خواطر وأدبيات

edit

أوراق خضراء جديدة!

كنت قد فارقت الريف منذ زمن بعيد لأعيش في المدينة..وعندما أعود إلى قريتي تكون أول طقوس الزيارة أن أذهب إلى حقلنا وأجلس تحت شجرة التوت الكبيرة الموجودة في الجُرْن.. إنها شجرة ضخمة الجذر كثيرة الفروع متشابكة الأغصان لذيذة الثمار..

لم أستطع أن أفسر سر الراحة النفسية التي كنت أشعر بها في كل مرة أجلس فيها تحت تلك الشجرة..

ولكن حنيني إلى جلستي تحت الشجرة هذه المرة كان مختلفا.. فقد بدأت ذكريات الماضي البعيد تتراقص أمام عيني.. تذكرت عندما كنت صغيرا ويأتي معي أصدقائي إلى حقلنا ونلعب تحت هذه الشجرة الوارفة وفي وقت ثمارها بعد أن ننتهي من اللعب نصعد فوقها لنأكل منها ثم ننزل لنشرب من الزير المغلف بالخيش المبلل بالماء على الدوام الموجود تحتها..ونقضي كل يوم أجمل أوقاتنا في هذا المكان.. ولما كبرنا وفارقنا لهو الصغر كنا نجتمع مع الأصدقاء في جو العصاري الممتع ونشرب الشاي اللذيذ المصنوع على أعواد الحطب.. وكثيرا ما كنا نعود إليها في الليالي المقمرة ونسمر جزءا طويلا من الليل..

كنا قد نقشنا أسماءنا على جذرها للذكرى في صغرنا.. فتطلعت إلى الأسماء المنقوشة على الجذر وبدأت أقرؤها اسما اسما.. وتمر سريعا في ذاكرتي لمحات من حياة كل واحد منهم .. أين أصحاب هذه الأسماء الآن.. لقد غيبهم الموت جميعا ولكل واحد منهم قصة وحكاية فقد تنوعت أسباب موتهم ولكن الموت واحد.. بعضهم كان قد فارق الحياة في ريعان شبابه وبعضهم فارقها قبيل الأربعين وآخرهم صديقي الذي فارقها وهو على مشارف الستين مثلي وقد جئت إلى القرية اليوم معزيا في وفاته..

يا الله لم يبق من هؤلاء الأصدقاء أحد .. لم يبق إلا رسم أسمائهم بخط أيديهم!!

فدمعت عيناي.. وانسابت قطرات الدموع على وجهي لتكشف عما يدور في نفسي.. وكان أبي الذي أصبح على مشارف التسعين من عمره يجلس قريبا مني تحت الشجرة منشغلا بمسبحته وتسابيحه التي يواظب عليها منذ فترة بعيدة.. ففطن إلي حالي.. ولعله رأي الدموع تنزل من عينيي.. ففهم ما كنت أفكر فيه.. فابتسم وقال: هون عليك يا بني!! فالدنيا كالشجرة تتساقط عنها أوراقها القديمة ويحل محلها أوراق خضراء جديدة!!

فقلت: تذكرت أصدقائي الذين كانوا يلعبون معي تحت الشجرة ونحن صغار ونجلس لنتسامر تحتها في زياراتي للقرية كبارا..لم يبق منهم أحد!!

فقال أبي: لعب وجلس تحتها كثيرون غير أصدقائك أيضا .. ولم يبق منهم أحد!! أتدري يا بني متى زرعت هذه الشجرة؟

انتبهت لسؤال أبي.. فقلت : لا أدري.

فقال أبي: أخبرني أبي (جدك) أن جدي زرعها يوم مولدي تعبيرا عن فرحه بقدومي إلى الدنيا..وقال يومها لأبي حتى إذا كبر وليدك وصار صبيا جلس ولعب تحتها وأكل هو أصحابه من ثمارها..أي أن هذه الشجرة عمرها هو عمري..أتدري يا بني كم من الأصدقاء والأحباب جلس تحتها وليس لهم وجود على ظهر الدنيا الآن؟!

فقلت: لا شك أنهم كثيرون!!

فقال أبي: وها هي الشجرة ما زالت تكبر وتعظم ويزداد ظلها ولم تحرمنا من ثمارها..ولو قدر لها أن تتكلم وتعبر عن مشاعرها لأعلنت عن حبها لكل من جلس تحتها ولعب تحت ظلالها وأكل من ثمارها.. سواء سجل اسمه على جذرها أم لا.. فلا تجعل يا بني الذكريات تعوقك عن مسيرة حياتك..

