يرى بعض الباحثين وجود مواصفات يجب تحقيقها في أية عملية إبداعية، وهذه المواصفات تراعى لذاتها؛ لأنه لا قوام للعمل الأدبي إلا بها، ولا ينبغي- لهذا- خلطها بغيرها مما لا حاجة للفنان إليه، بل مما عساه أن يعوقه عن أداء رسالته، فالشعر مثلا ليس له غاية وراء نفسه، فإن اتجه نحو غاية خلقية فقد نقص من قوته الشعرية لذلك "فليوفر أصحاب الهدفية كلامهم، وليسلموا معنا بأن الأدب في ذاته، وبصرف النظر عن متلقيه، أي بمجرد صدوره يكون أدبا هادفا، وما عليهم إلا أن يقولوا أدبا تنطبق عليه- فنيا- كلمة أدب".
في حين رأى باحثون آخرون أنه لا يمكن الفصل بين الفن والأخلاق، فالعلاقة بينهما قائمة في أكثر من موطن.
وأول هذه المواطن يتصل بطبيعة العمل الفني نفسه، فهو تعبير عن عواطف معينة، وهذه العواطف تحمل في ذاتها مميزات أخلاقية، إذ من النادر وجود عاطفة خالية من الصبغة الخلقية، وما دام الشاعر- مثلا- لا يميت الضمائر، ولا يفسد العواطف، ولا يضعف الإرادة، فهو أخلاقي، أو على الأقل منسجم مع الأخلاق.
كما أن التعبير عن هذه العواطف يريحنا منها، ويخلصنا من ضغطها علينا، وهو ما سماه أرسطو "Aristoteles" (384- 322 ق.م) بالتطهير، وجعله مهمة الشعر الأصلية.
وتكاد تتضح علاقة الدين بالأدب في ثلاث فرق: فرقة تتمسك بموقف القرآن والرسول والخلفاء فى قبول الشعر الذي يتفق وروح الإسلام، وترفض ما عداه، وتسقط قيمته الفنية في معيارهم لخروجه على تعاليم الدين (يمثل هذه الفرقة ابن قتيبة (ت 276هـ). في كتابه الشعر والشعراء، وأبو بكر الباقلاني (ت 403هـ). فى كتابه إعجاز القرآن، ومسكوية (ت 421هـ). في كتابه تهذيب الأخلاق.
وفرقة ترى أن الدين ينبغي ألا يكون مقياسا للحكم على شاعرية الشعراء وقيمهم الفنية، فالشعر الذي توافرت له شرائط الفن الشعري الرفيع ينبغي أن يوضع فى مرتبته، وإن خرج على القيم الدينية والأخلاقية؛ لأن هذا الخروج لا ينزل به عن درجته الفنية، ولا يسوغ رفضه، (ويمثل هذا الفريق: ابن سلام الجمحي (ت 231هـ). في كتابه طبقات فحول الشعراء، وقدامة بن جعفر (ت 337هـ). فى كتابه نقد الشعر، والقاضى على بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392هـ). في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه).
وفرقة أخرى تتأرجح بين هذه وتلك، فترى نظريا أن الشعر يضعف إذا دخل من باب الدين والخير، حتى إذا حان وقت التطبيق نفرت من كل شعر يخرج على قيم الدين ومواصفات الأخلاق. ويمثل هذه الفرق عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 215هـ). في كتابه الأصمعيات.
واستخدام الاتجاه الأخلاقي في تعليم الأدب ونصوصه تدعمه بعض الدراسات والبحوث المعاصرة منها دراسة أحمد فضل ( 1996)بعنوان : جماليات النص الشعري للأطفال: تناولت هذه الدراسة متابعة لجهود اثنين وعشرين شاعرا مصريا وعربيا، قدموا خمسمائة وخمسة وعشرين نصا شعريا مكتوبا للأطفال في خمسة وعشرين ديوانا، كما اشتملت الدراسة على ملحق للمراجعات احتوى على قراءة في أربعة كتب،"وانطلقت الدراسة من الرؤية الإسلامية الصافية التي تنمى في صغارنا الإحساس والتذوق الجمالي للكون وللحياة وللإنسان، وتبث فيهم قيم الحق والخير والجمال".
