الفصل الثاني /  وظائف الإدارة الالكترونية.

       إن التغيرات التي جاء بها الإنترنت صحيحة ويجب مراعاتها، ولكن قواعد وأسس عمل الإنترنت يمكن أن تكون عوامل قوة للإدارة عند الاستجابة الفاعلة لها، ويمكن أن تكون تحدياً خطيراً أمام الإدارة التقليدية إذا لم تتميز بفعالية عالية، لذا نجد أن الوظائف الإدارية في ظل الإنترنت تغيرت من وظائف تعتمد على نظم المعلومات المستقلة إلى وظائف تعتمد على نظم معلومات مندمجة العمل، ومن وظائف تعتمد على الأنظمة التقليدية إلى أنظمة ذكية، مما يساعد على إعادة هندسة آل نظم العمل الإداري، والتحول من الهياكل المركزية التقليدية إلى توظيف الهياكل المرنة، وهذا يتطلب عدة وظائف يمكن أن نلخصها فيما يأتي:

أ - التخطيط الإلكتروني:

      يعتمد التخطيط الإلكتروني في ظل الثورة الإلكترونية المعاصرة على استخدام نظم جديدة للمعرفة، آما يعتمد على استخدام التخطيط الاستراتيجي والسعي نحو تحقيق الأهداف الإستراتيجية من حيث تبسيط نظم وإجراءات العمل التي تتسم في ظل الإدارة التقليدية بالتعقيد الشديد، حيث يتم استبدالها بنظم وإجراءات سريعة وحاسمة تعتمد بالدرجة الأولى على استخدام شبكات الاتصالات الإلكترونية، ولذلك نجد التخطيط الالكتروني يتفوق ويتميز عن التخطيط التقليدي بعدة سمات تتمثل فيما يأتي:-

• إن عملية التخطيط الإلكتروني ستكون ديناميكية مستمرة وقابلة للتجديد، بخلاف التخطيط التقليدي الذي يخطط لمدة قادمة محددة، وهذا مطلوب في البيئات الجامعية المتغيرة.

• زيادة تدفق المعلومات للجامعة مما يسمح بدقة أآثر في عملية التخطيط.

• تغيير فكرة أن الإدارة تخطط والعاملين ينفذون (التخطيط التقليدي) فجميع العاملين في التخطيط الإلكتروني يقومون بعملية التخطيط، وهذا ينعكس على اختلاف تقسيم العمل، وأن التخطيط التقليدي هو تخطيط عمودي في حين أن التخطيط الإلكتروني هو تخطيط أفقي.

• سيكون هناك تغيير مستمر على الخطط وتعاد كتابتها إلكترونياً في كل مرة.

ويرى بعض الباحثين أن التخطيط التقليدي كان مفيداً في الماضي عندما كانت البيئة الإدارية مستقرة، أما في ظل الزمن الحاضر والسرعة الفائقة للتغيير، فإن التخطيط التقليدي يصبح بلا جدوى، نظرا لكثرة التغيرات التي تطرأ على الخطة استجابة للتكيف

مع المتغيرات المتلاحقة، ودرجة المرونة المالية العالية التي تغطي نطاقا واسعاً من الخبرات والسيناريوهات المحتملة والغير محتملة، وتجعل الخطة مجرد مرشد استراتيجي أو مبدأ أو توجيهي.

ب - التنظيم الإلكتروني :

إن التنظيم هو ترتيب الأنشطة بطريقة تسهم في تحقيق أهداف المنظمات، وهو الذي يعطيها شخصيتها ومميزاتها الإدارية، ويعزز من وزنها وقدرتها على الاستجابة للتغيرات في بيئتها الداخلية والخارجية.

ويرى كل من روبن وكاو لتر(Coulter)  (Robbin)  أن للفكر الإداري مكونات أساسية تتمثل فيما يأتي:

* الهيكل التنظيمي ويتمثل فيما يأتي:

• الانتقال من التنظيم العمودي إلى التنظيم المصفوفي أو المشروعي.

