<!--

<!--<!--<!--

حين تضل العمائم وتُغتال غزة

 

 الأحرار فقط ،، هم ورثة الأنبياء وأنصار المبادئ .

لقد آمنت منذ أمد بعيد أن ورثة الأنبياء ليسوا (مشايخ الدين) بل هم الأحرار (والأحرار فقط) من أي فئة كانوا وبأي دين آمنوا ، كما آمنت أن عذاب الجحيم لا يستحقه من ناصروا المبادئ ووافتهم المنية قبل أن يتعرفوا حقائق الإسلام ، بل أحق الخلق به من خانوا الإسلام ولو لبسوا عباءته وماتوا على ملة التوحيد ، فأنصار المبادئ معذورون بجهلهم ، مرحومون بفعلهم ، أما الخوانون فمغرورون بعلمهم ، ملعونون بفعلهم ، وبرهان هذا الحقيقة قوله (ص): (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) ، فالإنسانية من كل الملل السماوية والأرضية على السواء تحمل في طياتها الأحرار والأذيال ، كما تحمل في طياتها أنصار المبادئ وأصحاب المباخر ، وحاشا لله أن يجعل ميراث النبوة في أيدي من عجزوا أن يكونوا أحراراً ولو حملوا عمائم الفقهاء .

 - فقديماً صرح شيخ الأزهر الأسبق أن إغلاق النظام المصري لمعبر رفح أمام الإغاثة الإنسانية لضحايا غزة مسألة متعلقة بالأمن القومي والسيادة المصرية ، في حين كانت ناشطة السلام الأمريكية (راشيل كوري) تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت البلدوزر الصهيوني وقد تهشمت جمجمتها وتكسرت عظام صدرها بعد صمودها الأسطوري كدرع بشري أمام بيت لأسرة فلسطينية في منطقة رفح أبت أن يُهدم وهي حية ، وفي حين كان مفتي الحرمين يصف المسيرات الرافضة لقصف غزة بأنها تُلهي عن ذكر الله وعن الصلاة كان روجيه جارودي يعاني مرارة السجن لأنه شكك بشجاعة في محرقة اليهود على أيدي النازية فيما عُرف (بالهولوكست) ، واليوم يخاطر الطبيب النرويجي (مادس جليبر) بحياته من أجل أبناء غزة في حين يظهر علينا أحد المشايخ السلفيين ليحُمل المقاومة دماء الأطفال القتلى بدعوى أنهم لم يُقتلوا تحت راية التوحيد .

 

العقيدة الطحاوية تخذل المقاومة .

إن حماس تقاتل لأجل فتح معبر رفح ، إن حماس تهادن إسرائيل مرة وتحارب أُخرى ، إن حماس تقاتل تحت راية العلمانية والديمقراطية وليس تحت راية التوحيد ، إن حماس لم تقاتل لأجل تحكيم شريعة الله ، لكل ما سبق فقتال حماس ليس جهاداً إسلامياً لخلوه من الشروط الشرعية ، ودماء الأبرياء من الأطفال تتحملها حماس حتى تصحح رايتها ، هذا خلاصة ما ذكره الشيخ الخبير بالعقيدة الطحاوية واصطلاحاتها -حسب قوله- والتي يجهلها في زعمه من استفظعوا فتواه ، ولم يروا فيها اختلافاً عن خطابات نيتنياهو إلا في كون الأول بنكهة سلفية والثاني بنكهة صهيونية .

