تضافر البنيات في فيوض السرد
تضافر البنيات في فيوض السرد
محمد سليمان الزيات
هذه القراءة يمكن أن تندرج فيما يعرف بنقد النقد، إذ تهتم في الأساس بمناقشة مقالات وردت بكتاب " فيوض السرد- فن الخلية " وهو الكتاب الصادر عن منشورات مكتبة الرسالة - 2009 – طرابلس. وقد جاء الكتاب في 112 صفحة حجم 24 في 26 . ( الأعمال التشكيلية المائية. للفنان / علي الزويك )
إن الانطباع الأول للمتلقي –سواء العاديالتلقي كفيلة لأعمال علي الزويك التشكيلية المائية، لن يخرج عن دهشة السحرية كأثر أولي للتلقي، أثر مشترك لا يفلت منه حتى أولئك المتدربين علي الانتقال السريع الي جاهزية مخزونهم المرجعي من نظريات أو تذوق بصري. وهو أثر قابل للتحول إلي عتبة من عتبات التلقي كفيلة بأسر الرائي سحريا ًبدرجة لا تسمح له بتحييدها أو تغافلها. وإذا ماالنشوء.لي لوحات " الزويك " من هذا المدخل فإننا نكون مشاطرين رأي من كتبوا عن تلك الأعمال .وقد ظل هذا الانطباع ملازما لي منذ مشاهدتي الأولي له عام 2003 - إذ كان " الزويك " حريصا ً كأي فنان علي الوقوف علي انطباع الرائي خاصة إذا كان من النقاد أو الكتاب. وأذكر جيدا ما قلته له في حينه من أنه يغوص بعيدا في البدايات .. بدايات النشوء .. بدايات الولادة. .. عشوائية ووحشية الكائنات المتخيلة ما قالتشكل.ل .. و قبل أن تجبرها صروف الطبيعة علي التحور من أجل التكيف. وهي بذلك افتراضية تتلبس العناصر والمفردات الواقعية، فترمي بنا بداية إلي فضاء سحري قبل أن نتمكن من إمعان النظر. إلا أن هذا الانطباع الذي ظل صائبا حتى الآن، لا يعدو كونه انطباعا يقف علي حدود أي قراءة وصفية يصعب عليها رؤيته ضمن بنية اللوحة. وهو ما سنحاوله واضعين في اعتبارنا الآراء التقريرية و الوصفية التي وردة في كتابات النقاد والمعلقين.
كتب د. أسعد عرابي تحت عنوان " تحيل العالم إلي شظايا عضوية ملسوعة بالهذيان " مقالا متخما بمفردات النظرية السوريالية معلقا علي صدرها نياشين مصطلحية تنتمي إلي ما بعد الحداثة في جمع لا يتوخى المنهجية، مما أربك مقاربته وأهدر ملاحظاته الذكية، وأفضى إلي اضطراب رؤيته النقدية .
تنقسم رؤية أسعد عرابي في قراءته لأعمال الزويك إلي مستويين، يحاول في المستوى الأول تلمس المنابع خلف إبداعات الفنان، فهو يقر من البداية قائلا " يبدو عالمه نسيج ذاته ينضح من أحلامه واحتلاماته الانطوائية العزلوية المغرقة في التوحد، يستمد مداد كوابيسه من انفصاماته " الفرويدية " الهذيانية ، هي التي تعيد خلق العالم في مساحة الحدس والحلم " والذات العليا . " مواصلا : " نعبر هنا إلي خصوبة شطحاته التخيلية البسكولوجية وانتشار مادته التعبيرية إلي شظايا حلمية – ميتافيزيقية ، تشارف حدود اللاوعي والتداعي السريالي " .
ونستطيع أن نرى بسهولة كيف أن د. عرابي قد ركن في وصفه إلي تنظيرات ترجع إلي بداية القرن العشرين، تلك التي حاولت – علي غرار "فرويد" إرجاع منابع العملية الإبداعية إلي "اللاوعي" وهي تنظيرات نتج عنها ما عرف " بالسوريالية" والتي سرعان ما تراجع أصحابها في بيان تضمن نقد مقولاتهم الأساسية، وقد اعترفوا فيه بأن اللاوعي لا يمكن أن يكون منبع الإبداع الوحيد، إلا أن هذا الإقرار لم يكن كافيا لتبين دور أو وظيفة اللاوعي في العملية الإبداعية والتي سوف نعود إليها لاحقا.