• الانتقال من الهيكل القائم على الوحدات الثابتة إلى الهيكل القائم على فرق العمل الجماعية.

• الانتقال من الوحدة التنظيمية الواحدة إلى وحدات تنظيمية مصغرة.

• الانتقال من التنظيم العمودي من الأعلى للأسفل إلى التنظيم الأفقي.

• الانتقال من الهيكل المحدد إلى الهيكل غير المحدد.

* التقسيم الإداري الذي يجمع المراكز والأنشطة والوظائف في إدارات وأقسام خاصة، ويتم التجميع على أساس الوظيفة، أو المنتج والخدمة، أو المنطقة الجغرافية.

* سلطة الأوامر أو وحدة الأوامر وتتمثل فيما يأتي:-

• الانتقال من السلطة الخطية إلى الوحدات الاستشارية.

• الانتقال من سلسلة الأوامر الخطية إلى الوحدات المستقلة والفرق المدارة ذاتياً.

• الانتقال من رئيس مباشر واحد إلى تعدد الرؤساء المباشرين.

* الرسمية وتتمثل فيما يأتي:-

• الانتقال من التعليمات الحرفية إلى السياسات المرنة.

• الانتقال من قواعد الإجراءات المحددة إلى إدارة الذات والفرق المدارة ذاتياً.

• الانتقال من جداول العمل القياسية والمجدولة مسبقاً إلى جداول العمل المرنة والمتغيرة.

* المركزية واللامركزية :

          وهما يرتبطان بالمستوى التنظيمي الأعلى، حيث أن المركزية تؤدي إلى نطاق رقابة ضيق، من خلال تعدد سلسلة اتخاذ القرارات في المستويات التنظيمية، في حين أن اللامركزية تعيد توزيع السلطات، وتؤدي إلى نطاق رقابة أوسع، من خلال تقليل المستويات التنظيمية والهيكل التنظيمي المسطح.

       من الملاحظ أن مكونات التنظيم التقليدي شهدت تغيرات كبيرة عبر تطور الفكر الإداري، وهذا ما أكد عليه بعض الباحثين، ومع ذلك ينظر إليها على أنها قيود رئيسة في التنظيمات التي تتغير حسب المهام، وتتقاسم المعلومات والمعرفة ذات العلاقة بهذه المهام.، وهذا ما أكد عليه(Amor)  في قوله " إن شبكة الإنترنت أدت إلى تجاوز الهرمية في الاتصالات  والمعلومات، وحيث لا توجد هرمية بين مواقع الويب لأن لدى كل موقع الأسبقية نفسها على الويب.

ج - التوجيه الإلكتروني :

       يشير غنيم ( 2004) م) إلى أن التوجيه الإلكتروني بالمنظمات المعاصرة يعتمد على وجود القيادات الإلكترونية والتي تسعى إلى تفعيل دور الأهداف الديناميكية والعمل على تحقيقها ،كما يعتمد أيضا وجود قيادات قادرة على التعامل الفعال بطريقة إلكترونية مع الأفراد الآخرين ، والقدرة على تحفيزهم وتعاونهم ؛لإنجاز الأعمال المطلوبة كما يعتمد التطبيق الكفء للتوجيه الإلكتروني على استخدام شبكات الاتصالات الإلكترونية المتقدمة كشبكة الإنترنت بحيث يتم إنجاز وتنفيذ كل عمليات التوجيه من خلالها (ص (71.

     ويؤكد نجم ( 2004) م أن قيادة الذات هي الأكثر بروزا في الإدارة الإلكترونية ، فالقائد الإلكتروني مطلوب منه أن يتخذ قرارات سريعة وفورية ،مما يجعله بحاجة إلى تطوير اتجاهات وقواعد خاصة للحالات المختلفة التي تساعده على سرعة الاستجابة .

ولهذا فإن قادة الذات يتسمون بعدة خصائص منا :

 -1 القدرة على تحفيز أنفسهم وإبقاء التركيز على انجاز المهام .

2 - فهم المنظمة ومساهماتها من أجل حل المشكلات.

 -3 الرغبة في المبادرة من أجل حل المشكلات .

