مركبات النيم ودورها فى البيئة
مركبات النيم عباره عن مركبات مستخلصه من شجرة النيم Neem ، أو المرجوزة Margosa، والتى تسمى علمياً " Azadirachta indica ، وتعنى فى اللغة الهندية " شجرة الهند المجانية ". إذ أن موطنها الأصلى يقع فى القارة الأسيوية خصوصاً فى غابات شبه القارة الهندية . والنيم شجرة مدارية (استوائية) تنتمى إلى الفصيلة " الزنزلختية ". وهى معمرة تستطيع أن تحيا عمراً ، يصل إلى مائة وثمانين عاماً ، وقد يمتد عمرها فى الغابة إلى المائتين. حين يتأملها العالم النباتى لا يسعه إلا الإعجاب بأشكالها الرائعة وخصائصها النباتية الباهرة . فهى شجرة سريعة النمو كثيفة الظل دائمة الاخضرار تنمو بكثافة، وتمثل فى الغابة مظهراً رئيسياً للخضرة، أما ارتفاعها فيصل إلى 16 متراً وأحياناً يبلغ 25 متراً، ويصل قطر مجموعها الخضرى إلى عشرة أمتار. وتمتاز الشجرة بجذع قاس صلب، بنى داكن، يتراوح قطره ما بين 75 و 150 سنتيمتراً على أن ما يعنينا هنا بالتحديد ليس جمال الشجرة الخارجى بل روائع الكيميائيات الحيوية الفعالة، التى تنطوى عليها أجزاء الشجرة وعطاياها المتجددة التى جعلت الناس يطلقون عليها " كنز الغابة الذى لا يفنى .
نجح الكيميائيون فى الكشف عن أربعين مركباً حيوياً فعالاً تتركز أساساً فى البذور وفى زيت البذور ، وفى القلف والأوراق . وهى مركبات من نوع " ثلاثية التربينات " Triterpenes ، وتتصف بتركيب كيميائى معقد . وأنها لتشبه كثيراً " الاستيرويدات " Steroids من وجهة نظر الكيمياء . وعرف الباحثون أن المركب النشط الرئيسى الذى يعود إليه طعم النبات المر هو " الازاديراكتين " Azadirachtin الذى يسمى بلغة الكيميائيين Tetranortriterpenoid ، ويتراوح تركيزه فى لب البذورما بين 4 ، 9 ملليجرامات فى الجرام .
وغير هذا المركب الرئيسى ، توجد تركيزات أقل من مركبات أخرى أمكن التعرف على بعضها وجرى توصيفها فى حين مازالت مركبات غيرها قيد التعرف والتوصيف العلمى . من بين المركبات التى عرفت على نحو مرضى نيمبين Nimbin ، ونيمبينات الصوديوم Sodium nimbinate ، ونيمبيدين Nimbidin ونيمبيدول Nimbdol وكويسيريتين Quecertin ،وجدونين Gedunin ، وسلانين Salanin ، ونيموستيرول Nimosterol ، وسوى ذلك مركبات ذات فائدة عملية وتطبيقية مدهشة جعلت الناس يطلقون على النيم " شجرة الألف فائدة وفائدة " . فماذا- إذن- عن بعض تلكم الفوائد البارزة .
حين يتأمل عالم الحشرات شجرة النيم ، لا يسعه إلا الإعجاب بمناعتها الطبيعية وصمودها الأشم فى وجه هجمات الحشرات الضارية ، وحجافل الآفات الباغية، وهذا صحيح فهى تبدو محصنة ضد الحشرات على نحو لا نظير له فى مملكة النبات .. فلا تصاب عادة بأى من أنواعها ، اللهم إلا الحشرة القشرية . وفوق ذلك، فهى تتصف بقدرة لا تبارى على منع الحشرات Insect repellent ، فهى إذا تنطلق روائح من زيت عطرى من أوراقها تنفر الحشرات وتطردها Repellent بعيداً حتى إنها لا تقوى على الاقتراب بل تفر مبتعدة لمسافة تصل إلى عشرين متراً .
والعجيب أن هذه الرائحة ليست منفرة للإنسان ولا تؤثر فيه سلبياً على الإطلاق ، كما أنها لا تؤذى نحل العسل ولا سواه من الحشرات النافعة ولنذكر فى هذا الصدد أن علماء الحشرات يرصدون ظاهرة فريدة فالجراد الصحراوى المهاجر الذى لا يكاد يحيط على أنواع الأشجار رائعة الاخضرار حتى يبيد خضرتها فى سويعات ، لا يكاد يقترب من أشجار النيم حتى يفر بعيداً مذعوراً منها ولا يمسها بأى سوء . لقد عرف الباحثون أن مركب " الازاديراكتين " الذى يعود إليه الطعم المر للنبات هو نفسه المركب الرئيسى الذى يبيد الحشرات . فهو يبدو مؤثراً ضد فيض منها، لا سيما الجراد والنطاطات والحشرات ذات الجناحين وغمديه الأجنحة ومستقيمة الأجنحة، وحرشفية الأجنحة ، والحشرات متشابهة الأجنحة أيضاً .