ثم يلتقط د. عرابي " تفرد مواصفات تعبيرية " السادومازوشية " التي تنتسب الي حساسية تجارب " ما بعد الحداثة " مثل " البروفورمانس المفاهيمي " ناسيا أنه في السطور السابقة قدم وصفا لمنابع الزويك الإبداعية بمفردات ومصطلحات بسيكولوجية تعود إلي السوريالية ، متخذا من التشابه " الذاتوي " بين كلاهما – السريالية وما بعد الحداثة – جسرا للخلط النظري الذي أوصله الي المستوي الثاني المنتج من الأول قائلا : " ينبث الشكل حدسيا من المقترحات الصدفوية لتفاعلات الصياغة بطريقة غريزية منزلقة من أدنى رقابة عقلية " ها هنا تظهر منهجيته في قراءة العمل دون أي مواربة أسلوبية، فالشكل تبثه " الصدفوية "، لتستلمه تفاعلات" الصياغة "، وحتى هذه الصياغة " غريزية " وعلاقتها بالوعي أنها " منزلقة من أدنى رقابة عقلية ". هكذا بعد أن رد أعمال الزويك في المستوى الأول إلي " شطحاته التخيلية البسكولوجية " وخاصة اللاوعي عنده، يقوم بتوصيف العملية الإبداعية عند " الزويك " براهنية الصدفة وغريزية الصياغة، مجردا إياه من أي " قصدية فنية "ومخفضا دورها الي " أدنى رقابة عقلية " وبذلك تكون إجراءاته النقدية مرتهنة إلي النظرية السريالية المنتهية صلاحيتها، وليس فقط " تشارف حدود اللاوعي والتداعي السريالي". وهو ما أوقعه في الخلط عندما أشكل عليه مفهوم La Porformance Conceptutelle" " البرفورمانس المفاهيمي" المنتمي إلي ما بعد الحداثة بسب التشابه الذاتوي، مع البسكولوجية ومخرجاتها الإصطلاحية السوريالية، وغير مدرك لمصطلحات ما بعد البنيوية وسياقاتها، يقول : "فهو سياق عمودي مرتبط باختلاج ورفيق " راهنية" اللحظة الوجودية الباطنية " فهل " تجربة الموت والعدم والفناء واللحظة الوجودية القريبة من الحدث المأسوي المنسلخ عن الذاكرة والنسيان" تشكل المحور العمودي في أعمال "الزويك " !؟ . وإذا كانت كذلك فأين المحور الأفقي؟ . وهل يعمل السياق العمودي في عزلة عن السياق الأفقي ؟ .. هكذا تتضح التلفيقات الإجرائية الني تجمع بين المنطلقات النظرية لبداية القرن المنصرم مع المفاهيم والمصطلحات المنتمية الي مابعد الحداثة في نصفه الثاني. ولا ندري كيف يستقيم هذا الكولاج الإجرائي الجامع بين ما قبل وما بعد البنيوية ، ويعود بعد أن عجزت الإجراءات السوريالية عن الوفاء بملاحقة القيم الفنية في أعمال " الزويك " إلي مصطلحات ما بعد الحداثة ذاكرا " أن فنه يقوم علي الاستفزاز والتحريض " La Provocation " هي القيمة " ما بعد حداثية " اللصيقة بأبرز تجارب ما بعد السبعين..." وهكذا لا نستطيع أن نري في قراءة د. أسعد عرابي سياقا وصفيا متسقا فضلا عن قراءة تتوخى المنهجية. وإن لم ينسحب ذلك علي ملاحظاته اللامعة فإنما يرجع إلي ذائقته الفنية الشفافة والرائقة التي أسعفته في تلك المقاربة علي ملامسة اختلاجات الفنان علي الزويك وخلفياته التخييلية.
من السهل القيام بعملية رصد لثيمات شكلية ولونية، وتحميلها بإيحاءات ودلالات ذوقية. إلا أن ذلك لا يفي بالدخول على اللوحة، كما أنها لا تفي بتفكيك بنيات العمل للتعرف علي التضافر التفاعلي بين البنيات المختلفة. لذلك كان من الضروري اللجوء إلي إجراءات سيميائية مستأنسة بالبنية.