 -4 البراعة ،المهارة،والمرونة في التكيف للبيئة المتغيرة .

- -5 المسئولية عن مساراتهم المهنية وأنشطتهم وتطورهم.

كما أورد غنيم ( 2004) م بعض المهارات الأساسية التي يجب أن تتوفر في القيادة الإلكترونية:

 -1 مهارات المعارف الإلكترونية :مثل تقنية المعلومات في الحاسبات الآلية وشبكات الاتصالات الإلكترونية والبرمجيات الخاصة بها والتعامل الجيد معها.

 -2 مهارات الاتصال الفعال مع الآخرين : حيث يتطلب هذا الأمر ضرورة تأسيس علاقات عمل جديدة من خلال استخدام جميع أنواع الاتصالات سواء كانت مكتوبة أو شفهية.

-3  مهارات إدارية : وهي تتضمن مهارات تحفيز الأفراد الآخرين بالمنظمة نحو العمل الجماعي والتعاون,بالإضافة إلى مهارات التخطيط والتنظيم والمتابعة والرقابة.

علاوة على ذلك ،يتأكد على القياديين والمديرين في هذا العصر متابعة كل جديد في حقل التقنيات الإلكترونية وأن يتحلوا بثقافة الإبداع والانفتاح والمرونة والتي تعد من ضروريات هذا العصر ؛ لكي يتمكنوا من التخطيط السليم والجيد للدخول إلى عصر الثورة الرقمية والاستفادة من إمكاناته لتطوير أداء المنظمات ورفع كفاءتها الإنتاجية .

د - الرقابة الإلكترونية:

        من الأمور التي تؤخذ على الإدارة التقليدية كونها تركز على الماضي، حيث تأتي الرقابة بعد التخطيط والتنفيذ، وتهتم بالمقارنة بين الأهداف والمعايير المحددة من ناحية، والأداء العقلي من ناحية أخرى لتحديد الفجوة الزمنية بين اكتشاف الانحراف وتصحيحه، أما الرقابة الإلكترونية فتسمح بالرقابة الفورية بمساعدة الشبكة الداخلية للجامعة، ومن ثم تقليص الفجوة الزمنية بين الانحراف وتصحيحه، كما أنها عملية مستمرة متجددة تكشف عن الانحراف أولاً بأول، من خلال تدفق المعلومات والتشبيك بين الموردين والعاملين والموردين والمستهلكين، وهذا يزيد من قدرة الرقابة الإلكترونية على توفير إمكانية متابعة العمليات المختلفة، وسير القرارات المتنوعة وتصحيح الأخطاء في كافة أنواع المنظمات، ويؤدي ذلك إلى تداخل حدود المسؤولية الإدارية للمديرين، فالجميع يعمل في الوقت نفسه، ويتحملون المسؤولية نفسها، وهذا كله ينمي الاتجاه المتزايد نحو التأكيد على الثقة الإلكترونية والولاء الإلكتروني، بين العاملين والإدارة وبين المستفيدين.

هـ- القيادة التكنولوجية الصلبة:

     هي قيادة تقوم على استخدام تكنولوجيا الإنترنت، من أجل إدارة أعمالها، حيث أن المدير في كل مكان سواء أكان في آسيا أم في أوروبا، يمتلك القدر نفسه من المعلومات، ويتعامل مع الحاسوب المحمول نفسه، ويتصل مع كل العاملين أينما كانوا في الوقت نفسه، ويقوم القائد هنا بأدوار مختلفة مثل معالجة الاضطرابات وإدارة الأزمات.

و -القيادة البشرية الناعمة:

       هناك وجهة نظر أخري تري أن القيادة الإلكترونية ستكون ذات حس إنساني كبير، ذلك لأن التكنولوجيا الراقية بحاجة إلى عاملين ذوي تخصصات ومؤهلات عالية ومبتكرين وحرفيين نادرين، وهذه التقنيات تتطلب إدارة جدية لا تعمل إلا وفق سلطة الأوامر وهرمية الاتصالات، المعلومات والتفاعلية الشبكية، وأن هذه القيادة يجب أن تدرك أن القيمة المضافة، تتم من خلال العمل المعرفي وليس من خلال الآلات، كما أن العاملين سيكونون متباعدين جغرافيا لا تربطهم بناية واحدة أو إشراف واحد مباشر، وسينتج ما يسمي بالولاء الالكتروني بين العاملين والزبائن.