وتوصلت هذه الدراسة إلي نتائج، وظواهر، وملاحظات نوجزها فيما يأتي:
· لا يستجيب الطفل لأفعال الأمر المباشرة؛ لأنه عنيد بطبعه، ويلزم عند التعامل معه نوع من المرونة والذكاء؛ كي يستجيب للنصح والإرشاد؛ لذلك فإن النص الذي يحتوى على كم كبير من هذه الأفعال يعد غير مناسب لمرحلة الطفولة.
· يعد التوظيف الشعري للحديث النبوي الشريف خطوة متقدمة وهادفة على طريق النص الشعري المكتوب للأطفال، وما زال المجال مفتوحا أمام شعرائنا لإقامة علاقات أدبية، وشعرية جديدة، واستثمار طاقات أوسع وأرحب من تلك التي قرأناها في عدد كبير من الدواوين الشعرية المكتوبة للأطفال، كما إن المجال مفتوح لاستثمار حياة أبطال المسلمين وعلمائهم، عن طريق القصة الشعرية البسيطة، أو عن طريق الحوار البسيط بين شخصيتين، أو طفلين يتحدثان عن البطل، أو عن العالم وآثاره، ومؤلفاته والإضافات العلمية التي أضافها لعصره، وللعلم الذي تخصص فيه، وما إلي ذلك.
· إن النصوص التي يقدمها الشاعر للأطفال يجب أن تحمل المعلومة والقيمة الإسلامية بالإضافة إلي القيمة الفنية والجمالية، ويجب أن تكون هناك حدود لا يتنازل عنها الشاعر، من أهمها: الموسيقى، وسهولة الألفاظ أو خفتها.
· تسهم القصائد الحوارية فى تعود الطفل على السلوك والتفكير الجماعيين والإنصات إلي آراء الآخرين، وتحفزه على التفكير، والرد بطريقة مناسبة تنمى فيه استقلال الشخصية، واحترام ذوات الآخرين الذين يتحدثون معه، كما تحاول ترسيخ مفهوم الصداقة بين الأطفال.
· إن معظم النصوص المكتوبة للأطفال في هذه المجموعات تمور بالحركة، والحيوية والنشاط، فمثلا: نرى الصغير يقوم من نومه، ويرتب أشياءه، ويعد حقيبته في نشاط وحيوية.
· من المآخذ الفنية على بعض النصوص طول السطر الشعري بطريقة لا تتناسب مع الشعر الموجه للأطفال الذي من المفروض أن يكون سريع الإيقاع، ذا جمل قصيرة، وتقفية دائمة، حتى وإن كانت متنوعة.
· إن النصوص المعاصرة التي قدمها الشعراء للأطفال لم تتناول الحقائق العلمية، والمنجزات، والاختراعات الالكترونية التي يراها الأطفال يوميا، ويتعاملون معها، ويحبون أن يشاهدوها، ويلمسوها، ويجلسوا إليها، خصوصا الحاسوب.
· تلعب الأم والمدرسة أهم الأدوار في صناعة ثقافة الطفل وقدراته الذهنية والعاطفية، وتتدخلان في توجيهها وتشكيلها بقدر كبير، لذا فقد اهتم عدد كبير من الشعراء بهذين القطبين المؤثرين، وكتبوا عنهما الكثير من النصوص الشعرية.
· تمثل الطبيعة عنصرا مهما في شعر الأطفال، ويحرص جميع الشعراء الذين يكتبون للأطفال على أن ينهلوا من هذا العالم الغنى، وقد وجدنا مجموعات شعرية كاملة اتخذت من الطبيعة خلفية لها، أو مسرحا أو عالما محببا إلي الطفل.