كان حديث أبي إلي قد جذبني وجعلني لا أفطن إلى اثنين من أحفادي قد جاءوا إلى الحقل بصحبة أبيهم لعلمهم بوجودي في هذا المكان من أبيهم.. وكانت أول مرة تطأ فيها أقدامهم جرن حقلنا.. فلفتت الشجرة انتباههم ووقفوا عند جذرها وأخذوا يقرءون في الأسماء المنقوشة على جذرها..ثم صاح أحدهما مخاطبا أباه، اسمك منقوش على الشجرة يا أبي..ثم أمسك قطعة من الحجر الصغير لها سن كالقلم وأخذ يخط على الشجرة اسمه وفعل أخوه الآخر مثل فعله..

فابتسم أبي وقال: أوراق خضراء جديدة!!

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 77 مشاهدة
نشرت فى 3 يوليو 2015 بواسطة mohamedalkady

مسرحية الثيران الثلاثة

المشهد الأول

الثيران الثلاثة: الأسود والأصفر والأبيض على خشبة المسرح:

الثور الأسود: أنتم تعرفون يا أصدقائى أن الأسد لن يتركنا ننعم فى الغابة.. ويهددنا كل يوم.. ولذلك لا بد أن نكون يدا واحدة.

الثور الأصفر : أنا أرى أن نبتعد عن طريقه..لأننا لا يمكن أن نقدر عليه.

الثور الأبيض: كيف تقول ذلك يا ثور يا أصفر.. نحن أقوى من الأسد.. بشرط أن نكون نجتمع ولا نتفرق ونكون يدا واحدة كما قال الثور الأسود.

الثور الأسود: عندك حق يا ثور يا أبيض.. ولا تنسوا إننا ثلاثة وهو واحد.. وعلى رأى المثل الكثرة تغلب الشجاعة

الثور الأبيض: وهناك أمر آخر مهم.. أننا أصحاب حق.. وصاحب الحق دائما قوى.

الثور الأصفر: يبدو أنكم لا تفهمون الواقع..إنه الأسد .. أتفهمون معنى أنه الأسد.. يعنى من الممكن يأكل لحمنا ونصبح هباء.

الثور الأبيض: والله الشىء الوحيد الذى أخاف منه هو الخيانة.. فلو حدثت بيننا خيانة سنضيع جميعا.

الثور الأسود: ماذا جرى لكما يا صديقاى.. يبدو أنكما تريان ألا نواجه الأسد.. ونريح أنفسنا.. ولكن اعلموا جيدا أن هذا الحل لن يحقق لكم ما ترجون من راحة كما تظنون.

المشهد الثانى

يظهر الثور الأصفر فقط على خشبة المسرح ثم يدخل عليه الأسد الذى تظهر عليه علامات الخوف ويرتجف بشدة

الثور الأصفر: سيدى الأسد يا مرحبا يا مرحبا.. والله منذ قليل كنت أتحدث عنك مع أصدقائى وأقول لهم إنك أسد محترم.. وتحب الحق.. ولا تحب الظلم أبدا.

الأسد (ضاحكا): أعرف..أعرف يا ثور يا أصفر مكانتى عندك.. ولكن هناك موضوع أريد أن أكلمك فيه.

الثور الأصفر: تحت أمرك يا سيد أسد.. تفضل

الأسد: لقد وصلنى كلام أن الثور الأبيض يسير فى الغابة ويقول: أنا أحسن ثور فى الغابة وخاصة أحسن من الثور الأصفر.

الثور الأصفر (غاضبا): الخبيث قال ذلك.. والله إذا لقيته لألقنه درسا لا ينساه طوال عمره.

الأسد (مبتسما): هدئ نفسك.. واتركنى أنا أؤدبه بمعرفتى .. فأنت أيها الثور الأصفر حبيبى وصاحبى .. والذى يغضبك يغضبنى.

الثور الأصفر: بارك الله فيك يا صديقى الأسد

الأسد: ولكن لا تحزن إذا أكلته.

الثور الأصفر (مرتعشا): وهل ستأكله فعلا

الأسد (يزأر زئيرا شديدا): نعم.

الثور الأصفر (مرتعدا): افعل ما تراه يا صديقى الأسد.. فهو يستحق ما يحدث له فلقد شتمنى وسبنى.

الأسد (مبتسما) : شاطر يا ثور يا أصفر.. لقد بدأت تفهمنى.. (يزأر زئيرا شديدا).