     مما سبق يتضح أن الوظائف الأساسية للإدارة الإلكترونية في المنظمات، تتحدد بأربع وظائف هي التخطيط والتنظيم والرقابة والقيادة، وهذه الوظائف مترابطة ومتناسقة فيما بينهما بحيث تؤدي كل وظيفة العمل المناسب لها، ويختلف عمل كل وظيفة عن الأخرى بحسب الوقت المناسب لها ولكنها تظل مستمرة مع العمل الالكتروني طوال استمراره وهذا ما لا يتفق مع الإدارة التقليدية، لذلك يصعب التعامل في عصرنا الحالي مع الإدارة التقليدية لكثرة المعلومات وتطور الأجهزة وتعددها.

دوافع التحول إلى الإدارة الالكترونية .

        لم تكن احتياجات الإدارات والمؤسسات أو الحكومات هي الدوافع الوحيدة فقط وراء سعيها للتحول إلى أسلوب الإدارة الإلكترونية، بل إن تطلعات المجتمعات الحديثة إلى خوض تجربة التقنية، والاختلافات النوعية التي طرأت على طموح المجتمعات و سعيها إلى تحقيق مستوى أفضل من الخدمات الإدارية، وحالة التذمر في أوساط الفئات المتعاملة مع الأساليب التقليدية في ظل وقوف هذه الأساليب عاجزة عن إرضاء مراجعيها وفئاتها المستهدفة.

     هذا كلهّ كان بمثابة إرهاصات بدأت منذ فترات زمنية مبكرة على سبيل التحول إلى أسلوب الإدارة الإلكترونية، منذ أن بدأت المجتمعات والنظم الإدارية تتحسس قدرات تلك التقنية العالية .

ويمكن توضيح أبرز دوافع التحول فيما يلي:

1- دافع الزمن:

     كثيراً ما كان الزمن عقبة كبرى أمام الشركات والمؤسسات التي تخوض مضمار المنافسة عالمياً أو محلياً بصدد تقديم منتجاتها، فتقديم منتج جيد ليس كل شيء في ظل تسابق المنافسين إلى تقديم منتج جيد أيضاً، فثمةَ عنصر آخر للمعادلة غالباً ما حسم المنافسة لصالح إحدى الشركات والمؤسسات، ألا وهو الزمن، فإن توافرت فرضية أن الجميع جودوا منتجاتهم، فإن من يصل بمنتجه أولاً هو الذي يحوز قصب السبق، لذا فكثير ما حدد عنصر الزمن حظوظ إدارة ما في القدرة على المنافسة والبقاء.

      وعندما تسعى الإدارة إلى كسب سباق السرعة، وترجيح كفتها بعنصر الزمن، فإنها تجد نفسها أمام ضرورة الاستفادة من تطبيقات التقنية، بوصفها المطلب الأول لإلقاء أسباب بطء الحركة من روتين ومعاملات يدوية وراء ظهرها، والانطلاق إلى آفاق الإبداع التقني الذي يقدم لها كل يوم حلولاً جديدة لاختصار مزيد من الزمن، وتيسير اتخاذ قراراتها، وتعميمها بالسرعة المطلوبة، وإنجاز معاملاتها في الوقت الملائم لوضعها في دائرة المنافسة . فإن لم تكن الإدارة منافسة، كأن تكون إدارة خدمية حكومية، فإن الفائدة تكون أعظم، إذ إن المجتمع بأكمله سيكتسب ميزة اختصار الزمن، في ظل سباق مجتمعات العالم نحو التطور والبناء، إذاً ليس هناك إدارة يمكنها أن تتصور أن بإمكانها العمل بمعزل عن التقنية، حتى وإن كانت من تلك الإدارات التي يبدو عليها أنها ليست في دائرة تنافسية؛ فالنظرة العميقة الشاملة تؤكد أنه لا أحد خارج المنافسة، ولا أحد يمكنه التضحية بعنصر الزمن، إذ الخسائر حينها ستكون أعم وأفدح.

