أغاريد الجيل الجديد/ قصـــة قصــــــيرة
___________________________

يا ألطاف الله

سيد أبوالعبيط مات .. طق مات.. هكذا سمعنا الخبر فى البداية؛ بيد أن الذى سمعناه بعد ذلك أنه مات بالسكتة.. إلا أن الغريب هو ما سمعناه بعد دفنه من أنه مات مسطولاً.. حقيقة ذهلنا عندما سمعنا الخبر.. سيد أبوالعبيط ناظر مدرسة الطرابشة الذى لم يره أحد يجلس على مقهى، أو حتى على مصطبة، عاش طوال عمره لم يدخن سيجارة واحدة، ولم يتأكد لأحد أنه يشرب حتى البوظة، كيف يموت مسطولاً؟!.
كنا نجلس فى الشمس على مصطبة "أبو الدهب" وكانت حركة التزاحم على طابونتة قد بدأت تشتد، وبينما كنا نتابعه وهو يرمق ثلاث ريفيات أتين لتوهن ليقفن بجوار باب الطابونة الحديد، وكانت أنظار أبي الدهب قد ذهبت إلى بعيد، وهو يتفرس أجسادهن الضامرة، وفيما بدا أنه استغرق إلى أبعد من ذلك، حتى لأنه لم يستمع بداية إلى مرعي أبوالخبور الذى حل ضيفًا على المصطبة، وألقى التحية، وبدأ يسرد الخبر: 
ــ يا حفيظ .. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة"
وكأن الشيخ سعيد كان ينتظر من يفاتحه فى موضوع يؤرقه ، فسحب خيط الحديث فجأة وانبرى: الموت فجأة فى كل مكان .. فى العراق وفلسطين وأفغانستان ومصر وسوريا .. الناس تكون نايمة فى أمان الله فى الفجر تيجى الطيارة من غير إحِم ولا دستور تفنيهم .. ميات ميات .
لكن مرعي أبوالخبور رمق الشيخ سعيد وسأله مستغرباً:
ـ عراق إيه وفلسطين إيه يا حاج .. أنت رايح بعيد ليه ؟ .. أنا قصدى أكلمكم عن سيد أبو العبيط . 
ـ سيد أبو العبيط .. الناظر ؟.. ماله ؟
ـ طق مات 
ـ يا ألطاف الله !
ـ طق مات ؟! 
ـ إي والله !.. كان رايح المدرسة، واقف مستنظر عربية توديه شغله، وكان أحمد أبوالديك واقف بيتمسخر معاه.. فجأة سمع صوت طقطقة، وبص لقى سيد واقع على الأرض.
لم يكن مرعي قد أنهى الخبر عندما تململ عباس فى جلسته، وأخرج زفيرًا مكتومًا وسب ـ لا مؤاخذة ـ دين الحكومة.
استغفر الشيخ سعيد، ورمق عباس بنظرة حادة غاصبة، لكن نظرة عباس كانت أكثر حدة ، وهو يسأله بهدوء :
ـ بتستغفر ليه يا شيخ سعيد .. هى الحكومة ـ لمؤاخذة ـ عندها دين ؟
ـ يا أخى .. إنت لسانك مقرف على الصبح، إيه دخل الحكومة في سيد أبوالعبيط اللى طق مات.. دا شغل عزرائيل مش شغل الحكومة؟.
ـ والله العظيم الحكومة هى السبب.
ـ ليه .. هى الحكومة عزرائيل ؟.. دا أجل .. محدش هياخد أكتر من عمره.
ـ والله يا شيخ سعيد أنت ما رايح تفهم أبدًا.. عزرائيل والحكومة واحد يا مولانا.. هدفهم واحد.
ـ استغفر الله .. يا أخى والله كلامك فيه كفر.
