زيارة لكائنات الزويك الغرائبية

                                                                                                                                                                                                                         محمد سليمان الزيات

كان الفنان علي الزويك قد تسلم مرسمه حديثا، ربما في 2003 في دار الفقيه حسن بالمدينة القديمة بطرابلس، وكان تعارفنا حديثا كذلك، قادني من ذراعي وأدخلني لأواجه كائناته المتكئة علي الجدار..كأنها في انتظار شيء ما .. نظرت إلينا / إليَ كأنها تنظر إلى كائن لا يُرى.. كائن يشبه كثيرين مروا عليها، كائنات تخفي هياكلها في لفيف من الأردية، كأنهم يخفون تشوهاتهم الملساء. دققت النظر محدقا إليها .. بعضهم نظر إلي باندهاش، بينما انصرف البعض الآخر إلى داخله دون اكتراث، إذ لم يعجبها هذا المختفي هيكله إلا قليلا، أهملت تجاهلها لي وتأملت مفاتنها المنبعجة العارية، وسرعان ما اكتشفت خدعة عريها، إنها مثلنا تعطي الناظر صدفتها، وإن كان بعضها لم يعرف بعد ثقافة الأقنعة، إذ لم تتعرف بعد إلى الأقنعة الملقاة بجوارها، في انتظار كشف اسمه الحضارة ! ... انتزعني صوت الزويك من حواري مع كائناته. ما هو انطباعك الأول؟ ألح الصوت، بينما أخذني وشاح الألوان إلى سرداب طوله اثنين وخمسون عاما، كانت أنفاسي منتظمة ورأسي الصغير ابن الخمس سنوات مقصوع للخلف في تأمل رسوم محفورة في خشب سقف كالح اللون لمدخل بهو قصر قديم شبه مهجور في  قرية صغيرة معظم بيوتها من الطين، نبهني ألم الرقبة فعدلت رأسي هبوطا  بعينين منزلقتين على رخام بارد لعمود في وسط البهو، أسكتت أنفاسي تنفسها خشية التشويش على تلك التسبيحات السماوية. انسربت في سرداب غير مرئي يدخلني إليه شيء ما .. ألقاه صدفة فأطمئن إليه كأنه قائم في الزمان أبدا، تتوهني الأيام عنه، ولكنه أكيد موجود دوما... ما هو انطباعك؟. لم استطع التصويت لأجيب. ما بين تسابيح سماواتي وتسابيح حمى الانبثاق- قلت ما العلاقة بين سرداب يشبه سكون الليل في الصحراء وهدوء البحر عندما ينام؟... ماهو انطباعك؟؟؟ الأشياء في حمى التشكل. هز رأسه ربما تأكيدا أو تفويتا!.

     عاودت زيارة كائنات الزويك الممتعضة بعد ذلك بشهور، نظرت إلي مستهجنة هذا الكائن الذي يبحلق فيها بعيون زجاجية، تعرفت إلي، بعضها كان ملتحفا بالزغب، بينما البعض الآخر لم يغادر هلاميته بعد.. تكور على نفسه ملتحفا عوامل التعرية التي حاول أن يجعل منها عوامل تكسيةً، منمية من عناصرها غطاء لم تفضح الألوان معدنه، آخرون تمكنوا من دمج الأغطية مهيكلين بها ذواتهم فتدكن لونهم واخشوشن، مغضرفا أشكالا لا يعنيها لذاتها... ما رأيك؟؟؟؟. أشياء لا تعني نفسها، إنها تنتظر أن تستنبت صلابة ما لتصطنع علامات ما تخاطب بها ناظريها. -عن أي شيء أرادت أن تفصح!؟. -علينا أن ندقق فيما بزغ من علامات وننسقها علها تقرأ. قال أكتب. قلت: ما أنا بكاتب، وإنما أهذي من حمى الأشكال.

     انطلقنا نمشي على الشاطئ.. ساعتين من الأسئلة ورزاز الكلمات التي غطت وجهي.. عن خيوط الدم على ورق الكرتون، ورسومات بقع الدم التي تقاوم الموت وصور الأشعة البلاستيكية. أهي لذلك تبدو كخلايا خارجة متمردة ليس لها شكل أكيد فاستعارت من المرئي لتقول أشياء غير مرئية!؟. خلايا منبثقة من تربة الجسد المنهك، تميز ذاتها عن أرضه باللون، وإن كان لون الدم قد تسرب وتخثر متصلبا، معلنا عن وردة الجسد في مسلخ الموت والحياة وما بينهما زفرة /صرخة لمفردات من الغرائب تظاهرت في تراكم، معلنة هماً قائماً لا يتزحزح، فار من معمعة الألم إلى بياض الورق المفتوح بلا إطار أو تحديد، إلى فضاء يتدحرج فيه، دافعا قدميه للحركة نحو لا شيء، سوى من وهم التخلص من ذلك المتكور على صراعات لا ترحم. يجوب لها الآفاق في مخاض يتوسل له الولادة.

     سنوات الصمت السبع العجاف زادت حولا.. جفت بقع الدم على اسكتشات الكرتون .. قدميك في الصندل الجلدي القديم المترب تقص حكايتك للإسفلت الصلد والشوارع المتربة في المدينة القديمة في طرابلس، فيجاوبك غبارها المهموم. ما بين بيت الأهل والأخت بمدينة الزاوية تستبدل البوح بإلقاء التحايا. تتأمل الطيور المهاجرة ساعات على الشاطئ، تصنع من ريشها جناحين حيث بعضك يناديك، تستل الجرأة من كوامنك وتُلبسها حيلتك فتصير طائرا في سماء النمسا، تحط في جنوبها حيث بعض الأماكن ملهمتك.. ملهمة البصر، وسيلة معرفة لما سوف تكونه، وهل مسميات كائناتك إلا شبيه يتحرى شفرة الأصل المستعصي على التعريف!، أردت أن تكون ذاتك، تلك المستعصية على التقديم.. أصخت السمع حيث لا صوت هناك، فتشبثت بالهسيس، ذلك المنحول من قد العتمة، أذبته في مائياتك عله يضيء مجهريات مستعصية على التشكيل. قال اكتب. قلت ما أنا بكاتب في المستعصي على البلوغ.  حيث ذاتك تبغي سد الفجوة ما بين مطلبيتها الملحة وعلامات تخون!. سأكتفي بالبصر ممرا ليعبر اللون بشفافيته وترسباته وتداخل أشكاله ونتوء غضاريفه، ليسكن هناك ليملأ تجاويف الروح. ربت على كتفي بضربات قوية وسريعة وسألني: ماذا عن الزمن؟. قلت: ربما هشاشة زمن تكوين كائناتك شكلت إزاحة لصالح زمنك الخاص. زفر زفرته الشهيرة وانطلق وهو يعدني بلقاء قريب.                                     

 

 

المصدر: جهازي الشخصي "لاب توب "
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 168 مشاهدة

mohamed soliman elzayat

mzizo4350
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,941