ومن السهل علينا أن نتصور مدى الدهشة التى تملكت العلماء حين أظهرت نتائج أبحاثهم العلمية وتجاربهم الحقلية سواء على نطاق الوحدات التجريبية أو المساحات الأكبر أو الزراعات المحمية إن مركب الأزاديراكتين يؤثر بقوة فى نحو مائتى نوع من الحشرات الضارية من بينها 25 نوعاً من حشرة أبى دقيق ، و 20 نوعاً من الخنافس ، و 14 نوعاً من البق ، وخمسة أنواع من الذباب ، وخمسة أنواع من الجراد والنطاطات ونوعين من النمل الأبيض وسوى من أنواع الحشرات . وعلى مدى سنوات تأكد الباحثون من حقيقة مذهلة : فمركب الأزاديراكتين ، حين يبلغ أجسام اليرقات أو الحوريات ، فإن 70% منها تموت فى غضون 3-14 يوماً . هذا لأنه يؤثر فى الهرمون المسؤل عن انسلاخ الحشره (Ecdysone) انسلاخ اليرقات والحوريات لتكمل دورة حياتها وتتحول إلى حشرات كاملة . وبتعبير أفصح فإن الأزاديراكتين يسبب خللاً فى هرمونات الحشرات لا سيما هرمونات النمو Juvenile hormones ، وينتج عنه توقف عملية الانسلاخ ويؤدى إلى إيقاف النمو على نحو يفضى فى نهاية المطاف إلى موت الحشرة او خروج افراد مشوهه .
|
مركبات النيم : |
حين نوازن بين مركبات النيم الفعالة والمبيدات الكيميائية التخليقية نجد أن مركب الأزاديراكين – يؤثر فى الحشرة كمانع وطارد غذائى من خلال تأثيرة على الخلايا الحسية الموجوده بقرون استشعار واجزاء فم الحشرة مما يجعل الحشره تبتعد عن المكان المرشوش (غذاء او خشب ..ألخ) بالنيم وحتى حينما تتغذى الحشرة فمادة الأزادراكتين تؤثر ايضا على الحركة الدوديه للغذاء داخل الحشرة محدثة شلل لجدار الامعاء مما يؤدى الى تراكم الغذاء داخل الحشرة وبالتالى موت الحشرة كما ويؤثر فى الانزيات الهاضمة للغذاء .
والأزاديراكتين - خلافاً للمبيدات لا يعد ساماً أو ضاراً للإنسان أو للحيوانات الأليفة أو للطيور أو حتى للحشرات النافعات . فى حين يرصد العلماء فى كل عام ، ما يربو على مائتى ألف شخص يلقون حتفهم جراء الإفراط فى استخدام المبيدات التخليقية ، فضلاً عن ثلاثة ملايين حالة تسمم بالمبيدات .
وقد ظهرت فى الاسواق العديد من مركبات النيم مثل النيم ازال ت/س والنيمبيسيدين والانتومكس وهى تنتمى الى شركات ألمانية وهندية وهولندية
إننا نستطيع أن نقول عن مركبات النيم الحيوية أكثر من ذلك فهى لا تطهر الأجواء من الهوام والحشرات الطائرة فحسب ، بل إنها تطهر مياه الرى والتربة الزراعية أيضاً من آفاتها . إذ يمكن لأربع أشجار نيم مزروعة فى الفدان-علاوة على طرد الحشرات الطائرة - إبعاد القوارض الساكنة بشقوق التربة وإبادة ديدان النيماتودا الرابضة . وإننا لنعلم أن المزارعين الهنود درجوا على خلط التربة بكمية من أوراق النيم تتراوح نسبتها ما بين5 ، 10% ، توسلاً لمكافحة مرض التعقد الجذرى الناتج عن النيماتودا والذى يصيب خضروات عديدة مثل الباميا والطماطم والباذنجان بضراوة . ويستطيع نبات النيم أيضاً ، أن يبيد بكفاءة قواقع المياه العذبة التى تأوى أطوار الطفيليات . وثمة تجارب مثيرة أجراها علماء هنود فى حقول الأرز فهم حين ألقوا فيها بعض أغصان النيم وجدوا أن يرقات البعوض أبيدت تماما ، كما رصدوا انخفاضاً مذهلاً فى نسبة إصابة المزارعين بداء الملاريا . ولاحظوا كذلك أن الأغصان تكلفت بإبادة الكثير من الطفيليات النباتية ، كما دعمت من خصوبة التربة ، مما ضاعف من المحصول على نحو غير مسبوق .
