مستشارك النفسى و الأسرى ( د. أحمد شلبى)

موقع للارشاد النفسى للمتميزين وذوي الإعاقة والعاديين

 

اليوم أريد أن أحدثكم عن معجزة تتحرك يومياً أمام عيني ، وذلك بالرغم من أننا لا نعيش عصر المعجزات ، بل نعيش عصر النكبات على المستوى القومي والعالمي ، والنكبات السياسية على وجه الخصوص ، وكثيراً ما قاسينا هذه النكبات ونحن نتفرج على أخبار التلفزيون بكل ما فيها من قتل وحروب وانعدام للعدالة وإجهاض لحقوق الإنسان من كل جانب وخنق لكل القيم البشرية ، مرة باسم الديمقراطية ، ومرة باسم الحرية ، ومرة باسم الوطنية ، وفوضى عظيمة تعم هذا العالم المعاصر الذي نعيش فيه .. وكان كل شيء أمامنا يحترق وكان الإنسان ما عاش طول هذه القرون ليبني القيم ويضع المثل ويؤكد قيمة الحياة بكل ما خلقه الله فيها من جمال وخير وحق.

وسط كل هذا الزحام من فوضى القيم وجدت هنا في باريس قيمة من أعلى القيم وأكثرها تجلياً لروح الله عندما تحل في إنسان فتحوله إلى خير كامل وإلى طاقة لا تنتهي ، ورغبة عارمة في الحياة الطيبة المسالمة بالرغم من أن كل هذه الشروط لا تتوافر في الحياة الحديثة.

والمعجزة التي أتحدث عنها ليست شهاباً وقع من السماء ، أو كوكباً جديداً اكتشفت عليه حياة تشبه حياة الأرض ، ولا حتى عصا ألقيت على الأرض فتحولت إلى حية تسعى كما حدث مع موسى عليه السلام عندما أمره ربه بذلك ، ولا هي أيضاً قدرة على إحياء وإيقاظ الموتى كما هي معجزة المسيح عليه السلام ، ولكنها في نفس الوقت معجزة باعتبارها إحدى خوارق الطبيعة بحق وصدق.

والمعجزة التي أتحدث عنها هي رجل وطبيب أيضاً اسمه جون لوي يعمل في أحد مستشفيات باريس ، وهو متخصص في طب التنفس ، وهو فرع من علوم الرئة ، وهو تخصص مهم في علم الطب الحديث الذي سنأتي إليه فيما بعد ، لأن الطب لم يعد مجرد القدرة على معرفة مختلف الأمراض وعلاجها ، وإنما أصبح تخصصات غاية في الدقة تصل مثلاً إلى جزء صغير من الحنجرة ، أو وظيفة دقيقة من وظائف الرئة أو القلب ، أو جزء صغير من عمل المخ ، والطبيب الذي أتحدث عنه قد تخصص في وظائف التنفس وكيف يصيبه الاعتلال أحياناً ، وكيف يمكن معالجته بأساليب علمية معقدة للغاية ، فقد اكتشفت في هذه الأيام أن مجرد التنفس هي معجزة إلهية من عند الله ، وأن ما نفعله يومياً بمنتهى اللامبالاة باعتباره شيئاً طبيعياً لا يلتفت إليه ، وهو أن نأخذ نفساً ونخرج نفساً ، وهو في الحقيقة أحد الأسرار التي وضعها الله في الجسم الإنساني ليهبه الحياة أو ليحرمه منها.

ولكن المعجزة التي أتحدث عنها اليوم أيضاً هي ليست معجزة التنفس ، أو غيرها من معجزات الجسد الإنساني ، وإنما هي معجزة تتمثل في رجل من لحم ودم ، كفيف البصر وفي نفس الوقت هو طبيب تخصص في أحد أهم الأعضاء التي وضعها الله في الإنسان ليهبه الحياة ، وهي التنفس.