المشهد الثالث

الثور الأسود فقط على خشبة المسرح

الثور الأسود: لا حول ولا قوة إلا بالله لقد أكل الأسد الثور الأبيض ..كان عنده حق الثور الأصفر عندما قال أننا لا نقدر على الأسد.. آه لو أعرف من الذى وشى به عند الأسد

يدخل الثور الأصفر..

الثور الأصفر: كيف أحوالك يا ثور يا أسود.

الثور الأسود: حالى لا يعلم به إلا الله.. هل علمت ما حدث لصديقنا الثور الأبيض.

الثور الأصفر: صديقك أنت وليس صديقى.. هو يستحق ما حدث له.. كان يسبنى ليل نهار فى الغابة..

 فأخذ جزاءه.. وأصبح عبرة لغيره.

الثور الأسود: ماذا تقصد؟

الثور الأصفر: أقصد أن يعرف كل واحد مقامه ويحترم نفسه.. ولا بد أن تفهم أن الأسد سيدنا وكبيرنا.

الثور الأسود (متعجبا): ماذا تقول؟!!

الثور الأصفر: قلتُ ما سمعت.. ولابد أن تفهم كذلك أننى سيد الثيران فى الغابة كلها فاهم يا ثوووور.

ينصرف الثور الأصفر ويبقى الثور الأسود وحده على المسرح

الثور الأسود (يكلم نفسه) : يا سلااام يا ثور يا أصفر تقتل القتيل وتمشى فى جنازته.. وترفع صوتك على .. لا بد أن أعلمك درسا لن تنساه طوال عمرك..وإن لم أفعل ذلك فلست الثور الأسود حقا.

يدخل الأسد وهو يزأر فيرتعش الثور الأسود ويقف خائفا وهو يرجع إلى الخلف ببطء

الأسد: كيف أحوالك يا ثور يا أسود

الثور الأسود (مرتعشا): الحمد لله بخير يا سيدى الأسد نعيش بفضلك وتحت حمايتك.

الأسد مبتسما: طوال حياتى وانا أحترمك يا ثور يا أسود ودائما أقول: أنك تفهم فى الأصول.. ولأجل ذلك جئت لأنبهك وأعرفك الحقيقة.

الثور الأسود: كلك ذوق يا سيدى الأسد

الأسد: الثور الأصفر يسير فى الغابة ويشتم عليك.. ويقول إنك ضعيف الفهم.. وتخيل أننى وأنا قادم إليك رأيته خارجا من عندك ويشتم عليك ويقول: لا بد أن أقتل الثور الأسود.

الثور الأسود (غاضبا) : سوف أقتله قبل أن يقتلنى.

الأسد: لا ..لا تتعب نفسك.. سوف أكفيك هذا الأمر وأخلصك منه .. ونعيش أنا وأنت معا وتسكن معى .. ولن يستطيع أحد أن يغضبك بعد اليوم.

 

الثور الأسود: والله أنت محترم وشهم يا سيدى الأسد.. ولا ترضى الإهانة لأصدقائك.

ينصرف الأسد ويبقى الثور الأسود بمفرده

الثور الأسود: والله ستحلو لك الدنيا يا ثور يا أسود.. وتصبح صاحب الأسد ولا يقدر أحد أن يكلمك.

المشهد الرابع

الثور الأسود: أظن أن الأسد أكل الثور الأصفر.. وذهب لينام يومين أو ثلاثة.. وهى فرصة أعمل نفسى ملكا للغابة إلى أن يصحو صديقى الأسد من نومه.

يدخل الأسد وفمه ملطخ بالدم

الثور الأسود مندهشا: لقد رجعت بسرعة يا سيدى الأسد

الأسد:  لقد أكلت الثور الأصفر كله وما زلت جائعا..

الثور الأسود (يرتجف) : اذهب يا سيدى وابحث لنفسك عن غزال أو حمار لتأكله.

الأسد: ولماذا أتعب نفسى.. وأمامى ثور أسود سمين يكفينى ثلاثة أيام على الأقل.

الثور الأسود (وقد زاد رعبه): ماذا تقصد يا صديقى العظيم الأسد

الأسد : لا تكن حمارا.. يكفى أنك ثور.

الثور الأسود: وهل تريد أن تأكلنى!!

الأسد : شاطر يا ثور لقد فهمتنى.. ولا أحد الآن يستطيع أن يمنعك منى .. فقد أكلت صاحبيك.. وفى الحقيقة الغابة بدون ثيران أفضل.. وربنا يقوينى حتى آكل الحمير كلها الموجودة فى الغابة.

