجسام يملي عليها كيفية الحركة.
فلكي يؤكد آينشتاين صحة نظريته، فقد أعلن عن توقع يمكن إثباته عمليا، فعن طريق حساباته النظرية أوضح أن شعاع الضوء والمار بالقرب من سطح الشمس ينحرف عن مساره المستقيم، وذلك بسبب انحناء المكان الذي يمر به الشعاع، أي أم جاذبية الشمس قد أثرت على شعاع الضوء وحرفته، وهذا التوقع لم يكن ظاهرا في الفيزياء الكلاسيكية لأن الضوء عديم الكتلة بالأساس.
إن جاذبية الأجسام تؤثر على الزمن وتبطئه، وإن تردد موجات الضوء المارة بالقرب من مصادر الجاذبية سيكون أقل من تردده في مكان بعيد عن المصدر، وبالتالي فكلما بعدنا عن المصدر سيزداد طولها الموجي، وهو ما يعبر عنه بالإزاحة الحمراء، لذلك سميت هذه الحادثة بإزاحة الجاذبية الحمراء لآينشتاين، ويجب أن لا نخلط بينها وبين إزاحة دوبلر، فإزاحة دوبلر تتطلب حركة لمصدر الضوء قربا أو بعدا من المراقب، بينما إزاحة الجاذبية الحمراء فناتجة عن تمدد الزمن ولا تتطلب أية حركة من المراقب(المصدر).
تتنبأ النظرية النسبية العامة بتمدد الكون إلى ما لانهاية أو تقلصه، ولم يتقبل آينشتاين هذه النتيجة، فأضاف لمعادلاته ثابتا سمي بالثابت الكوني، وقد تخلى آينشتاين في وقت لاحق عن هذا الثابت واعتبره أنه أكبر خطأ في حياته، وعاد بعد ذلك ستيفن هوكنج لاعتباره ضروريا ولكن ليس بالقيمة التي فرضها آينشتاين بل أقل من ذلك بكثير، وقد استخدم خبير الأرصاد الروسي الكسندر فريدمان النظرية النسبية العامة في بناء سلسلة من النماذج الرياضية لكون منتظم ومتمدد.
تتنبأ النظرية أيضا مناطق لها صفات شاذة في منظومة الزمكان، تخالف القواعد والقوانين الفيزيائية، ولم يتقبل آينشتاين هذه النتيجة أيضا، فأضاف بعض الشروط الحدودية للتخلص من النقاط الشاذة، وتم التعامل لاحقا مع معادلات آينشتاين بدون هذه الشروط لتفسير بعض الظواهر الشاذة مثل ظاهرة الثقوب السوداء، والتي لها صفات شاذة في منظومة الزمكان، فهي تخالف القواعد والقوانين الفيزيائية، وقوة جاذبية جبارة يستحيل على أي شيء الإفلات منها بما في ذلك أشعة الضوء، لذلك تبدو غير مرئية.
في الحقيقة إن النظرية النسبية استطاعت تفسير الكثير من الظواهر الفيزيائية على المستوى الجهري، ولكنها بقيت عاجزة في المستوى الذري ومادون، فبدا أن العالم ينقسم إلى عالمين ولكل منهما نظرياته وقوانينه فبرزت النظرية الكوانتية لدراسة العالم مادون ذري، وظهر كأن هاتين النظريتين تتصارعان من أجل تفسير الكون، ولكن في الوقت نفسه كانت تكمل بعضهما بعضا.
لقد كان آينشتاين عالما في الرياضيات من الطراز الأول، وقد حاول من خلال الرياضيات تمثيل وتفسير الكثير من الظواهر الفيزيائية والكونية، وقد برع في هذا المجال، واعتمد في ذلك مبدأ تبسيط الفكرة وإعادتها إلى ثوابتها الأساسية، فيضع لها تفسيرا منطقيا في غاية البساطة، ومستخدما المعادلات الرياضية المتطورة في تمثيلها، ليضع في النهاية معادلات بسيطة لشرح تلك الفكرة.