 - وقبل أن أعلق على هذا الكلام المُخجل للشيخ المبجل علي أن أعترف أني قليل الاكتراث بالعقيدة الطحاوية عظيم العناية بالقرآن ، فأنا قرآني ولست طحاوي ، والفارق بينهما كالفرق بين الله وخلقه ، فعقيدة القرآن غرضها تعمير القلوب بالإيمان ، أما الطحاوية فساحة اقتتال بين أهل السنة وخصومهم من أهل الفرق المخالفة ، كما أن عقيدة القرآن بيان الله الخالي من الأهواء والأغراض ، أما الطحاوية فلم تسلم من آثار التزاوج بين الدين والسياسة ، أو بالأصح العلاقات غير المشروعة بين عمائم الفقهاء وعروش الطغاة ، وفي عقيدة القرآن ترى الموازين دقيقة لما يجب أن يعتقده المؤمن ، أما الطحاوية فتجمع بين الإيمان بالله والمسح على الخفين ليكونا من عقائد أهل السنة والجماعة .

 

حماية الإنسانية من مقاصد الشريعة .

كلنا يعلم يقيناً أن معبر رفح يمثل الرئة الوحيدة التي تتنفس منها غزة ، والشريان الوحيد الذي يمدها بالغذاء والدواء والكساء والطاقة ، وبدون هذا الشريان تتوقف دماء الحياة عن البلدة المحاصرة لتغرق في بحر من الظلام ، وتذوق آلام الجوع ، وشقاوة الداء ، ومرارة المعاناة ، غير أن الشيخ المبجل لا يرى القتال لأجل فتح هذا المعبر سبباً كافيا ليكون جهاداً شرعياً تُبذل لأجله التضحيات ، ولو أن شيخ العقيدة الطحاوية منح بعض وقته للقرآن لصادف قوله تعالى ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ( 75 ) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ( 76 ) – الحج- ، يقول ابن كثير: (يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين بالمقام بها) .

 - لقد كان الشاطبي خبيراً بالشريعة حين قرر في حسم أن حفظ النفوس والعقول والأعراض والأموال من مقاصد الشريعة وليس حفظ الدين فقط ، كما أن الأحناف أصروا على الجمع في وجوب الحجر بين المفتي والسفيه والطبيب ، وعللوا ذلك بأن الأول إن كان يُفسد الأديان ، فإن الثاني يُفسد الأموال ، والثالث يُفسد الأبدان ، وحفظها جميعا فرائض شرعية ، كما أن رسول الله (ص) وادع اليهود ولم يخض حروباً معهم لأجل تحكيم الشريعة ، وإنما لكونهم خانوا العهود ، وظاهروا بالعداوة ، وتحالفوا مع خصومه ، واستباحوا حرمات ودماء المسلمين ، كما جرى في غزوة بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريضة ، وغزوة خيبر ، فهل طالع شيخنا المبجل سيرة الرسول (ص) أم أن العقيدة الطحاوية تسلب الألباب وتُسكر العقول ،

- كم كان الإمام النووي فقيها حينما رأى أن العدوان على مال فرد من الأمة مستوجبا للجهاد وبابا من أبواب الشهادة ، فكيف بالعدوان على شعب بأسره في أموالهم وأرواحهم ، فكان مما قاله  : (باب دليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم حقه ، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد ؛ فيه : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ان جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) - شرح النووي لصحيح مسلم-.

 

فقهاء الأبراج والسلاطين يعبثون بالدين .

لم أستطع أن أمنع نفسي من السخرية الممزوجة بالمرارة من حديث الشيخ المبجل عن شرط الجهاد لتحكيم الشريعة حتى يكون جهاداً إسلامياً تتوافر فيه الضوابط الشرعية ، وكأن مشكلة المقاومة في فلسطين مع الشريعة وليست مع الصهاينة ، وكأن عدوان الصهاينة على المقاومة لمنعهم من تطبيق الشريعة وليس لتقليم أظافرها ، ونزع أسلحتها ، والتحكم في مصير شعبها ، وكأن فلسطين دولة مستقلة تملك قرارها وليست دولة محتلة عسكرياً وديموجرافياً ، وكأن قلب المقاومة وتيارها العريض علمانياً وليس إسلامياً على رأس أدبياته التي يغالي فيها تحكيم الشريعة ، ولكن أنى لشيخ قضى حياته بين سطور العقيدة الطحاوية واصطلاحاتها بعيداً عن معاناة المسلمين أن يعي فقه الواقع ، أو فقه الأولويات ، أوفقه الموازنات ، وعظم الله أجرنا في حقائق الإسلام ومصير المسلمين إذا كان الناطق عنها أمثال هذه العمائم .