الثور الأسود (مرتعشا): ولكننى صاحبك

الأسد: ومتى كان لى أصحاب .. سلام يا صاحبى

الثور الأسود: عندك حق .. أنا أستحق هذه النهاية.. لقد فرطنا فى بعضنا.. بعد أن زرعت الخيانة بيننا وصدقناك.. كان لا بد أن أعرف أنك ستفعل بى مثل ما فعلت بصديقى الثور الأبيض والثور الأصفر.

الأسد (ساخرا) : هذا شىء عجيب أنت تفهم جيدا.. فلماذا يقولون عنك أنك ثور..

 

ويزأر الاسد زئيرا شديدا ويسدل الستار

السوق

لم يكن اختياري السكن فى أحد البيوت الموجودة فى شارع سوق المدينة عن قصد منى أو اختيار.. فلم يكن لمن لا عهد له بالمدينة من قبل أن يقصد مكانا معينا للسكن أو يختاره. فقد دفعتنى ظروف كثيرة للسكن فى شارع السوق.. كنت قد تعودت فى الريف على أن وقت الغروب هو بداية الهدوء والاستقرار فى البيوت.. ولكن شارع السوق ليس كذلك.. إنه لا يهدأ لحظة واحدة من ليل أو نهار.. بل إن الإضاءة الليلية فيه ربما تلبس علينا ليله من نهاره.. السوق فى ريفنا ينعقد وينفض فى ساعات معدودة والسوق فى المدينة انعقد ولن ينفض..

فى بداية أمرى لم أكن أهتم بأصوات البائعين ولا بصخب المشتريين.. حتى جاء يوم علت فيه الأصوات وبدا كأن الناس فى السوق يتشاجرون خرجت إلى البلكونة وكنت أسكن فى الدور الأول فأحسست كأنى أقف فوق رءوس الناس لم يكن فى السوق أى شجار.. لا إنه شجار ولا شجار

بدأت أنظر إلى عربات البائعين والمحلات الصغيرة على جانبى الشارع ..أنواع كثيرة تباع خضراوات.. وفواكه.. أسماك.. لحوم.. توابل.. خبز.. هذا يبيع وهذا يشترى كان منظرا جميلا جذبنى إليه بشدة.. ظللت أنظر إلى السوق حتى غلبنى النوم.. بعد هذا اليوم أصبح جلوسى على كرسى متهالك فى البلكونة والنظر إلى السوق عادة.. السوق لوحة بديعة من الحياة بل إن الحياة كلها جمعت فى هذه اللوحة..

بعد عدة أيام كنت قد عرفت أسماء معظم البائعين وكثيرا من وجوه المشترين واكتسبت خبرات كثيرة فى البيع والشراء، يمكن أن أسميها فن البيع والشراء.

فى مكان من السوق  كان هناك رجل يقترب من الستين  قصير القامة ممتلئ الجسم، صوته كأنه الرعد..له كرش كبير كأنما أنفق سنوات عمره كلها فى إعداده وتكوينه، عندما كنت أذهب إلى البلكونة على عادتى كل ليلة كان عم على يعلن انتهاء عملية البيع اليومية على عربته، ويضع ما تبقى من بضاعة اليوم فى صندوق أسفل العربة، ويكنسها ببقايا مقشة، ويفرشها بلحاف قديم ويخرج موقدا صغيرا يعمل بالكيروسين ويصنع لنفسه كوبا من الشاى بعد أن يتناول طعام العشاء الذى كان غالبا  عبارة عن علبة كشرى بالدقة من عربة الست فتحية كشري التى تضع عربتها على ناصية شارع السوق وفى بعض الأيام كان يتعشى جبنة وعيش أو فول وطعمية، ولم يكن عم على يعبأ بكيفية الحصول على العشاء فما عليه إلا أن ينادى دقدق ابن المعلمة فتحية ليأتى له بما يريد.. كانت حياة عم علي تسير على وتيرة واحدة لم تتغير منذ أن بدأت أراقب حركة السوق كل ليلة، كانت دنيا عم على صغيرة بشكل لافت للنظر، كانت دنياه كلها هى عربته محل سكنه وعمله.. يشرب عم على الشاى ثم يجلس فوق العربة فترة من الوقت يحدث زملاءه من حوله.. يسخر من هذا.. ويشتم هذا وأحيانا يغنى بعض المواويل ومما حفظته من مواويله:

يا دنيا لما تدى إدى على قدك.. ولا انت فاكره محدش قدك.. لا انا عاوز منك حاجة ولا قلبى طالبك..انا حوت فى بحر عايم .. ومناى اعيش بعيد عنك..