لقد تناول آينشتاين ظواهر فيزيائية وكونية في غاية الخطورة، وكانت لها تأثيرا خطيرا على مسيرة العلم الحديث سواءا من الناحية النظرية أو التطبيقية، ونظرا لصعوبة فهم تلك الظواهر، فإن عددا قليلا من العلماء استطاع فهم تلك الظواهر كما أرادها آينشتاين، وأما البقية الباقية من العلماء فقد اختلطت عليهم المفاهيم، فمنهم من اعتمد نتائج فكر آينشتاين من دون فهم، ومنهم من غض النظر عنها نهائيا.
ونتيجة لكل ذلك تأثرت كافة العلوم الإنسانية بذلك، فتطورت بعض نواح العلم تطورا هائلا، وتشوه بعضها الآخر فانحرفت عن مسارها، وتكونت فروع جديدة لم تكن موجودة سابقا، ودخل الخيال العلمي إلى ميدان الفكر البشري.
وكما نعلم جميعا أن لآينشتاين انجازات هامة منها: وضع النظرية النسبية الخاصة والعامة وإدخال مفهوم البعد الرابع، وتفسير الحركة الموجية الجسيمية للضوء، وتفسير انحنائه تحت تأثير الكتل الكبيرة، واكتشاف الحالة الخامسة للمادة وهي كثافة بوز آينشتاين والسيولة الفائقة عند درجات الحرارة المنخفضة جدا(قريبة من الصفر المطلق)، ولعل أهم انجاز لآينشتاين كما هو معروف هو تغيير مفهومنا للجاذبية، فأصبح يُنظر إليها كمجال نتيجة لانحناء الفراغ تحت تأثير الكتل المادية.
وكلنا يعلم أنه في الفترة الأخيرة من حياته لم يكن مواكبا لتطورات العلوم المختلفة نتيجة لاعتبارات مختلفة وخاصة النظرية الكمية التي ظهرت إلى الوجود في تلك الفترة.
ونعلم أيضا بأنه كان مشغولا بفكرة جديدة كان يحاول إظهارها إلى العلن، وهي نظرية المجال الموحد، وتعتبر هذه النظرية وفقا لمفهوم آينشتاين هي قمة العلم في فهم كافة الظواهر الفيزيائية والكونية، فقد كان يؤمن إيمانا مطلقا في حال استطاع وضع هذه النظرية، بأنه قادر على فهم قدرة الله سبحانه وتعالى وكيفية خلق هذا الكون وكل ما يحتويه.
لقد أنهى آينشتاين مسيرته العلمية وهو يحاول البحث عن هذه النظرية وانتهت حياته من دون أن يتوصل إلى شيء يذكر في هذا المجال، وكم كان الثمن باهظا قي سبيل ذلك، وقد حاول الكثيرون تتبع خطا آينشتاين في ذلك، ولكن بعد مرور أكثر من ربع قرن على وفاته، وما يزال إلى الآن يحاول الكثيرون في هذا المجال وإن كان بفكر مختلف عن فكر آينشتاين، وقد برزت الكثير من النظريات في الآونة الأخيرة يتوهم أصحابها بأنهم قد توصلوا إلى نظرية كل شيء.
ترى ما هي نظرية المجال الموحد التي شغلت فكر آينشتاين وسبق عصره في التفكير بها؟
إذا أردنا أن نتكلم عنها وببساطة، فمعناها توحيد كافة القوى التي تؤثر بها جميع أنواع المادة فيما بينها، سواء كانت هذه المادة طاقوية أو جسيمية، وببساطة أكثر هي القوة الإلهية التي تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى والتي تأخذ أشكالا متنوعة من القوى فتؤدي إلى تماسك الكون بمختلف مكوناته وإظهاره إلى الوجود.