 - لقد خرج المسلمين في مكة في صٓفين من الصحابة على رأس أحدهما حمزة ، وعلى رأس الآخر عمر ليطوفوا حول الكعبة ، ويُظهروا عزة الإسلام ، ومن فضل الله أن مفتي الحرمين لم يكن موجوداً في ذلك الزمان حتى لا يكون عوناً لزعماء قريش ويفتيهم بأن خروج المسلمين في مسيرة حاشدة لإظهار عزة المسلمين يُلهي عن ذكر الله وعن الصلاة ، وزاد فضل الله بأن أخر مولد شيخ الأزهر عن زمن الخندق حتى لا يبرر خيانة بني قريضة لعهود المسلمين واتفاقهم مع قريش على فتح المعبر لدخول المدينة وإبادة المسلمين بأنها مسألة تتعلق بالسيادة والأمن القومي اليهودي ، وأتم الله فضله حين حرم شيخنا السلفي المبجل من شهود صلح الحديبية حتى لا يُفتي بأن جهاد الرسول (ص) وصحابته الكرام جهاد غير إسلامي ومفتقد للشروط الشرعية كونه يحارب قريش تارة ويهادنهم تارة أُخرى ، ولو صدق الزمان لكان كلام هذه العمائم أحق بالوصف بأنه يُلهي عن نجدة المسلمين ودفع العدوان .

 

عمائم مُوقرة ،، وسلفيون أحرار .

علي أخيراً أن أُقر جازماً أن هناك عمائم ناضلت طويلاً لأجل كرامة الأمة ، وتحلت بعقول حكيمة ، وضمائر حية ، وأحسنت قراءة الواقع ، واستنطاق الشارع ، وتوجيه الأجيال ، كالدكتور (القرضاوي) ، والإمام الراحل (محمد الغزالي) ، كما أن هناك الكثير من السلفيين كانوا أحراراً في أفكارهم وأفعالهم ، ولعل من أجمل الكتابات السلفية المعاصرة كتاب (الحرية أو الطوفان) للعالم السلفي (حاكم المطيري) ، كما أن من أبرز أعلام السلفية ومفاخرها الدكتور (سلمان العودة) ، وهم أحق بأن يحملوا ميراث النبوة ، وليس ذلك لكونهم بارعون في علوم الشريعة ، وإنما لأنهم كانوا وما زالوا نماذج مشهودة للجهاد الفكري والدعوي في قضايا الأمة الكبرى ضد الاستبداد والاستعمار والتخلف والتطرف ، وعلى رأسها قضية تحرير الأراضي المقدسة ودعم المقاومة .

- إن ميراث النبوة وجوهر الرسالات كائن ٌ في تحرير العباد من صنوف الاستعباد ، والانتصاف للمستضعفين من العالين في الأرض ، ولهذا كان على رأس قائمة مطالب موسى من فرعون ما ذكره الله عنه (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ (47) –طه-  قال صاحب التحرير والتنوير (والاقتصار على طلب إطلاق بني إسرائيل يدل على أن موسى أرسل لإنقاذ بني إسرائيل وتكوين أمة مستقلة) ،  وقال القرطبي (أي خلهم . وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة) ،  ومن سار على هذا الدرب كان أحق أن يكون من (ورثة الأنبياء) ، ولو لم يحظى بشئ من علوم الشريعة ، فورثة الأنبياء هم الأحرار (والأحرار فقط) دون غيرهم .

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 133 مشاهدة
نشرت فى 8 سبتمبر 2014 بواسطة nadder

ساحة النقاش

نادرمحمدالعريقي

nadder
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

18,856