2- تطور الحاسوب وتطبيقاته:

      بقدر ما أدهش العالم ظهور الحاسوب في خمسينيات القرن الماضي، بقدر ما تلاشت تلك الدهشة سريعاً أمام التطورات السريعة والقفزات المتتالية التي قفزتها تلك التقنية، فلم يكن يمر عقد زمني إلا ويشهد جيلاً من أجيال الحاسوب، حتى شهدت الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي ولادة الجيل الرابع من الحواسيب الذي عرف بالحاسب الشخصي مما جعل الحاسوب في متناول أيدي الأفراد، ومهد لانتشاره سريعاً، حتى وصل إلى ما نراه اليوم، إلى درجة أنه لم يعد من الغريب توقع أن يكون في حقيبة أي شخص تقابله في الطريق حاسب شخصي صغير.

      ولفتت هذه التجربة الناجحة لتطبيقات التقنية وغيرها من التجارب إلى إمكانية الاستفادة منها ومن تطبيقاتها في مجال الإدارة، فالأمر لن يكلف سوى تحميل بعض القرارات والقوانين والملفات والمعاملات على شبكة معلوماتية، ثم وضع برنامج معين يسمح بتداول هذه المعلومات والدخول على الشبكة والتعاطي معها من قبل الأفراد عبر مجموعة من الأوامر التي يسجلها الفرد عبر لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبه الشخصي أو بحاسوب مركزي يتوجه إليه الأفراد في إحدى الكبائن العامة. ربما يبدو الأمر صعباً في البداية، لكنه لم يعد مستحيلاً أبداً مثلما كان يبدو للأجيال الماضية.

3- تطور الاتصالات:

       مرت الاتصالات الإلكترونية بطفرة هائلة، جعلت كل ما تحتاج إليه الإدارة سواء الحكومية منها أو الخاصة في متناول اليد، بأزهد التكلفة و أقل الجهد عبر دول العالم، الأمر الذي كان يحتاج في وقت سابق إلى إنفاق تكاليف باهظة، فضلاً عن الوقت الذي كان يستغرقه انتقال تلك المعلومات، مما يجعل بعضها عديم الفائدة في حال تجاوز وقت انتقاله سقفاً معيناً، فيذهب كل ما تكبدته الإدارة من نفقات ووقت أدراج الريا ح، في حين أمكن - في ظل تطور الاتصالات الإلكترونية الحديثة - الاحتراز من هذا كله، ليس ذلك فحسب، بل أمكن في ظل هذه السيطرة العنكبوتية لشبكة الإنترنت حول العالم أن تجد الإدارة نفسها في قلب الحدث العالمي، وعلى اتصال مباشر بأطرافه، مما يجعلها مطمئنة إلى صواب قراراتها وإجراءاتها، ويضعها على المحك مع القرار العالمي بخصوص ما تتخذه من قرارات، أو تنفذه من معاملات.

       إن التقدم المذهل في شبكة الاتصالات والإنترنت يشكل دعماً قوياً لفكرة تحول الإدارات إلى تعميم تطبيقات التقنية، بما تقدمه الاتصالات من تواصل فعال وسريع يختصر الوقت والجهد والإمكانات المادية عبر شبكات الاتصالات الداخلية للإدارة، وأيضاً ما أتاحته الشبكة العالمية للإنترنت من انفتاح للإدارات على آفاق التنمية العالمية، وما وفرته لها من تواصل، إذ رفدت شبكات الإنترنت تلك الإدارات بمد هائل من المعلومات فكونت لها مرجعية معرفية تعينها على بناء خططها ومشروعاتها وتصوراتها التي أصبحت ممكنة التنفيذ في ظل هذا الدعم المعلوماتي الذي تقدمه الإنترنت لإدارات التقنية التي بدأت تشعر بثقة كبيرة في اتخاذ قراراتها، بخلاف الإدارات التقليدية التي لم تكن تتمتع بالثقة نفسها في اتخاذ القرار، هذا فضلاً عن زهد تكلفة هذا المد من المعلومات الذي تستطيع الإدارة الإلكترونية جمعه عبر شبكة الإنترنت في زمن قياسي، الأمر الذي لم يكن متاحاً أبداً في ظل واقعها القديم، وكان يحتاج إلى نفقات طائلة ووقت طويل حتى تتمكن الإدارة من الحصول عليه، وربما - لتباعد الفترات الزمنية - ليصبح عديم الفائدة عند توافره بين