وبعد فترة ينام عم على فوق العربة ويغطى نفسه ببقية اللحاف الذى فرشه على عربته، كان كرش عم على يبدو عند النوم كأنه قمة جبل صغير وسط السوق.. وكان شخيره ذا نغم خاص وربما نوَّع فيه وكأنه يقوم بتأليف سيمفونية جديدة لا تنتهى كل يوم إلا عند الفجر عندما كان عم على يعلن عن بداية اليوم الجديد بقوله: اصطبحنا واصطبح الملك لله!!

وإلى جوار عم على كان يقع محل المعلمة توكل تلك المرأة السمينة الضخمة ذات الجلباب الأخضر الداكن التى كانت تبيع المصنوعات الألومنيومية.. كانت توكل تلبس فى كلتا يديها مجموعة ضخمة من الأساور الذهبية تصل إلى مرفقيها وكانت تشمر كم جلبابها صيفا وشتاء وكل فترة من الوقت تهز أساورها فى يدها لتعزف بها سيمفونية الغنى الكاذب..

فى فجر أحد الأيام لم أسمع عم على يعلن عن بداية اليوم الجديد كعادته.. بل إننى أدركت أننى افتقدت سماع شخيره من منتصف الليلة. . ولما أعددت نفسى للذهاب إلى عملى ونزلت من المنزل الذى أسكن فيه رأيت المعلمة توكل تقف أمام عربة عم على ودموعها على خدها ، وتنادى على من حولها تعالوا يا ولاد شوفوا حتعملوا ايه فى عم على لأنه مات.. لأول مرة فى حياتى أرى مثل هذا الهدوء عند الموت..جاء بعض شباب البائعين إلى العربة بكل هدوء وأخذوها من بين يدى توكل وهم يقولون: الله يرحمه.. وساروا بها إلى حيث يعلمون أو لا يعلمون..

 

رجعت من عملى بعد العصر فرأيت المعلمة توكل تجلس أمام دكانها وقد أنزلت كميها لأول مرة حدادا على عم على .. وبقية السوق كما هو لم يتغير  بل كانت عربة عم على فى مكانها ويبيع عليها شاب ملامح وجهه تشبه عم على من وراء الزمن البعيد.. فى هذه الليلة لم أخرج إلى البلكونة كعادتى –ربما أكون قد حزنت على فراق عم على- وفى بداية الليل سمعت صوت شخير يصدر قويا قويا.. فأسرعت إلى البلكونة فوجدت هذا الشاب الذى رأيته يقف على عربة عم على ينام فوق عربته ويتغطى ببقية لحافه وكأنه هو غير أن الكرش لم يظهر بعد.. ومن يشابه أبه فما ظلم!!

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 100 مشاهدة
نشرت فى 12 إبريل 2014 بواسطة mohamedalkady

الباشا الوزير

دق جرس التليفون فأمسك السماعة بيده، وهو ينفث دخان السيجار من فمه

<!--آلو

<!-- صباح الخير يا باشا

<!-- صباح الخير.. وابتسمت على وجهه ابتسامة عريضة يكاد محدثه على الجانب الآخر أن يفطن إليها من خلال سماعة التليفون، فلقد كانت كلمة "باشا" ترضى غروره وتشعره بالعظمة التى كان يتطلع إليها.

<!-- ما هذا الذى قرأناه اليوم فى الصحف؟

<!-- ماذا تقصد؟ وأى شىء قرأت اليوم فى الصحف؟  .. لقد كان يعلم كل حرف كتب اليوم فى الصحف، فقد كانت أمامه كل الجرائد والصحف والمجلات التى صدرت فى صباح هذا اليوم، والأيام العشر الأخيرة قبل هذا اليوم.

<!-- لماذا تحرمنا يا باشا من إمكانيات العظيمة، وخبرتك الطويلة فى هذا المجال، وأنت تعرف حاجة البلاد إلى أمثالك فى هذه الفترة.

<!-- شكرا ..شكرا.. ولكن لا أفهم عن أى شىء تتحدث؟

<!-- هكذا أنت يا باشا متواضع دائما.. وسوف تكون خسارة عظيمة ألا تكون فى هذا المكان.. ومن غيرك يستحق هذا المكان!

<!-- فى الحقيقة أنا ما زلت لا أعرف عن أى شىء تتحدث .. وابتسامة عريضة ترتسم على شفتيه جعلت شاربه يطول بمقدار الضعف.