والسؤال الأهم والذي يجب أن يطرح هو: لماذا كان يسعى آينشتاين لمعرفة تلك القوة؟
بالطبع سيكون الجواب من قبل من يسع إلى المعرفة وتقوية إيمانه بأن تلك المعرفة ستؤدي إلى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى عن طريق معرفة قدرته، ولكن هذا الجواب بالطبع لم يكن صحيحا، لأننا يجب أن لا ننس أن آينشتاين يعتبر الأب الروحي للقنبلة الذرية والتي أدت لقتل الكثيرين في هيروشيما وناغازكي، وذلك عندما بعث برسالته الشهيرة للرئيس الأمريكي ترومان يحضه على إتمام الأبحاث المتعلقة بتصنيع هذه القنبلة، والتي كان لها بالغ الأثر في استمرارها وتصنيع هذا السلاح الرهيب.
إذا لم يكن هدف آينشتاين نبيلا في ذلك المجال، لأن الهدف الحقيقي من وراء تلك المعرفة هو إنتاج أجيال جديدة من الأسلحة الفتاكة تعتمد على أسس جديدة، وربما كان الهدف الحقيقي من وراء ذلك السعي من أجل السيطرة على الكون وضمان الخلود الأبدي، وبقولنا هذا نحن لا نتجنى على آينشتاين، فهنالك دلائل تشير إلى أهدافه الحقيقية من وراء ذلك، ولعل أبرز دليل هي تلك الرسالة المشؤومة.
في الحقيقة إن المتتبع لفكر آينشتاين سيكتشف أن الهدف من وراء نظرياته المختلفة كان هو الوصول إلى تلك النظرية، فمن الناحية الفلسفية نجد أن آينشتاين متأثر بأفكار اسبينوزا الفلسفية، وكان لها تأثيرا كبيرا في وضع النظرية النسبية العامة والخاصة، ومن أجل الوصول إلى القدرة المطلقة كان لابد من إزالة آثار النسبية في الظواهر الفيزيائية والكونية لذلك قام بوضع هاتين النظريتين، وللأسف الشديد فإن هنالك الكثير من العلماء يعتقد أن الهدف من هاتين النظريتين هي الأخذ بعين الاعتبار آثار النسبية على الظواهر الفيزيائية والكونية، من أجل تفسير الواقع كما نراه ونشعر به ، في حين كان الهدف من ذلك هو فهم حقيقة تلك الظواهر بعيدا عن تأثير النسبية.
ونرى ذلك واضحا في النتائج التي توصل لها من خلال تلك النظريتين، ومن أجل أن يسير على نفس ذلك المنهج، تطرق إلى الحالة الخامسة للمادة وهي السيولة الفائقة تحت تأثير درجات الحرارة المنخفضة، والذي قاده في النهاية إلى دراسة الفضاء الكوني من خلال مفهوم الزمكان الكوني، وافترض لذلك جسيمات غير معروفة سماها بذرات الزمكان.
وبدأ بدراسة نظرية المجال الموحد ابتداءا من الجاذبية للأجسام المادية وشرح كيفية تشوه الزمكان تحت تأثير هذه الأجسام المادية وانحناء الفراغ، وفسر تلك التشوهات على أنها تغيرا في كثافات ذرات الزمكان تحت تأثير تلك الأجسام، وقام بوصف الفراغ الكوني على أنه تغير في الموجات في بنيته المكونة من ذرات الزمكان.
والسؤال الأهم: ترى هل توصل آينشتاين لشيء؟
في الحقيقة نعم، لقد توصل إلى أن حياته كانت سعيا وراء وهم كبير، ولم يفلح في تصور أدنى فكرة عن قدرة الله سبحانه وتعالى، والأهم من ذلك اكتشف أن أهم نظرية قام بوضعها كانت خاطئة في تفسير تلك الظواهر، وأنها لن توصله إلى شيء.