أيدي الجهات الإدارية.إضافة إلى تفادي الإدارة الجديدة سقوط بعض التفاصيل من ذاكرة الموظف أو المراجع، أو غيرها من احتمالات الخطأ التي يصعب تصور وجودها في ظل السيطرة الرقمية الجديدة على الوضع كلية، وخضوع خزانة معلومات الإدارة لأوامر تقنية لا تعرف منطق النسيان.

4- القرية الكونية:

      كان من يسمع هذا التعبير في الماضي يظنه جملة غير مكتملة، أو تعبيراً غير مقصود زلَّ به لسان صاحبه، في حين أنه الآن أصبح من البديهيات، وأحد بدائل اصطلاح العولمة، وهي في مجملها تعبيرات تشير إلى حالة من اختزال المسافة والزمن وسرعة تبادل المعلومات والآراء وسهولة تبادلها عبر العالم، وكذلك عقد الاتفاقات، وإنجاز الصفقات، والترويج للبضائع، وبيعها وشرائها، فالعبرة بالأرقام، والدفع عبر البطاقات الإلكترونية. إن هذا الواقع الجديد الذي لم يكن إلا خيالاً أو حلماً في الماضي، وضع العالم أمام فكرة

الهيمنة على جميع التفاصيل في كل مكان وفي الوقت نفسه دون بذل جهد يذكر، فَثمة نسخة أخرى طبق الأصل من العالم يمكن الاطلاع عليها والدخول إلى عالمها بكبسة زر أو نقرة على أحد المفاتيح.

      من هنا بدأت تتأصل حزمة من الأفكار الجديدة التي أصبحت تمثل وعياً مغايراً للوعي القديم المحدود الذي طالما أقعد المجتمعات عن اللحاق بطموحاتها، ومن تلك الأفكار : تحرر الأسواق والسلع والتجارة حول العالم وعبر الحدود، بل تحرر الأفكار نفسها وانتقالها؛ مما أتاح فرصة لتنقيح الآراء والثقافات والمقترحات وبرامج العمل، الأمر الذي استفادت منه الدول المتقدمة على النحو الأمثل، وبقيت دول العالم الثالث تتحسس موطئ قدمها منه.

        لقد تجاوز الأمر انتقال الأفكار والمشروعات إلى انتقال رؤوس الأموال والأفراد والخدمات عبر العالم، مما اقتضى التراضي على قوائم  مشتركة من المواصفات والمقاييس تطبق عالمياً بشأن السلع والخدمات المتنوعة، فبدأت المنظمات العالمية تضع الأطر المشتركة والموحدة للتعاون وتوحيد المقاييس والمعايير والمواصفات؛ حتى يصبح الخطاب العالمي الجديد عبر شاشات الإنترنت بخصوص شيء محدد متعارف عليه لدى الجميع بالمقاييس والمواصفات نفسها، من أجل توفير جو من الشفافية التي يمكن في ضوئها تبادل المصالح بما يضمن تحقيق الفائدة للجميع، ويوفر حالة من التعايش العالمي وتبادل المنفعة المشتركة لمصلحة الدول والشعوب.

