" كل تنمية حقيقية لمجتمع معين تتطلب المشاركة الايجابية والفعلية والمبادأة التلقائية من أفراد المجتمع، حتى ولو لم تكن تلقائية فعلى الدولة تحريكها من خلال مختلف الآليات والوسائل كاللجان الاستشارية التي تسمح للمواطنين ابداء مقترحاتهم في انجاز المشاريع التنموية ".
إذا تمعنا بشكل أعمق في مفهوم الديمقراطية التشاركية بدلالاتها المختلفة نلاحظ بأنّها ترمي إلى مشاركة المواطنين في رسم السياسات وصنع القرارات، بشكل يكفل كرامة وقيمة الفرد ويمكّنه من مساعدة الحكومة على ايجاد الحلول للمشاكل والأزمات التي تعاني منها التنمية في المجتمع والدولة بمفهوم أوسع، وهنا يظهر التكامل بين الديمقراطية التمثيلية والتشاركية لأنّ الأفراد يساهمون في تدبير الشأن العام عن طريق اختيار ممثليهم للسهر على تسيير شؤونهم، وفي نفس الوقت يشاركون في النقاشات والمبادرات المحلية المتعلقة بالبرامج التي تهدف لتحسين جودة حياتهم، وتعتبر المساواة من أسس تطبيق الديمقراطية التشاركية دون تفرقة على أساس الدين أو العرق أو الجنس والتي بفعلها يتحقق التمثيل الحقيقي لخدمة المصلحة العامة، وعليه تصبح المعلومات والاحتياجات تأتي من أسفل-القاعدة- ثم يدرسها المستوى الأعلى – القمة " السلطة السياسية"- لتخرج في شكل قرارات وسياسات ثم تعود كتغذية رجعية – رضا أو تذمر- في شكل مطالب جديدة، وبموجب هذا النظام تظهر تنظيمات المجتمع المدني كركيزة مجتمعية يعتمد عليها في رفع المطالب للحكومة والمجالس المحلية المنتخبة.
في حين ما نلمسه في التجربة الجزائرية أنّ الديمقراطية التشاركية لاتزال مفهوم مفروغ من محتواه ومجرد حبر على ورق وشعارات برّاقة مغفلة التطبيق في ظل غياب الشفافية والفساد والمركزية وصعوبة الحصول على المعلومة في وقتها المناسب، لأنّ غياب المشاركة الحقيقية للمواطن في الشأن العام يجعلنا بعيدين كل البعد عن تطبيق الرشادة في التسيير، فبالرغم من اشارة النصوص القانونية إلى إشراك المواطن الجزائري في إدارة شؤونه المحلية إلاّ أنّ التطبيق الفعلي لها على أرض الواقع مغيب نظرا لعدم وجود الميكانيزمات والآليات الكفيلة بذلك، لو أخذنا مثلا قانون البلدية الجديد 2011 نجده يركز على أنّ المشاركة الحقيقية للمواطنين في تسيير الشؤون المحلية تتم عبر فعّاليات المبادرات التنموية وتنفيذ المشاريع ومتابعتها، إلأّ أنّ غياب التعبئة على المستوى المحلي تجعل المبادرة منعدمة ويصبح الولاة هم المبادرون بدلا من المنتخبين والمواطنين، ونورد مثال آخر عن اللجان السرية التي صرحت عنها السلطة في مناسبات سابقة والتي تقف على واقع البلديات لتسجيل النقائص والانشغالات والعراقيل البيروقراطية والإطلاع على دفاتر الشكاوي وإنشاء لجان محلية تسهر على بحث مشاكل المواطن وإشراكه عن طريق المبادرات الفردية في التنمية المحلية إلاّ أنّه لم يتم الكشف عن أية تقارير تبين الاختلالات أو النقائص ما يجعلنا نتساءل هل تمّ فعلا إنشاء هذه اللجان؟، الجواب هو أنّنا لانزال أمام واقع مليء بالثغرات والوعود التي لم ترى النور بعد وحقائق لا توحي فعلا بما هو معاش، لأنّه في حقيقة الأمر هناك أمور هامة يتم تغافلها كالمساءلة والشفافية والمشاركة والعدالة الاجتماعية باعتبارها عوامل معززة للديمقراطية التشاركية.
والمشكل الآخر والأكثر تهديدا بالتنمية المحلية يدور حول إهمال دور المواطن في مجتمعه بحيث توجد مناطق غنية بالكفاءات البشرية: أطباء، مهندسين، معلمين، أساتذة جامعيين، طلبة، رياضيين، مقاولين، لكن لا تستغل أحسن استغلال ولا تشارك في برامج التنمية المحلية وعلى هذا الأساس فالإنسان طاقة قوية تحتاج فقط لمن يفجرها في إطار دعم القدرات المحلية، وفي خضم موجة الغضب والتذمر التي تطفو كل مرة في شكل احتجاجات بشأن العمل، السكن، التنمية على وجه أعم، فقد دق ناقوس الخطر بحيث لا يمكن أن نتجاهل سياسة التقشف التي تمارس في ظل انخفاض أسعار النفط ما يشير لبوادر أزمة قادمة، فلو استطاعت الدولة الجزائرية أن تكرس ثقافة المشاركة في المجتمع بإمكانها أن تنتقل إلى النظرة الأوسع لدعم القدرات البشرية فبدلا أن يكون الأفراد والجماعات تابعين وخاضعين للسلطة يصبحون أفراد مشاركين وذلك بمد جسور العلاقة بين السلطة والمواطنين بما يكفل لهم حقوقهم ويلتزمون بواجباتهم تجاه وطنهم.
وعلى سبيل المثال وليس الحصر يمكن تحفيز رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات والأموال ببعث مشاريع على مستوى بلدياتهم للنهوض بالتنمية وإشراك لجان الأحياء الاجتماعية والثقافية والرياضية،... لأنّها بمثابة النواة الأولى للتنمية المحلية، ففي فرنسا مثلا يتم تنظيم برامج في اطار سياسة المدينة بعقد اجتماعات واستشارات تخص برامج تنموية على المستوى الحضري وتنشر في مجلة المدينة بهدف توضيح أنّ الاستشارات فعلية ونظمت مع السكان لانجاز المشاريع.
وبما أنّ الديمقراطية التشاركية أساس الوعي السياسي والتوافق وخلق الدافعية لتكوين الأفراد وتمكينهم من القدرات الأدائية لتحسيسهم بالمسؤولية وإقناعهم بتحملها، يقع على عاتق الدولة الجزائرية اعادة بعث الثقة في المواطن بإيجاد رؤية واضحة لإدماجه في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعه تكريسا لمبادئ الديمقراطية التشاركية للتقليل من هدر الموارد والرشد في التسيير والقضاء على الفساد- ولو أنّنا مازلنا نحتل ذيل الترتيب في مؤشرات الشفافية-.