لقد لفتت هذه التأثيرات الأنظار لأهمية نبات النيم كمخصب طبيعى للتربة عظيم فزراعته فى التربة الواهية ، تصلح كثيراً من خواصها ، وتعيدها إلى كامل خصوبتها ، وتقلل من ملوحتها ، وتحمى سطحها من عوامل التعرية ، وتمنع انجرافها . وثبت أن أوراق النبات وجذوره وكذا الكسب الذى يتخلف عن عصر بذوره تفيد جميعها أنواع التربة الفقيرة التى طالما خصبت بالنترات أو اليوريا . يعود ذلك إلى التأثير المباشر لمركبات النيم على بعض بكتيريا التربة المؤذية المؤكسدة للنيتروجين . وهكذا فعوضاً عن الفقدان الدائم للنيتروجين فى الهواء ، فإن نبات النيم يتكفل بتوفيره بصورة أكبر ويبقية فى التربة لأجل نمو أغزر وإنتاج نباتى أوفر .
نبات النيم فى مكافحة حشرات الحبوب والبقوليات المخزونة
إن لم تكن سمعت عنهم فقد وجب أن نعلم شيئاً عن تلكم الحشرات المؤذية فلعل من أعدى أعداء الحبوب النجيلية ، الحشرات التى تتبع رتبة" حرشفية الأجنحة " Lepidoptera ورتبة " غمدية الأجنحة " Coleoptera. فهذه تحدث فى الحبوب المخزونة خسائر فادحة ، تبلغ نحو 15% من الإنتاج الكلى . أما أعدى أعداء بذور البقوليات المخزونة فهى الحشرات التى تتبع العائلة Bruchidae ، من رتبة غمدية الأجنحة . وهى تحدث بها خسائر لا تقل عما تحدثه سابقتها فى الحبوب المخزونة . وكما نعلم فإن الطريقة التقليدية المتبعة لحماية المخازن من الأذى الحشرى ، هى استخدام المبيدات الكيميائية التخليقية . وهذه ، وإن كانت فعالة وناجحة ، غير أنها تصطحب معها الكثير من التأثيرات الجانبية على صحة الإنسان والبيئة إن عاجلاً أو آجلاً . وهكذا كان لابد من البحث عن بدائل أخرى آمنة . ولكم كانت مصادفة سعيدة حين توصل الباحثون إلى بديل آمن ورخيص يتمثل فى نبات النيم . على أننا لابد أن نعترف بفضل المزارعين الأفارقة والهنود فى هذا الميدان . فقد درجوا – منذ أمد بعيد – على خلط أوراق النيم مع الحبوب قبل تخزينها . وكثيراً ما عمدوا إلى وضع طبقة من الأوراق بسمك نحو 7 سنتيمتر، فوق الحبوب عند تخزينها . وعرف البعض طريقة رائعة لتخزين الحبوب فى حفر تحت سطح الأرض يقال لها " المطمورة " حين توسد فى قاع الحفر أفرع من شجرة النيم ، وتوضع الحبوب فوقها ثم تغطى بخليط من الرمل والأفرع الصغيرة ، لئلا تبلغ الحبوب الرطوبة أو الآفات .
لا ليست أوراق وأغصان النيم هى وحدها التى تحمى مخازن الغلال فقد اعتاد المزارعون فى بعض الأنحاء على وقاية مخازنهم من شرور الحشرات ، بأن يضعوا لها مساحيق من بذور النيم . حيث بحث الخبراء فعالية هذه الممارسات ،فاكتشفوا أن مساحيق البذور هى الأكثر فائدة والأعظم تأثيراً فى الحشرات موازنة بأوراق النبات أو أزهاره وثماره ودلت تجارب الباحثين على أن خلط حبوب الذرة المخزونة بنسبة 1-2% من مسحوق البذور يحقق الحماية الكافية لمدة ستة شهور. أما خلط حبوب القمح بالمعدل نفسه فيفيد فى وقايتها من هجوم أنواع السوس والحفارات ، لاسيما سوسة الأرز Sitophilus oryzae (L) وثاقبة الحبوب الصغرى Rhizoprtha dominica Fab ، وخنفساء الصعيد Trogoderma granarius ، لمدة لا تقل عن 9اشهر على التوالى . وثمة تجارب أخرى أظهرت أن معدل الخلط نفسة يحمى بذور البقوليات المخزونة من الإصابة لاسيما بخنفساء اللوبيا Callosobruchus chinensis L ، مدة تتراوح ما بين 8 ، 12 شهراً . على أن الأهم هو أن الحبوب المعالجة بمساحيق النيم المطهرة تبقى محتفظة بحيويتها ولا تتأثر قدرتها على الإنبات طوال مدة تخزينها ، فضلاً عن أن المعالجة لا تؤثر ألبته فى طعم أو رائحة الحبوب . إذ لا يقتضى التخلص من الطعم المر الذى يصاحب المسحوق سوى نخل الحبوب المعالجة ثم غسلها جيداً بماء نظيف . فهذه كلها مزايا تجعل من مركبات النيم الفعالة بديلاً للمبيدات الكيميائية التخليقية فاعلية وآمناً .
د/أحمد محمد عزت عبد السلام
أستاذ الحشرات والمكافحة الحيوية