5- أزمات القطاع العام:

        إن اجتهاد القطاع الخاص في الاعتماد على أساليب الإدارة الحديثة عمق من الهوة الكبيرة والفارق الشاسع في الأداء بينه وبين القطاع العام، فقد بدا أداؤه نمطياً تقليدياً ليس على مستوى طموح المواطن، بل حتى طموح إدارات القطاع العام نفسها، فكانت الخصخصة خطوة أولى على سبيل سعي القطاع العام إلى التخفيف من الأعباء الإدارية على الحكومات؛ وغرس ثقافة الترشيد والمسؤولية عند المواطن، وإن بدت الخصخصة في ظاهرها عملية ترشيد للجهود المهدرة والوقت الضائع والأموال الطائلة التي تتسرب في ظل عدم قدرة جهة الإدارة على السيطرة على مواردها، أو الحصول على تلك الموارد أصلاً، بيد أن بعض الإدارات الخدمية التي لا يمكن خصخصتها - حتى الآن - وجدت نفسها في مواجهة مباشرة ومقارنة غير منصفة مع إدارات مؤسسات القطاع الخاص التي وضعت قدمها في أرض التقنية، واعتمدتها سبيلاً لإحكام قبضتها على أعمالها والسيطرة على مواردها وضبط عجلة العمل بها، على النحو الذي يجعل الإدارة مطمئنة تماماً إلى أنها تسير في الطريق الصحيح، وأن خدماتها تصل إلى مراجعيها، وأن الهدر في إنفاقها تقلَّص حتى أصبح يقترب من النقطة (صفر)، مما يمكّن من إعطاء قرارات صحيحة لموارد الإدارة الفعلية.

        و لم يعد أمام الإدارات الحكومية بد من خوض تجربة التقنية وتعميم تطبيقاتها على دوائرها الإدارية لترشيد جهودها ونفقاتها، ولسد الثغرات أمام إهدار الموارد، وبخاصة أمام شح الموارد الحكومية وازدياد الطلب على الخدمات في ظل النمو السكاني المتزايد؛ مما يضاعف من أعباء الحكومات، ويضعها أمام ضغوط مالية متزايدة، تحتاج إلى صرامة في تقنين مواردها، الأمر الذي يستدعي دائماً أن يبقى العمل تحت سيطرة الإدارة الدائمة، مما لا يمكن تنفيذه على النحو المرجو إلا في ظل إدارات إلكترونية تتكامل فيما بينها لتشكل حكومة إلكترونية تساعدها على تحديد مواضع الخلل، وتضع أيديها على الاحتياجات، وأيضاً فرص العمل التي يمكن إتاحتها، وما يمكن خصخصته من مشروعات الدولة لزيادة مواردها واستغلالها في الجانب الخدمي، ولإتاحة مزيد من فرص العمل للعمالة الفائضة.

6- الإجماع على التقنية:

       تتجه أعين أجيال اليوم على أجيال دول العالم المتطور، ولم تعد ترضى بأقل من أن تكون على قدم المساواة معها، وأن تعمم تطبيقات التقنية على كل تفاصيل الحياة حولها، وبخاصة ما يتعلق بجانب المعاملات. فلم تعد الأجيال الحديثة تتقبل - على الإطلاق - فكرة الاصطفاف بالأوراق والملفات بالآلاف أمام شباك موظف الإدارة المحلية للحصول على رخصة محل أو مزاولة عمل ما، أو الحصول على شروط التقديم لمناقصة تطرحها الإدارة، أو استرضاء موظفي الوزارة للتقديم على فرص العمل، أو أمام السفارات والمكاتب الطلابية لطلب منح الابتعاث، وما إلى ذلك من مواقف وجدت الأجيال الجديدة من الشباب نفسها في غنى عنها، في ظل اعتماد العالم على التقنية في أداء تلك المهام.

        لقد شاعت الثقافة الإلكترونية وانتشرت بين الشباب، وتعمقت علاقتهم بالحاسوب والإنترنت - سواء المتخصص منهم في هذا الحقل أو غير المتخصص - إلى درجة باتت محرجة للحكومات، إن لم تتخذ خطوات عاجلة؛ لتُشعِر الأجيال الجديدة أنها على قدر طموحاتهم، إذ ليس من المنطق أن تسبق عقولُ الأجيال الجديدة حكوماتها، في حين أن الأصل أن تبادر الحكومات بما يرفع مستوى وعي شعوبها وثقافتها من خلال تزويدهم بالتطبيقات التقنية التي فرضت مفاهيمها الجديدة، وبثت ثقافتها في أجواء العالم.

