المتشابه اللفظى فى القرآن الكريم

رؤية فى التفسير من خلال اللغة والسياق

وجوه الإعجاز اللغوى فى القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، وآيات المتشابه اللفظى فى القرآن تمثل أحد أوجه هذا الإعجاز، بما تنطوى عليه هذه الآيات من تراكيب لغوية متنوعة ومتسقة مع سياقاتها أحسن اتساق.

ومن ثم فإن دراسة هذه الآيات دراسة لغوية فى ضوء نظرية السياق يكشف الكثير من أسرار هذا التشابه، ويضع أيدينا على حقيقة مهمة فى فهم النصوص اللغوية، وهى أن النصوص اللغوية لا يمكن فهمها فهما صحيحا وإدراك كل ما تقصده من معان ودلالات إلا بإدراك جميع عناصر المسرح اللغوى، وأقصد بالمسرح اللغوى هنا التركيب اللغوى (السياق اللغوى أو سياق المقال)، وسياق الحال (المقام)، فمن المعلوم أن السياق له دوره البارز فى تحديد المعانى اللغوية ألفاظا كانت أم جملا أم عبارات، فتحليل الوظائف اللغوية على مستوى الأصوات والصرف والنحو، وتعرف العلاقات العرفية بين المفردات على مستوى المعجم ليس غاية المطاف للوصول إلى الفهم الدلالى التام للأحداث اللغوية؛ لأن الوصول إلى الفهم التام للمعنى لا يتم إلا بدراسة النص بوصفه بنية متكاملة، ونظرية السياق تربط كل هذه المستويات بإطارها السياقى العام بكل ما فيه للوصول إلى الدلالة الكاملة، والفهم الكامل، وعلى هذا فإن نظرية السياق أساس فى التحليل اللغوى؛ لأن التحليل اللغوى للنص أو الكلام لا يعطينا إلا المعنى الحرفى أو معنى ظاهر النص، وهو معنى فارغ تماما من محتواه الاجتماعى والتاريخى، ومنعزل عن كل ما يحيط بالنص من القرائن التى تحدد المعنى.

وآيات المتشابه اللفظى فى القرآن أصدق مثال على إيضاح هذه الفكرة، فبعض هذه الآيات تتشابه فى تركيبها اللغوى تشابها تاما، وبعضها يتشابه مع اختلاف كلمة (اسم، أو فعل، أو حرف)، وبعضها يتشابه مع وجود زيادة أو نقص، وبعضها يتشابه مع وجود تقديم أو تأخير فى التركيب، إلى غيرها من وجوه الاختلاف بين المتشابهات، فإذا نظرنا إلى التركيب اللغوى وحده فى مثل هذه الآيات المتشابهة بمعزل عن سياق الحال (المقام)، فقد يصعب علينا فهم الدلالة الكاملة والمرامى المتعددة للنص، وقد نرجع هذا الاختلاف بين المتشابهات إلى الوجوه البلاغية فقط، وهى غالبا ما تظهر لنا جمالا ظاهريا فى النص، وربما كان هذا الجمال البلاغى ليس المقصود الأساسى لهذا التركيب، فمثلا: إذا نظرنا إلى آيتين من الآيات المتشابهة اختلفتا فيما بينهما بزيادة كلمة فى آية عن أخرى، فإننا غالبا ما نقول عند الزيادة فى الآية الأولى: إن وجود هذه الكلمة يزيد المعنى ويوضحه، ونقول عند نقصها فى الآية الأخرى: إن نقص الكلمة يفيد الإيجاز والاختصار، وقد يكون هذا الكلام مقبولا من الناحية الشكلية، ولكن المقصود أعمق من ذلك بكثير، لأننا لو نظرنا إلى سياق الحال الذى يلف كل تركيب على حده لوجدنا أن هذا السياق يتطلب تركيبا لغويا بعينه وأى زيادة أو نقص فيه سوف يخرج هذا التركيب عن الحقيقة البلاغية الكبرى التى تقول: "البلاغة هى إيراد الكلام بحسب مقتضى الحال"، أو "لكل مقام مقال".

وما أروع ما ذكره الزمخشرى فى تفسيره لقول الله تعالى فى سورة الذاريات: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)، للدلالة على إيضاح هذه الفكرة السابقة، وهى دراسة النص بوصفه بنية متكاملة؛ لكشف ما فيه من معان ودلالات، حيث ذكر أن رجلا من الأعراب لما سمع هذه الآية صاح، وقال: يا سبحان الله، من ذا الذى أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين، قالها ثلاثا، وخرجت معها نفسه.

