
بياض .... بقلم ريما إبراهيم حمود
يفتح النافذة كل صباح باحثا عن أول خيوط النور ليصطاده، يفرد ذراعيه بجانبه ... يهبط على ركبه، يصعد ، ينفض بقايا النوم عن وجهه بماء الصباح البارد ... و يخرج .
يقيس المسافة بين شباك غرفته اليتيمة فوق بناية من ثلاث طوابق عامرة بالفوضى و الضجيج و بين شباكها الذي يطل على الشارع دون سور، يعقد على حديده الصدئ شريطا أحمر تتدلى منه وردة جوري بيضاء يخطفها كل صباح من الشجرة المطلة من وراء سور منزل مختار الحارة .
تفتح النافذة بروتين يومي محبب و على وجهها ابتسامة الصباح ... تمد يدها من وراء درفة الشباك ... تحل طرف الشريط و تخطف الوردة ... تضعها في الكوب اﻷزرق المثلوم الحافة واقفة في قليل من الماء ... و قبل أن تسلم جسدها للنوم تجفف ساق الوردة ... تختار رواية من رف المكتبة ... تدسها في صفحة ما و تعيد الكتاب إلى مكانه .
يجلس كل مساء في المقهى القريب من شباك غرفتها يراقب طيفها الأزرق يرف خياله من وراء الزجاج الغبش ... يتخيل كفيها عصفوري دوري يغردان على كتفه ... وجنتيها الموردين بالتفاح ... شفتيها اللتين يحكيان الكثير عن الغواية الأولى .
تراقب خياله المتسمر في الكرسي القريب ... تغافله فتتسلل إلى النافذة العلوية حين يغادر أصحابها البيت ... تسترق النظر إليه فيحضرها البكاء مبتسمة ... تمسح دمعها من فوق ابتسامتها ...تراودها يدها لتلوح له لكن عتمة الغرفة المحرمة و رائحة السجائر فيها تطبق على أي نية لها للتحليق .
يغمض عينيه يرتشف الشاي ليراها مرة تلو مرة تتعثر باﻷكياس التي تحملها ... تسقط متكئة على كفيها ، ينزل على ركبتيه يلتقط حبات البرتقال التي لوثها التراب، يرفع رأسه إليها لثانية طويلة فيلمح شعرها الأسود يتدلى فوق بياض وجهها ، تفقد كفه البرتقالة الأخيرة فتتدحرج إليها ... تقف عند قدميها اللتين تنفض عنهما الغبار، يتجمد في انحناءته أمام دمعة هاربة مسحتها بطرف أصابعها ليراقبها تختفي وراء الباب الحديدي الأسود لبيت لا يعرف عن سكانه سوى الصراخ الذي يشق عتمة الصمت بين ليلة و أخرى.
تستعيد وجهه الذاهل أمامها و هي تعب من شذى الوردة الأولى المحفوظة في الرواية الأغلى على قلبها ... عينيه اللتين عانقتا عينيها ... الحزن الذي لفهما لثانية طويلة ... السمرة التي حكت لها عن الوحدة و الغرفة اليتيمة و الأم التي رحلت ... تحلم كل ليلة بكفها تستريح في كفه و الشارع يمتنع عن نثر غباره في وجههما ... تنام حين تلمحه يغيب عن مكانه في منتصف الليل تماما... تسحب الغطاء فوق رأسها تأمل أن لا يصلها الصراخ المكتوم من الغرفة العلوية المحرمة .
يعود من عمله في أطراف المدينة مارا بجانب شباكها ... تعلق روحه فوق الوردة البيضاء التي أنهكتها الشمس الصيفية منذ الصباح ... ينخلع قلبه هلعا ... يجلس في مكانه ينتظرها أن تمد يدها إلى الوردة ... يمر أهل الحارة أمامه بهدوء ... يلمس أحدهم كتفه ... يمسح عليه... يطلب آخر له الشاي لثلاث مرات دون أن يشربه ... يبحث عن كلمة ليسأل بها عنها ... يجف ريقه ... تتغضن الحروف في شفتيه ...تتكسر أسئلته خوفا من إجابة ما .
يقرر أن يبتسم ... يعقد الوردة كل صباح ... تجف الورود البيضاء متدلية من حديد شباكها، يمتلئ الشباك بالورد المجفف...أيام طويلة مرّت قبل أن تتسلل عجوز سكنت الغرفة إلى كومة الورد تفك أشرطتها الحمراء فيعود زجاج الشباك إلى الإطلال على الشارع ... يمر محزونا ... يلمح الزجاج الغبش مرة أخرى ... يضيع وراء أمل ما .



ساحة النقاش