<!-- قهقهة عالية .. والله يا باشا إن إعجابى بك يتزايد يوما بعد يوم، ولكن يبدو أنك لم تقرأ ما كتب اليوم فى كل الصحف عن سيادتكم

<!-- كتب عنى.. أنا .. ما الذى كتب ؟

<!-- الصحف كلها تتحدث عن رفض سيادتكم لتولى منصب الوزارة فى التشكيل الوزارى الجديد

<!-- ها ها ها أنتم تعرفون جيدا أنى لا أحب المناصب، فخدمة الناس لا تحتاج إلى منصب

<!-- والله يا باشا إن كل من قرأ هذا الخبر صباح اليوم قد ازداد إعجابه بك، والرأى العام فى البلد كلها بعد موقفك هذا قد ازداد تمسكا بك

<!-- شكرا ..شكرا 

 ويختتم المكالمة ، ويضع السماعة ويشعل السيجار مرة أخرى ، فقد شغلته المكالمة عنه، فيدق جرس التليفون

<!--آلو

<!-- مساء الخير يا باشا.. ما هذا الذى قرأناه اليوم فى الصحف

…………………………………………………………………

 ويكاد أن يكون هذا الحوار مثل الحوار الذى دار فى المكالمة السابقة

ولم ينقطع جرس تليفون الباشا طوال اليوم والحوار فى كل مكالمة واحد

***

 

فى مكتب رئيس الوزراء تنهال المكالمات من مختلف الشخصيات تطالب بالإصرار على تعيين الباشا وزيرا، فمثل هذه الشخصيات الزاهدة فى المناصب هى التى تستحق أن تقوم على مصالح الشعب.

ويبدو أن هذا السيل الجرار من التليفونات التى تطالب بتولى الباشا منصب الوزارة قد ألهت الجميع عن أن يفكروا فيمن عرض على الباشا منصب الوزير ولكنه رفض، ولم يعد أمام رئيس الوزراء الجديد مفرا من محادثة الباشا وعرض الوزارة عليه، حتى لا يغضب الرأى العام فى أول تجربة له فى رئاسة الوزارة، ويرن جرس تليفون رئيس الوزراء، فيرفع السماعة، وما إن يسمع صوت المتحدث الآخر حتى يقف على قدميه

<!--أنا رهن إشارتك يا أفندم.

<!--……………

<!-- نعم ..نعم..  سيكون اسم الباشا فى أوائل أسماء الوزراء الجدد

<!--……………

<!-- نعم ..نعم.. إن هذا الاختيار سيكون تعبيرا عن نبض الشعب كله

<!--……….

<!-- مع السلامة يا أفندم.

***

 

فى منزل الباشا يرن جرس التليفون، فيرفع الباشا السماعة، فهو لم يفارق مكانه بجوار التليفون طوال اليوم

<!--آلو.. من معى

<!-- رئيس الوزراء

<!-- أهلا وسهلا

<!-- أرجو من سيادتك التكرم بالحضور إلى اليوم، فسيادتك مرشح للوزارة

<!-- أنا شاكر جدا على هذا التقدير العظيم .. ولكن

<!-- لا داعى لكلمة لكن ، فهذه توجيهات عليا ولا بد أن أقنعك بتولى هذا المنصب

<!-- (ابتسامة عريضة تبتسم على وجهه) فى الحقيقة أنا أخجل من أرفض هذه التوجيهات العليا، ولم يعد أمامى مفرا الآن من القبول

<!-- على بركة الله

***

 

فى مكتب الباشا الوزير

يرن جرس التليفون، فيرفع الباشا الوزير السماعة

<!--ألو

<!-- لقد اتصلت بك لأهنئك على هذا المنصب يا معالى الباشا الوزير

<!-- شكرا .. شكرا

<!-- أظن أنه قد آن الأوان لتحقق لى ما وعدتنى به

<!-- نعم نعم  أنا لم أنس مجهوداتك العظيمة معى

<!-- أنت تعرف يا باشا أنى لا أطمع فى شىء كثير  كل ما أريده أن أتولى رئاسة مجلس إدارة الجريدة التى أعمل بها.

<!--رئاسة مجلس الإدارة مرة واحدة

<!-- نعم يا باشا ولا تنسى أننى قمت بتأليف خبر رفضك لقبول الوزارة، وقمت بنشره فى جريدتنا، وقامت كل الصحف بنشره عن جريدتنا بعد ذلك، فالفكرة من تألبفى وإخراجى (ها ها ها)

<!-- لم أنس شيئا وسوف أحقق لك ما وعدت به، وجهز نفسك لخبر جديد سأبلغك به فى حينه

<!-- (قهقهة عالية) وما الثمن المنتظر إذن؟

 

<!-- ربما يكون الكرسى الذى أجلس عليه.