إن الانصراف إلى المعانى المحدودة التى تفيدها التراكيب أو عناصرها بعيدا عن سياقاتها يؤدى بالضرورة إلى نقص فى الفهم؛ لأن الفوارق بين هذه المعانى غالبا ما تكون غير واضحة، ويؤكد هذا ما ذكره عبد القاهر الجرجانى، فى دلائل الإعجاز "عن ابن الأنبارى أنه قال: ركب الكندى المتفلسف إلى أبى العباس، وقال له: إنى لأجد فى كلام العرب حشوا! فقال له أبو العباس: فى أى موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: (عبدالله قائم)، ثم يقولون: (إن عبدالله قائم)، ثم يقولون: (إن عبدالله لقائم)، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعانى مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: (عبدالله قائم)، إخبار عن قيامه، وقولهم: (إن عبد الله قائم)، جواب عن سؤال سائل، وقوله: (إن عبد الله لقائم) جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعانى، قال: فما أحار المتفلسف جوابا".

ومن الإشارات المبكرة لدلالة التركيب على بعض عناصر المقام الذى يستخدم فيه حديث سيبويه عن دلالة تقديم الفاعل أو المفعول على أن المقدم منهما هو موضع الاهتمام فالعرب كما يقول: " يقدمون الذى بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعا يُهِمَّانِهم ويَعنِيانهم".

ومن ثم فسوف تقوم هذه الدراسة على إبراز هذه الفكرة العامة من خلال رصد التشابه بين آيات القرآن الكريم وأوجه الاتفاق أو الاختلاف بين هذه الآيات، وبيان علاقة كل تركيب بالسياق العام الذى يحكمه، وسوف يتم هذا الأمر فى إطار عدد من الضوابط العامة، هى:

·        رصد التشابه من خلال جمل تامة المعنى، فالجملة هى أصغر وحدة تركيبية ذات معنى، وقد تكون هذه الجملة آية كاملة أو أكثر من آية أو بعض آية، وهذا الضابط يخرج من هذه الدراسة التشابه على مستوى المفردات، أو العبارات والتراكيب غير المستقلة، مثل: (وإذ قال موسى لقومه...) فقد تكررت خمس مرات أو أكثر، وقوله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا...)،... وهكذا. ويراعى كذلك اكتمال الموضوع فى موضع التشابه، ولذلك لا تدرس الآية القرآنية (هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33، والصف: 9) منفردة فى المتشابه التام، وإنما تدرس مع سابقتها فى كلتا السورتين، فهى فى التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُّطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). وفى الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). ولذلك سوف أدرسها فى المتشابه على مستوى التركيب.

·        بعض المواضع المتشابهة قد تشتمل على أكثر من وجه من وجوه الاختلاف، وطبيعة الدراسة تقتضى إبراز كل هذه الوجوه؛ لمعرفة أثر السياق فى هذا الاختلاف، ولكن ضرورة التصنيف تقتضى وضع الآية تحت عنوان واحد، وسيكون اختيار العنوان الذى توضع تحته الآية مرتبطا بأبرز وجوه الاختلاف فى الآية.

·        سيكون الاعتماد فى إبراز سياق الحال الذى يلف الآيات على خمسة مصادر: أسباب نزول الآيات، المضمون العام للسورة التى تضمنت الآية محل الدراسة، علاقة الآية بما قبلها أو بعدها من آيات، زمن نزول السور، ومكان نزول السور.

·        ليس الغرض من هذه الدراسة أن تقدم تحليلا أو تفسيرا لكل ما ورد فى القرآن الكريم من آيات المتشابه اللفظى، وإنما الغرض منها أن تضع إطارا عاما لكيفية التحليل اللغوى فى ضوء سياق النص، ومن ثم فسوف أكتفى بتقديم عدة نماذج لكل صورة من صور التشابه، فهذا أمر فيه الكفاية وإلا فالاستقصاء بعيد المنال، وإن كان هذا النهج لا يمنع من أننى سأقدم كشافا تفصليا لكثير من مواضع الآيات المتشابهة فى القرآن الكريم.

·        سوف أستقى معظم مواد هذا البحث من كتب اللغة والتفسير والإعجاز والبلاغة؛ للوصول إلى نمط تحليلى متكامل.

·        ربما أعتمد فى كثير من المواضع على الحس اللغوى والتذوق البلاغى للكشف عن دلالات بعض الآيات وخاصة عندما أستشعر شيئا يمكن أن يضاف إلى ما قاله السابقون لإبراز ما فى هذه الآيات من جوانب دلالية متعددة.