      لقد أصبح الوقوف على كل قرار حكومي ومعرفة آلياته ودوافعه وتداعياته أمراً متاحاً في ظل انتشار الحواسيب الشخصية، وتلك الثقة التي بدأ الأفراد العاديون يتعاملون بها مع المعلومات، ورغبة الأشخاص في الوصول إلى كل جديد من القرارات، مما سيكون له عظيم الأثر في بناء وعي جديد، يقوم على شعور المواطن بالمشاركة وتنمية شعوره بالمسؤولية ومواكبة الأحداث والقرارات، مما يضيف إلى إنجازات الحكومة إنجازاً عظيماً يتمثل في التأصيل لحاسة المواطنة ، وتعميق الشعور بها في نفس مواطن مجتمع التقنية الذي سيبقى لديه اعتزاز بمجتمعه الجديد، على اعتبار أنه مجتمع متميز يأخذ بأسباب التقدم، الأمر الذي سينعكس على أدائهم الوظيفي وانتمائهم الوطني في مواقعهم الوظيفية والاجتماعية.

7- الدوافع السياسية:

        كانت التحولات الديمقراطية وما تبعها من متغيرات اجتماعية وتطلعات شعبية أحد العوامل الدافعة لكثير من الجهات الإدارية إلى تعميم تطبيقات التقنية على دوائرها، فقد ساهمت حركات التحرر العالمية التي تطالب بمزيد م ن الانفتاح والحرية والمشاركة واحترام حقوق الإنسان في توجيه أنظمة تلك الدول إلى إدخال تطبيقات التقنية إلى إداراتها، بوصفها مطالب تحققها هذه الأنظمة لشعوبها لكسب الثقة والتأييد من جراء إنجاز هذا الحلم لكل شعب . وقد رافق هذا التطور في البناء الاجتماعي والتوثب نحو كل جديد في تلك المجتمعات ارتفاع في المستوى الإداري ، وتولُّد رؤية جديدة للقطاع العام بأبعاده كافة، مما دفعه إلى السعي لتحسين مستوى المشاركة الشعبية في القرار الحكومي، وترسيخ مبدأ الشفافية الذي يعطي الشعوب حق الرقابة على الجهات الحكومية ومحاسبتها ومساءلتها؛ تحقيقاً لقيم العدالة في تلك المجتمعات، مما جعل من أسلوب الإدارة الإلكترونية فرصة مميزة أمام تلك الأنظمة لتحقيق هذه الآمال لشعوبها.

8- الحوار والتواصل:

       إن الرغبة الجمعية لدى المجتمعات المعاصرة في الالتقاء بالآخر، وإقامة حوار الحضارات على نحو اجتماعي، وإنشاء أواصر للصداقة مع شعوب العالم لدى كثير من فئات المجتمعات، شكلت عنصر دفع للجهات الإدارية في تلك المجتمعات إلى تعميم تطبيقات التقنية بوصفها تلك النافذة التي ستمكن مجتمعها من أن يطل على العالم ويتواصل معه إنسانياً، ومعلوماتياً ، واقتصادياً، وإدارياً، وفي ظل غياب الثقافة التقنية العامة ستبقى قدرة هذه المجتمعات على التواصل منقوصة محدودة، لذا كان سعي الجهات الإدارية إلى تطبيق أسلوب الإدارة الإلكترونية من باب نشر ثقافة التقنية، وتعميق الخبرة الاجتماعية بقدراتها بوصفها أداة تواصل إلى جانب أنها أداة إنتاج.

 

 

المصدر: طارق عبدالنبي عوض سلامة
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 278 مشاهدة
نشرت فى 29 سبتمبر 2016 بواسطة tareqsalama33

عدد زيارات الموقع

104,291