ربما يظن من يقرأ هذا المقال أنني أسفّه فكر آينشتاين أو أقلل من قدر هذا العالم، بل العكس هو الصحيح، فقد استطاع أن يتوصل إلى مفاهيم لم يسبقه إليها أحد، بل ربما سبقت عصره أيضا بقرون كثيرة، ولكن لمَ لم يتوصل آينشتاين إلى أي نتيجة سوى الفشل الذريع، والجواب على ذلك بسيط جدا:
وهو أنه لا يمكن للإنسان أن يعرف الله إلا من خلال مخلوقاته والتفكر بها، ولكي تعرف الله حقا لابد أن يكون العمل مسبوقا بالإيمان بالله ووجوده حقا وأن يكون الهدف من ذلك هي زيادة الإيمان وليس التمرد على السنن الكونية.
والسؤال الذي يدور في الأذهان: ترى هل كانت النظرية النسبية العامة صحيحة؟.
في الحقيقة إن قوة النتائج والتنبؤات التي أظهرتها، جعلت العلماء يؤكدون على مصداقيتها، بينما في حقيقة الأمر أنها لم تكن صحيحة، وكان آينشتاين نفسه لاحظ ذلك في قرارة نفسه، والدليل على ذلك عدم تقبله لبعض نتائجها، لأنها لا توافق التصور الذهني لآينشتاين عن حقيقة الكون كما كان يؤمن به، ولذلك سعة وبكل طاقته من أجل تدارك ذلك عن طريق نظرية المجال الموحد والتي أعلنها عام 1929م، وسرعان ما تخلى عنها لأنها لم تكن قادرة أيضا على نقل التصور الحقيقي لآينشتاين عن الكون.
فالمبدأ الذي اعتمد عليه في الأساس (مبدأ الكوسمولوجيا) يشير إلى أن الكون ضمن حد معين على أنه متجانس، ولكن على مقياس واسع فإنه صفة عدم التجانس هي الغالبة وخاصة في المنظومات الكونية الكبرى، وبالتالي لا يمكن تطبيق النظرية عليها.
إن ظهور دلائل قوية على وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة يهز أركان هذه النظرية وبكل قوة، فالنظرية النسبية بنيت على أساس تأثير المادة المرئية على انحناء الزمكان، وكلنا يعلم في الوقت الحالي أن المادة المرئية لا تشكل إلا 5%من مادة الكون، وبالتالي ربما يكون انحناء المكان ناتج عن سبب آخر وليس كما فرضته النسبية العامة، وعدا عن ذلك فإن هذا الانحناء وطريقة تفسيره للجاذبية ينتهك أهم مبدأ في الفيزياء وهو انتقال المادة من المنطقة ذات الكثافة العالية إلى المنطقة ذات الكثافة الدنيا، وبالتالي شكل الانحناء الذي فرضه آينشتاين يجب أن يكون محدبا وليس مقعرا، حيث تتوضع كتلة المادة المؤدية لهذا الانحناء على ذروة ذلك التحدب، وبالتالي فإن الأجسام عندها ستحاول الابتعاد عن ذلك المصدر وليس الاقتراب منه، أي أن النموذج الذي وصفه آينشتاين يجب أن يدل على القوة الطاردة وليس الجاذبة، ولكن ومع ذلك فإن معادلات آينشتاين فيما يتعلق بذلك هي صحيحة، إذا لابد وأن يكون هنالك تفسير آخر غير تفسير آينشتاين وأن يكون ذلك التفسير متوافقا مع القوانين الفيزيائية.
إن ظهور المناطق الشاذة في المنظومة الكونية، لم يكن متوافقا مع ما كان يؤمن به آينشتاين، وبالتالي فإن التصور الكامل للمنظومة الكونية لدى آينشتاين لم يكن يتضمن مناطق شاذة، ومع ذلك نجد أن العلماء قاموا بدراسة الثقوب السوداء على أساس معادلات آينشتاين في النسبية، والسؤال ألا يمكن أن يكونوا مخطئين في ذلك؟
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0<

ساحة النقاش