ومعجزة جون لوي وهو فاقد لبصره أنه لا يمسك بيده أي شيء يساعده على الحركة ، أو التعرف على ما حوله من أشخاص أو أشياء ، أو حتى يمشي غير مغلق العينين ، ولا يلبس منظاراً أو لا يتحسس الأشياء بيديه لكي يعرف مع ماذا يتعامل ، أو مع من يتكلم .. جماداً كان أو إنساناً ، وإنما هو ينزل كل يوم في الثامنة صباحاً يتجه إلى محطة المترو حيث يقف مع الواقفين في الطابور لقطع تذكرة وينزل السلالم الكهربائية ، وينتظر مجيء المترو الذي يقله إلى عمله ، وليس أي مترو آخر ، فهو يعرف كيف يميز صوت المترو الخاص به من أصوات عربات المترو المتجهة إلى مختلف الجهات من شرق وغرب المدينة ، ربما عن طريق العادة ، أ, قدرة خاصة بالسمع المرهف لا نعرفها.. هذا في حد ذاته قد يكون شيئاً عادياً بالنسبة للإنسان الكفيف المدرب على السمع ، ولكن هذا الطبيب الفرنسي الكفيف البصر يصل إلى عمله في التاسعة صباحاً بالدقيقة ، ويعرف تماماً أين مكتبه ، ويبدأ في استقبال المرضى لعلاجهم حسب الجدول الموضوع ، والمرضى يعانون من مشاكل ضخمة في التنفس ، وعندما يدخل عليه المريض يعرف تماماً أين يجلس فيتجه إليه ويصافحه دون أن يمد يده منتظراً الآخر ، ويمضي في تدريبات غاية في التعقيد تتمثل معظمها في حركات معينة يقوم بها من خلال الصدر والظهر والرقبة والرأس وسائر الأعضاء التي تستخدم في إيصال الهواء إلى المخ وعندما يخطئ المريض في القيام بالحركة المطلوبة – وهذا شاهدته بنفسي – وهي حركة لابد أن يراها الطبيب رؤية العين حتى يصححها ويطلب منه إعادتها بشكل صحيح ، نجد الطبيب الكفيف وكأنه قد رأى بعينيه هذه الحركة الخاطئة فيعدلها له سريعاً بيديه ، ويمضي في جلسة العلاج حتى ينهيها بالأسلوب العلمي الذي يضع المريض على طريق الشفاء من أخطر مرض ممكن أن يصيبه وهو عدم القدرة على التنفس الصحيح.

ذات مرة كانت مقابلتي الأخيرة مع الطبيب الكفيف جون لوي الذي كنت أراه دائماً واسع الابتسامة دون كلام كثير ، بادي السعادة كأنه يسهم في تخفيف آلام البشر دون أن تكون له هو شخصياً أية مشكلة تجعله يصبح فريسة دائمة للألم النفسي بسبب عدم قدرته على رؤية العالم من حوله .. اقترحت عليه أن يأتي إلى منزلي لكي يعطيني تمرينات في التنفس فإذا به يقول : ( أعطني العنوان فقط وأنا سأحضر في السادسة كل مساء ) وكنت أعرف أن هذا مستحيل ، وأن عنوان المنزل في منتهى التعقيد ، وكنت أعلم أيضاً أن الرجل لا يركب التاكسي في حياته لأن دخله لا يعينه على ذلك ، ولا يقود بطبيعة الحال سيارة أو غيرها ، كما لا يستخدم رفيقاً يدله على الطريق ، وأنه يسير وحده تماماً ، ولم أجرؤ أن أؤذي مشاعره بأن أقول له سأبعث من يحضرك إلى الشقة التي استأجرتها .. وافترقنا وأنا أوقن في أعماقي أنه مستحيل أن يصل إلى هذا العنوان المعقد خاصة إذا كان سيستخدم المترو أو حتى قدميه دون مرشد أو رفيق أو سيارة تحضره إلى عنوان المنزل المقصود.

وفي الموعد المحدد تماماً في الساعة السادسة مساء اليوم التالي كنت أرتدي ملابس لأستعد للخروج قليلاُ مللاً من جلسة المنزل الطويلة ، فإذا بي أسمع جرس الباب وطرقاً خفيفاً ففتحت لأجد نفسي مباشرة أمام جون لوي الطبيب الكفيف ، والذي جاء في موعده تماماً واستطاع أن يعرف الشقة التي أسكنها في عمارة ليس بها بواب ، وبها ستة مصاعد أمضي أنا شخصياً كل يوم أكثر من نصف ساعة من الارتباك الشديد والشعور بالخيبة الثقيلة لكي أتعرف على المصعد الذي يوصلني إلى شقتي .. لا أعرف بالضبط كيف تعرف الطبيب على هذا المصعد الذي يؤدي إلى شقتي ، وكيف تعرف على موقع الشقة في دور يضم أكثر من مائة شقة.