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 138 مشاهدة
نشرت فى 12 إبريل 2014 بواسطة mohamedalkady

أذان الديك

كان الشىء الوحيد الذى يفسد عليه نومه كل ليلة –كما كان يتوهم- هو صياح ديك جارته أم سعيد مع اقتراب فجر كل يوم جديد.. كان يصحو من نومه على آذان الديك ويظل يسب الديك وصاحبته.. كانت زوجته تنصحه ألا يسب الديك لأنه يصيح عندما يرى الملائكة .. كما أنه يصيح مع اقتراب موعد الفجر والأولى به أن يقوم للصلاة بدلا من سب ولعن  الديك وصاحبته.

<!--هذا ديك خرف غير منضبط يصيح قبل الفجر بوقت كبير..

<!--بل أنت الذى تظل طوال الليل تلهو وتسهر مع أصحابك ولا تعود إلى البيت إلا مع اقتراب الفجر، ثم بعد ذلك تلقى باللائمة على الديك..

<!--إنك تدافعين عنه لأن صاحبته صديقتك.. اطلبى منها أن تذبحه وتأكله وإلا قتلته.

<!--إنها ترفض أن تذبحه لأنه يوقظها كل يوم قبيل الفجر.

<!--إذن سأقتله!

وفى الليلة التالية عاد إلى منزله متأخرا كعادته ورفض أن يستسلم للنوم وبحث فى دولابه القديم عن بندقية الصيد التى يملكها وأخرجها ومسحها وجهزها للاستعمال.. وصعد فوق كومة من القش على سطح منزله.. كانت ليلة مظلمة لا قمر فيها.. وأمسك بندقيته واستعد لإطلاق القذيفة .. وظل ينتظر أن يصيح الديك كعادته ليتمكن من تحديد مكانه من اتجاه الصوت ويطلق عليه القذيفة القاتلة ليرتاح من صوت هذا الديك المزعج للأبد..

ولكنه شعر أن الديك تأخر عن الصياح.. قال فى نفسه إن الانتظار هو الذى يجعلنى أشعر بتأخر الديك عن موعده المعتاد.. قاتل الله الانتظار إنه شىء صعب وممل ولكن لا مفر سأنتظره مهما طال الوقت.. عاد يفكر مرة أخرى فى الأمر.. ربما تكون زوجته قد أخبرت أم سعيد بتهديده فذبحت الديك وأكلته.. لا .. إنها أخبرته أن أم سعيد تحب هذا الديك الصالح!! الذى يوقظها لصلاة الفجر.. ما هذا السكون الذى أشعر به أنا لا أحب هذا الصمت..

وفجأة قطع هذا السكون صوت الديك يصيح بأعلى صوته وفى الوقت نفسه انطلق صوت أذان الفجر من مآذن القرية كلها فى لحظة واحدة.. فارتعد الرجل وشعر بخوف شديد زلزل كيانه فانحدر من فوق كومة القش ووقع من على سطح المنزل ومات فى الحال..

وارتفع صوت الديك بالأذان وظل طوال النهار يصيح على غير عادته وخاصة عندما كان أهل القرية يحملون جثمان صاحبنا إلى مثواه الأخير!!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1056 مشاهدة
نشرت فى 12 إبريل 2014 بواسطة mohamedalkady

رجوع الشيخ إلى صباه

عشت سنوات طويلة أكتم ما أشعر به في قلبي.. حال بيني وبين إظهار ما أشعر به أشياء كثيرة.. ما يعرفه الناس عني من الالتزام الديني.. وطبيعة عملي التي تقتضي أن أكون محافظا على التقاليد والأعراف ومنضبطا أمام الجميع وخاصة طلابي الذين أمثل بالنسبة إليهم قدوة حسنة وقيمة كبري.. تحول بيني وبين الكثير مما أريد أن أفعله..

ولكني تعبت .. نعم تعبت.. ولم أعد أتحمل كتمان هذا الحب في قلبي.. وخاصة أنني بدأت أشعر في الفترة الأخيرة بآلام عضوية في قلبي زادها ألم البعد والهجران والحرمان.. ولو كان هما واحدا لاحتملته ولكنه هم وثان وثالث.