ـ طيب قول لي أنت يا مؤمن .. واحد ماهيته 500 جنيه ومعاه سبع عيال .. ومراته لامؤاخذه عندها السكر وعرق النسا، وعياله ـ لا مؤاخذة ـ متغربين على تعليمهم.. والبنتين اللى تخرجوا مرزوعين فى البيت زى العمل الردى، لا الحكومة موظفاهم، ولا فيه حاجة يعملوها، ولا حتى حد طالب إيدهم .. قامت البنت الكبيرة خريجة آداب صحافة اشتغلت فى استديو الولد الشرموط "أبو السعود "، قام عمل عملته معاها والحكاية انتو عارفينها.. وسيد أبوالعبيط زى ما انتو عارفين محلتهوش غير مرتبه.. وبلاش نتكلم فى الأسعار والغلا .. الواحد منكم يسأل نفسه بيصرف كام فى الشهر، والجنيه مبقاش يجيب مصاصة للعيل.. طب عاوزين إيه من سيد أبو العبيط غير إنه يطق ويموت.
ـ لكن يا عباس يا خوي .. ومهما يكون كلامك صحيح .. بلاش تتكلم على عزرائيل بالعبط ده . 
ـ ليه هو عزرائيل ابن عمك يا شيخ سعيد ؟
هنالك بدأنا نضحك، ونحن نستمع إلى الشيخ سعيد وهو يحتد على عباس، وفيما كان الحديث يبعد عن سيد أبو العبيط والحكومة، بدأ يتجه ناحية العقيدة، والحقيقة أننا لم نكن نود أن نتابع لا هذا ولا ذاك، وقد لاحظنا أنظار أبي الدهب إلى البنات المتكتلات فى برد الشتاء أمام باب الطابونة .. ورأيناه وهو يقوم من بيننا ويتسحب باتجاههن ، فما كان منى إلا أن نبهت الشيخ سعيد :
ـ يا أخى سيبك من عزرائيل والحكومة .. خليك فى الديك البلدى ده .
ـ ارجع يا نجس .
التفت أبوالدهب إلينا وأخرج لسانه ومضى تاركًا الحديث الخشن لنا، واستمر الشيخ سعيد :
ـ عزرائيل مكلف من الله لأداء مهمة مقدسة، شاءها المولى بحكمته.. لكن الحكومة ـ لا مؤاخذة ـ نجسة، وبتتفنن فى إذلال الشعب وتجويعه عيني عينك .
هنالك بدأ عباس يهدأ، وانبرى يفك عمامته ويعيد لفها، وكنت قد بدأت أشعل سيجارة، واتوجه بالحديث إلى الشيخ سعيد :
ـ أنا كنت فاكرك زعلان على سب الدين يا مولانا مش على عزرائيل ودوره .
ـ ربنا يرحمنا برحمته.. والله الناس فرَّطت فى الدين والعرض.. أيام يعلمها ربك .
وانتهز عباس الفرصة وهجم على الشيخ سعيد بالقول :
ـ الحمد لله .. وصلنا للموضوع .. الناس فَرَّطت فى الدين والعرض.. ليه ؟ 
ـ إذا اشتدت الأزمة سقطت الفضيلة .
ـ يعنى الحكومة هى السبب؟ .
ـ أيوه .. هي السبب .
ـ بس .. أنا كنت عاوز اسمع منك دى .
ـ وأديك سمعتها..
ـ يا مولانا .. احنا شغلتنا نسمع ونَصُر، مفيش فى ادينا حاجة نعملها .
ـ "ومن يتقٍ الله يجعل له مخرجاً ".. ليس في يدنا أن نقول للحكومة اتق الله يا حكومة.. لكن فى يدنا أن نقولها لأنفسنا.
وكان الحديث قد بعُدَ عن سيد أبوالعبيط الذى طق ومات، وكان الشيخ سعيد قد تململ راغبا في الانصراف في نفس اللحظة التى كان أبوالدهب ينسرب من بين الأجساد المتكتلة أمام طابونة وخلفة إحدى الريفيات.. دخل بها إلى بيته المجاور للطابونة، وأغلق الباب دونهما. وهنالك تحول الحديث من الحكومة إلى أبي الدهب وأعماله السوداء .. غير أننا فجأة صمتنا .. أصابنا الذهول فجأة ونحن نرى جسداً أسود في هيئة البني آدم قادماّ باتجاهنا من الشرق.. عليه تراب كثيف أسود:
ـ مين ده ؟! 
انتصبنا واقفين بعدما تأكدنا أنه لا يرتدى ثيابا مثل الناس ، وكانت ـ لا مؤاخذة عورته ظاهرة.
ـ يا ألطاف الله .. مين سيد ابو العبيط ؟!
رأيناه بكفنه الممزق، يمشى منتصباً، صامتا يتحرك نحونا، وقد اكتسى وجههه بسواد التراب.. وقد استحال الكفن الأبيض إلى هلاهيل سوداء.
ـ يا ألطاف الله .. طق مات .. دفنوه .. هاااا .. اجرِ يا ولد .
جرينا .. ربما هى لحظة خوف، أو ربما هي لحظة اللايقين.. جرينا.. نمسك أطراف جلابيبنا بأسناننا، وقد انفكت عمائمنا ، تركناها تسقط على الأرض .. اخترقنتا الأجساد المتزاحمة أمام الطابونة، وانطلقنا في الشوارع .
ـ سيد أبوالعبيط رجع .. رجع .. طلع من القبر.
استمر الجرى للحظات قبل أن ننظر إلى الوراء .. كان سرباً بشرياً يجري وراءنا، وكانت لحظة الخوف قد تبددت ونحن نرى الجمع خلفنا يجرى بفعل نمطي عجيب، وكان علينا من ثم أن نستدير باتجاه الطابونة، وفي يقيننا أنه قادم في الطريق .. سنصادفه.. سنستوقفه ، ونسأله ، ربما حملناه على مابه إلى أولاده .. ربما سقيناه .. غطيناه .. سألناه .. غسلنا ترابه .. ربما هنأناه على عودة الروح.. ربما .... 
وكنا قد وصلنا عائدين إلى الطابونة، ولم يصادفنا في الطريق .. وفي لحظة استبد فيها السؤال برؤسنا : أين ذهب سيد أبوالعبيط ؟ ارتفع صوت أحدنا :
ـ هاااا .. سيد أبوالعبيط .. حمدالله على السلامة يا سيد.
كانت صدمتنا أنه لم يرد.. كان واقفا مع الواقفين في الطوابير، وقد انحشر بحسده بين جموع المتزاحمين أمام باب الطابونة الحديدى .. حقيقة كان صامتاً، عيناه غائمتان، وبدنه منكهاً، وقد أشاح بوجهه عنا، متلهياً عن رؤيتنا بمزاحمة الواقفين.
ـ يااااه .. كأنه هو .
رأيناه بكفنه وترابه يقف وقفة حزينة، تتدافعه الأيدي والأكتاف باتجاه فتحةٍ في باب الطابونة .. كان شارداً وساهماً ، غير أننا في لحظة أخري كان قد وصل فيها إلى الفتحة الحديدية سمعنا صوت طقطقة ، ورأيناه حقيقة بأم أعيننا وهو ينفرط على الأرض، وهنالك سمعنا من يقول : طق مات.
____________________
#أغاريد الجيل الجديد #عبدالجواد الخفاجى

https://www.facebook.com/agarridgeneration

 

shetuskw

أغاريد الجيل الجديد

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 232 مشاهدة

ساحة النقاش

أغاريد الجيل الجديد

shetuskw
أغاريد الجيل الجديد الأدبية الإلكترونية هدفنا هو خلق حراك ثقافي بناء قائم على إعلاء قيمة الأدب والفن وتحريك المياه الراكدة في المجال الثقافي . ونسعى إلى اكتشاف المواهب الشابة ورعايتها وتقديمها إلى الساحة الأدبية والمساهمة في نشر الوعي الثقافي ، لإيماننا أن تقدم أي أمة من الأمم يبدأ بالارتقاء بوجدان »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

71,811