نود التنويه إلي المقاربة الدقيقة و الحذرة علميا للدكتور" شاكر لعيبي " والتي حامت حول الموازنات مع أعمال مائية أخري في محاولة تخليص تجربة الزويك المائية من شبهة التقليد. إلا أن أهم ما توصل إليه في رأينا هو اعتبار ثنائية (القصدية) و ( صدفة اللون المائي ) القانون الأصلي الدفين في أعمال علي الزويك واصفا إياه ب " الخيار الجمالي الأول الصعب " ومدشنا ًاستنتاجه بصياغة تحفظ للفنان جهده الإبداعي : " بين القصد والصدفة ثمة قران سعيد تدعمه سيطرة الفنان في الرسم مباشرة بالألوان المائية " ومستدركا: عندما قال : " أن مزاجها يقترب، بدرجات متفاوتة، من الحلم والكابوس في آن واحد وبالتزامن، الأمر الذي يسمح، وإن ببعض المجازفة، تقريبها من هاجس سوريالي خفي ما" . ولعلنا لاحظنا حرص د. شاكر العلمي الحذر فيما يخص الهاجس السوريالي. (الإبراز من عندنا)
هكذا يتقدم بنا د. شاكر خطوات هامة علي منصة الحوار الجاد، حيث نعتقد أن استنتاجه يشكل مدخلا لإدراك بنيوي ضروري علي عتبة المقاربة السيميائية للوحات الزويك إذ بدون هذا الإدراك ننزلق إلي تهويمات هذيانية – ولكن .. ليس بعد أن نتهم بها الفنان قبل أعماله!- إذ لا يمكن أن ننسب صفة الهذيان لعمل إلا إذا أثبتناها علي صاحبه كما رأى د. أسعد- وفي رأينا أن تخطي مثل هذه الإشكاليات، يقتضي أولا إدراك العلاقة ما بين الدفق أللاواعي وحمولاته السيكولوجية من ناحية و "القصدية الفنية " للمبدع من ناحية أخري. وهذا يجرنا إلي معالجة نقطة هامة تتصل بدور أللا وعي في العملية الإبداعية، وهي هامة كذلك لتشاكل هذا الدور مفهوميا – خصوصا في الأعمال التي تحمل قدرا من الغموض – حيث اعتيد أن يعول الكثير من النقاد علي مرجعية جاهزة، طرحت أفكارها مع بدايات القرن العشرين، الذي جرت فيه الكثير من المياه، تمثلت في العديد من النظريات النقدية التي جذبت الفلسفة إلي التنقيب في حقلها، ليتأكد بذلك طيفا واسعا من المعالجات النقدية التي تكفلت تنظيراتها بتحجيم صفحات التفسيرات الميتافيزيقية المصحوبة بالتهويمات اللاشعورية.
كما كشف أيضا تجديد التحليل النفسي عن البنية التي يتكون منها أللا وعي والتي تقوم علي الاستبدال والتحويل، (جاك لاكان) وهما العنصران القائم عليهما العملية الإبداعية، أي أن العلاقة بين الإبداع واللاوعي تكمن في استشفاف الآليات من اللاوعي – أولا - قبل محتواه. وهذا يقودنا إلي تبين المدخل ( المموه ) للعمل، فمفهوم " القصدية " سيسلمنا مباشرة للمحور العمودي – ألاستبدال – بينما نية الفنان المدعومة بسيطرته أو اختياره وتدخله في صدفة اللون، تكشفان عن التمفصل البارع بين المستويين، في مزج المتجاورات اللونية والتكوينية، هذا "التجاور" الأفقي غير منفصل عن مستوى "الاختيار" العمودي وبهما تتم العملية الإبداعية. ونستطيع أن نلمح التعالقات الموحية من جراء هذا التمفصل. فالتكثيف والترسيب والشفافية، تتكفل بالإيعاز بالأبعاد الدلالية التي من غناها رمت بأسهمها لتنزرع في حقولنا المرجعية، العارفة والانطباعية، حاملة شحناتها المستعارة من طاقة الفنان، تلك المقدوحة بصهد المعاناة، من تجربته الذاتية والوجودية، وترسيبات المعرفة واعتمالها ذاتيا. كل ذلك الغليان يكمن وراء فنية الفنان. إن التحام المستويين عند " الزويك " – الأشكال / الألوان – بمفرداتهما، إنما يُرى من زاوية بنيوية كالتحام بين بنيتين متضافرتين - تتناغم عناصرهما علي مقام الشفافية، التي شكلت هنا الحافز للثيمة- الخالقين لنسق التكوين، تلك الشفافية التي هي معطى وفرته طبيعة الخامة (الألوان المائية) والذي ينسرد ضمن عنصر الاختيار ليكون بذلك عنصرا منطويا علي المحورين معا " القصدية و الصدفة " .. " الصدفة الطالعة من تقنيات (المائيات) كما رأيْ د. شاكر لعيبي.