فقلت: لم أتحمل مشاق كتمان هذا الحب الذي يملأ قلبي لها؟!.. وما العيب أن أبوح بحبي؟!.. هل الحب حرام؟!.. أنا لم أقترف إثما أو ذنبا.. لقد حاولت كثيرأ أن أسلي القلب بغيرها على مدار السنوات الطويلة الماضية ولكني لم أستطع على الرغم من أن غيرها كن يفقنها كثيرا في نظر الآخرين.. إذن لو بحت بحبها ربما أشعر براحة تخفف عني آلامي.. نصحني الكثيرون أن أراجع الأطباء ربما يجدون حلا لمشكلتي.. ولكنني أعرف طريق الأطباء فهو ليس مفروشا بالورود.. سينقّلني الأطباء بينهم كالكرة على اختلاف تخصصاتهم .. فحالتي من وجهة نظرهم تحتاج إلى فريق من الأطباء من ذوي التخصصات المختلفة.. ولن تؤدي رحلتي مع الأطباء في النهاية إلى حل جذري..  فلقد جربت هذا الطريق كثيرا من قبل.. إنها حلول مؤقتة تنتهي بانتهاء مفعول الدواء.. وسترجع ريمة لعادتها القديمة.. حنين وشوق إليها وعدم مقدرة على الوصول إليها.. وأمرّ ما في الأمر أن نظري يقع عليها كثيرا فهي جارتي في السكن.. سامح الله جاري حنفي الذى اتخذ لنفسه محلا على ناصية الشارع.. فعيني تقع في عينه كل يوم في الذهاب والمجيء.. هو ينظر إلي نظرات غريبة.. كأنه يتهمني بشيء ما.. كان بوسعه أن يسكن بعيدا عني ولكنه لم يجد مكانا يسكن فيه في الدنيا كلها إلا في الشارع الذي أسكن فيه.. لقد ارتبط بها حنفي منذ سنوات بعيدة .. والعجيب أنه شُهِرَ بها وشُهِرَت به.. فلا يذكرها أحد إلا ذكر معها حنفي.. ولا يُذكر حنفي إلا ذكرت معه.. قلت في نفسي أول الأمر سأصبر.. وأتحمل.. تحملت كثيرا ولكني فشلت في النهاية أن أحتفظ بحبي.. وها أنا ذا أبوح به.. وأزيد على البوح أنني لن أتخلى عنها ..بالله عليكم لا تلوموني.. فهذا قضاء الله في.. لن أنسى حبها ولن أتخلى عنه.. نعم لن أتخلى عنه.. ألا إنما الحب الذي صدع الحشا قضاء من الرحمن يبلو به العبد.. من يريد أن يقل شيئا فيقل.. ومن يريد أن يتهمني بشيء فليفعل.. فلم يعد يهمني في هذا الموضوع أحد .. ولن أبالي بكلام أحد فيه.. فأمثالي كثيرون يعانون مثلما أعاني.. ويفعلون ما يريدون ولا يلومهم أحد.. وكل أعلم بنفسه وما يصلحه وما يضره.... فلماذا أنا بالذات سألام وخاصة من زوجتي التي تحبني كثيرا ومن بناتي الحبيبات.. فلا شك أنني قيمة كبيرة عندهم.. ولكني اعترف اليوم بحبي لها وعدم صبري عنها.. قولوا : زل الشيخ.. قولوا: ضاع الوقار.. قولوا : زالت الهيبة .. أعرف أن ما سأفعله حركة صبيانية .. ولكني لم أعد أتحمل.. لم أعد أتحمل .. لقد قررت قرارا لا رجعة فيه سأذهب الليلة بعد العشاء إلى محل حنفي أظنه سيفرح بي.. نعم سيفرح بي أظنه كان يتهمني في نفسه بالبخل.. فأنا لم أشتر منه طبقا واحدا منذ أن فتح محله..  سأطلب منه طبقا كبيرا من أم علي حبيبتي الغالية وسألتهمه التهاما ولن يهمني السكر ولا الضغط ولا أي مرض.. فليرتفع السكر كيفما شاء .. لا ضير حقنة أنسولين سوف تحل المشكلة.. واستمتع يوما بما حرمني منه مرض السكر عافاكم الله جميعا من الأمراض!!!   (تمت)

  • Currently 10/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
2 تصويتات / 328 مشاهدة

الدكتور/ محمد محمود القاضي

mohamedalkady
موقع شخصي يهتم صاحبه باللغة العربية ودراساتها، والثقافة الإسلامية، والثقافة العامة، والتأليف للطفل. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

148,085