ولا شك أن هذه الدراسة تنبع أهميتها من طبيعة موضوعها الذى يتعلق بجانب مهم من جوانب الإعجاز القرآنى ومحاولة الكشف عن هذا الجانب من خلال إجراء هذه الدراسة فى ضوء نظرية من نظريات البحث اللغوى الحديث، هذا بالإضافة إلى أن الدراسة سوف تكشف لنا عدة جوانب ترتبط بالموضوع، وهى:

1)    التركيب اللغوى للآيات.

2)    الفهم التام لدلالة هذه الآيات.

3)    الكشف عن مدى ارتباط فهم الآيات بأسباب نزولها.

4)    العلاقة المباشرة بين معنى الآية وسياقها الذى وردت فيه.

5)    المقارنة بين الآيات المتشابهة وبيان الفوارق بينها من الناحية اللغوية التركيبية والناحية السياقية.

ولعل وراء هذه الدراسة أهدافا أخرى ترتبط بالفكر اللغوى العربى بعامة، مثل:

6)    دراسة التفكير اللغوى فى تراثنا العربى فى ضوء علم اللغة الحديث من أجل الإسهام فى صياغة نظرية لغوية عربية متكاملة.

7)    الإبانة عن سبق اللغويين العرب ومفسرى القرآن فى فهم فكرتى المقال والمقام.

هذا وقد قسمت الدراسة على النحو التالى:

·        مقدمة

·        تمهيد: وتحدثت فيه عن معنى المتشابه اللفظى، وأنواعه، وأهم ما كتب فيه. ثم تحدثت عن الخطوط العامة لنظرية السياق، وعناصر سياق الحال، والعلاقة بين التفسير والسياق.

·        الفصل الأول: آيات المتشابه التام

وتحدثت فى هذا الفصل عن الآيات أو التراكيب التى تكررت مرة أو أكثر بتركيبها اللغوى دون أى تغيير من نوع ما.

·        الفصل الثانى: المتشابه المختلف فى إبدال كلمة

وتحدثت فى هذا الفصل عن الآيات التى تشابهت تماما واختلفت فى كلمة واحدة، سواء أكانت هذه الكلمة اسما أم فعلا أم حرفا. ولكنى سأقتصر فى هذا الفصل على نوعين فقط من الإبدال، وهما: إبدال حرف مكان حرف، وإبدال كلمة بأخرى، مكتفيا من هذا النوع، بإيراد النماذج التى اختلفت فيها الكلمتان فى الأصل والمعنى، مثل: (انفجرت – انبجست)، أو كانت إحدى الكلمتين اسما، والأخرى فعلا، مثل: (مخرج – يخرج).

·        الفصل الثالث: المتشابه المختلف فى أحوال الاسم

وفى هذا الفصل أقوم بدراسة تغير أحوال الاسم فى الآيات المتشابهة وعلاقة هذا التغير بالسياق المصاحب للكلمة ولجملتها.

·        الفصل الرابع: المتشابه المختلف فى أحوال الفعل

وفى هذا الفصل أقوم بدراسة تغير أحوال الفعل فى الآيات المتشابهة وعلاقة هذا التغير بالسياق المصاحب للفعل ولجملته.

·        الفصل الخامس: المتشابه المختلف فى زيادة أو حذف

وفى هذا الفصل أقوم بدراسة الآيات التى تتشابه فيما بينها بزيادة كلمة فى التركيب وحذفها من التركيب الآخر، وما يترتب على الزيادة أو الحذف من معنى، وموافقة للسياق.

·        الفصل السادس: المتشابه المختلف فى تقديم أو تأخير.

وفى هذا الفصل أقوم بدراسة التراكيب التى تشابهت فيما بينها ولكنها اختلفت بتقديم أو تأخير بين بعض مفردات التركيب، وما يترتب على ذلك من تغير فى المعنى، ومناسبة للسياق.

·        ثم خاتمة البحث، وأهم النتائج التى تم التوصل إليها.

وفى نهاية البحث قائمة بأهم المصادر والمراجع التى اعتمدت الدراسة عليها.

 

المصدر: مؤلفاتى

ساحة النقاش

الدكتور/ محمد محمود القاضي

mohamedalkady
موقع شخصي يهتم صاحبه باللغة العربية ودراساتها، والثقافة الإسلامية، والثقافة العامة، والتأليف للطفل. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

162,740