أمام هذا الزخم الفني ل"علي الزويك " يصبح من الصعب اختيار لوحة نموذج، ولكن بعض اللوحات تكون أطرف من غيرها فلنستجب لنداء إحداها لنرى ما الذي تعد به ؟. توقفت أمام اللوحة المفروشة علي صفحتي 24 و25 والتي اسماها "أنا بحبك" وهو عنوان أدخل علي اللوحة نوعا من الطرافة. بداية نجد التكوين المتوازن بتوزيع الكتلتين المنصوبتين علي طرفي كتلة ثالثة مطروحة بشكل أفقي، يضمر براءة طفولية يوحي بها استدعائها للعبة طفولية- لعبة التأرجح- مشركة بذلك المشاهدين في مدخل شعوري، "عتبة" يكاد يكون موحداً، ويمكن أن يصحبنا هذا الشعور ليسلمنا إلي مرادفه الطفولي أيضا، والذي نراه في الأشكال التي تشبه دمى الأطفال، ولكنه من ناحية أخري فيه شئ يحذرك من نعومة هذا الاستدراج، فتتنبه الي تعاسة غير طفولية – من الناحية البشرية - تسم ذكراً مفترضا علي اليمين، وغواية بعيدة كل البعد عن الطفولة تمارسها الأنثى المفترضة علي اليسار، ولكن في الحقيقة أن العنصر الطفولي لم يغادر نهائيا (الكائنين) فالغلالة الشفافة التي تغلفهما وهلامية الملامح تحيلنا الي / ربما ، أجنة غير مكتملة التكوين (علي معيار بشري) مقترح من مرجعيتنا البيولوجية. أتري معي أن المدخل الشعوري مازال مستمرا ؟!،
إذا ً إلي مزيد من تتبع هذا العنصر الطفولي (الساذج)، سنفترض أن البعض منا مرجعيته آتية من أفلام الخيال العلمي، وأنا واحد من هؤلاء، أول ما قفز الي ذهني، أنها أشبه بكائنات تم تخليقها معمليا في تجربة منحرفة عن الهدف الذي كان منتظرا، فهما مولودين لهندسة جينية. عند هذا الحد نتوقف قليلا ثم نستأنف. ربما تعود هذه الإيحاءات الي طبيعة مادة التلوين المائية فهي تملك مثل هذا المرح الكرنفالي الناثر للدلالات والإيحاءات المجنونة، مشيعا هذا التعدد الغني بالاحتمالات الباعثة والمغرية بالتأويل. ولكن شفافية اللون الوردي للذكر المفترض، تحملنا علي الاعتقاد بأنه أحدث من الأنثى في الولادة لأن الأنثى في المقابل بلون غامق وإن كان محافظا علي شفافيته، وشبه الشعر المنسدل خلف رأسها يؤكد هذه الأسبقية، ثم الكتلة فوق رأسها وكأنها رغيف خبز طازج. هذه المفردات سوف تساهم مع غيرها كما سنرى الآن في حبكة كاملة أذكاها تضافر المستويين، إذ الأنثى الناضجة تمارس الغواية علي الذكر الغض، محاولة التواصل معه – ربما عبر مقترحين الأول في الأعلى علي شكل لسان ممدود في اتجاه فم الذكر، و الثاني في الأسفل حيث تمد له فرجا كبيرا .. يجلس الذكر بملامح خائفة مندهشة علي طرفه القصي أو هو خارج منه (؟) بينما يؤكد شبه الخط العمودي الذي يشق رأسه – كيانه – الي فلقتين والذي يبدو كأنه امتداد لخط الشق الأفقي (الفرجي) - أنه ينتمي إليه أو امتداد له. طارحا علينا بذلك تساؤلا معرفيا يقول: ربما البدايات الجينية ليست بريئة كما نتوهم !.
وبذلك يعطي العمل مغزى انقلابيا مفاده: أن البراءة مفهوم طارئ علي البيولوجيا! أو هو مفهوم خادع! كما مادة التلوين المائية. بعد فترة قصيرة من الصمت المتأمل سوف نتساءل مستعيدين قدراتنا التجريدية عن حدود البنيتين في الصورة، عن عمل كل منهما، دون شك لا أعتقد أنها صادرة عن "عبثية اختياراته الصدفوية" كما يقول د. أسعد عرابي وإنما عن اختيارات تستثمر " صدفة اللون اللازبة " وهما معا يعملان كقانون أصلي دفين في أعمال الفنان علي الزويك كما يقول د. شاكر لعيبي. إذ الجمع بين الاختيار والصدفة هو إدراك نقدي لمحوري العمل الإبداعي، وهو إدراك ينتمي إلي ما بعد البنيوية، ويعصمنا من الانزلاق إلي أي هذيان نقدي وإسقاطه علي العمل.
ربما نتوسع في جزء ثاني عن سيميائية الرسم على أعمال هذا الفنان لنستمتع بسحرية فنه المتفرد. .