أية معجزة أتت بهذا الرجل إلى هنا في موعده ومكنته من أن يقوم بواجبه الطبي الذي تقاضى عنه مبلغاً متواضعاً جداً ؟! وأكثر من ذلك أنه رفض أن يأخذ مبلغ أكثر من المبلغ المحدد ، وكانت الابتسامة السعيدة تعلو وجهه والتحية الرقيقة على شفتيه ، ودون أن يرى أية معالم للشقة اتجه فوراً إلى حيث أجلس لأنني تعمدت أن أجلس في مكاني المعتاد دون أن أسحبه بيده ، لأنه يكره جداً أن يسحبه أحد من يده .. وبدأ تمريناته لي حتى انتهى منها ، والابتسامة الواسعة تملأ وجهه أيضاً ، ثم تقاضى أجره المتواضع ومضى دون أي مساعدة مني.

أية معجزة تتمثل في هذا الرجل الذي يعمل ويتحرك ويبتسم ويصل من مكان إلى آخر ويمارس كل أنواع الحياة دون أن يرى هذا العالم القبيح من حوله ؟! إنه يستعيض عن البصر بكل ما في الحياة من بهجة ومن معنى وقيم رفيعة ، كالإخلاص والجد والمثابرة والسلام والإيمان بقيمة العمل والتسامح وعدم التسليم بالعجز أو الضعف .. ورأيت هذه المعجزة المتحركة نقيضاً لكل ما يجري في هذا العالم المعاصر من حروب شريرة ، ومن عنف ورغبة عارمة في العدوان عند الفرد والمجتمع على السواء ومن تحطيم المثل وسحق الشعوب ونشر الموت لا معانقة الحياة في كل مكان على وجه الأرض .. رجل واحد كفيف البصر يثبت هذه الأيام أنه وحده قادر على أن يقول لنا أن الحياة أجمل من أن نضيعها أو نحطمها أو حتى نغضب لأنها قد تصيبنا ببعض الألم.

أرأيتم أنني أحدثكم اليوم عن معجزة حقيقة في عصر انتهت فيه المعجزات؟!

كتبها د.سمير سرحان ونقلها لكم د.احمد شلبي

email : [email protected]

 

mostsharkalnafsi

بقلم د. أحمد مصطفى شلبي [email protected]

  • Currently 183/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
47 تصويتات / 547 مشاهدة
نشرت فى 13 إبريل 2011 بواسطة mostsharkalnafsi

ساحة النقاش

freeheart

لا يمكن القول سوى سبحان اللة على نعمة0 اذا فهم الانسان ان اللة يخلق كل انسان ناقص لشىء ولكن يعطية القدرة على الحياة وهذة معجزة الخالق سبحانة0

mostsharkalnafsi

اشكرلك تعليقك وانا اعتقد مثلك ان كلنا 10-1 بمعنى ان كل انسان فينا لديه جانب قصور معين حتى يشحذ همته وارادته ويمكنهم من النعاون مع الآخرين والكمال لله وحده

dr ahmed shalaby فى 5 يونيو 2011
maigm

في رأي انها هبة من الله وليست معجزة .

المعجزات تقتصر على الانبياء فقط كما تعلمنا من علمائنا .

سبحان الله الموفق !!

mostsharkalnafsi

رأيي الشخصي ان مقياس المعجزة يختلف من مجموعة إلى اخرى فمعجزات الانبياء لا شك انها امورخارقة للعادة تثبت مصداقيتهم مع قومهم والمعجزة بالنسبة للبشر العاديين هي قدرة فائقة على استخدام الارادة الانسانية واستثمار اقصى الامكانات المتاحة ومن هنا اطلق الدكتور سمير سرحان على هذا الطبيب الذي استثمر امكاناته وتمتع بهمة قوية ووصل إلى درجة فائقة من الاتقان في عمله وهذا اعجاز على المستوى البشري

dr ahmed shalaby فى 5 يونيو 2011

د.أحمد مصطفى شلبي

mostsharkalnafsi
• حصل علي الماجستير من قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس في مجال الإرشاد الأسري والنمو الإنساني ثم على دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص صحة نفسية في مجال الإرشاد و التوجيه النفسي و تعديل السلوك . • عمل محاضراً بكلية التربية النوعية و المعهد العالي للخدمة الاجتماعية . »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

214,304