· قد يكون من السهل على الطفل حفظ بيت الشعر أو الجملة الشعرية، ولكن سيكون من الصعب عليه فهم معناها ومغزاها، أو ما تهدف إليه، إذا امتلأت بالألفاظ الصعبة على الفهم، أو الصعبة فى النطق، أو الصور المركبة؛ لذا يلجأ بعض الشعراء إلي الشروح، والتعليقات على عدد كبير من المفردات الشعرية بهوامش الصفحات، وهذا يشير إلي عدم قدرة الشاعر على التقاط المفردة السهلة البسيطة المعبرة عن المعنى الذي يود إيصاله إلي قارئه.
· من أهم الأساليب التي اعتمد عليها بعض الشعراء والمناسبة لسن الطفولة أسلوب التكرار، سواء تكرار المعنى، أو تكرار اللفظ، إن التكرار من شأنه المشاركة في تأكيد المعنى الذي يتحدث به الطفل، كما يسهم في إثراء الموسيقى بتكرار الأصوات كما هى، ولكن يجب عدم التوسع فى استخدام التكرار؛ حتى لا يفقد أهميته، كما يجب استخدامه عند الضرورة الفنية الملحة؛ حتى يكون إيجابيا ومؤثرا.
ومن الدراسات التي تمت في ضوء هذا الاتجاه دراسة عمر أحمد علوان (1988):هدفت هذه الدراسة إلى: تقويم الأناشيد والمحفوظات المقررة على الصفوف الثلاثة الأولى من الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، واستخدم الباحث لذلك الغرض معياراً أمكن في ضوئه تقويم الأناشيد والمحفوظات المقدمة في مرحلة التعليم الأساسي ، وتمثلت عينة الدراسة في مجموعة من الأناشيد والمحفوظات المقررة على الصفوف الثلاثة الأولى من الحلقة الأولى من التعليم الأساسي.
وتوصلت هذه الدراسة إلى نتائج كان من أهمها:
· قلة الأناشيد والمحفوظات المقررة بالنسبة لعدد الموضوعات الثقافية الأخرى.
· عدم توزيع الأناشيد توزيعاً سليماً بين الصفوف الثلاثة الأولى.
· لا يعمل المقرر الشعري على إكساب التلاميذ الحركة والنشاط بدرجة كافية.
· لا يتصل المقرر الشعري بالبيئة المحيطة بالطفل اتصالاً كافياً.
· لا يدعو المقرر الشعري إلى التمسك بأمور الدين بدرجة كافية.
· لا يشتمل المقرر الشعري على الأنواع الأدبية مثل القصة والمسرحية والألغاز..... بدرجة كافية.
· لا ينمى المقرر الشعري طموح الطفل واعتزازه بنفسه وأسرته بدرجة كافية.
· لا يعمل المقرر الشعري على تنمية الإيجابية والتغيير وروح الابتكار والتفكير العلمي لدى الطفل.
ومن الدراسات الأجنبية المعاصرة الخاصة باستخدام المدخل الأخلاقي في تعليم الأدب دراسة مارني (Marnie Oneill 1993 )بعنوان :تقصى الإرشاد الأخلاقي في الأدب، تنمية لمعلمة اللغة الإنجليزية قبل الخدمة،تناولت هذه الدراسة تنمية تفكير معلمة اللغة الإنجليزية في دراسة وتعليم الأدب، وهى دراسة أجريت على عينة من أربع عشرة معلمة، شاركن في برنامج عنوانه: "فهم الأدب لتعليمه".
ولقد تمت مقابلتهن في بداية برنامج الإعداد الخاص بهن في الكلية، وكذلك في نهايته، وقد غطت كل مقابلة ثلاثة الجوانب الآتية:
· خبراتهن الأدبية من خلال الأسرة أو المدرسة.
· مفهومهن عن الأدب، متضمنا استجابتهن لبعض النظريات التحليلية لنص معين.
· أفكارهن عن تعليم الأدب من خلال نصوص معينة.
ودلت نتائج الدراسة علي أن نمو الفرد بالنسبة للأدب يتوازى مع مراحل النمو العقلي، والأخلاقي.
أيضا دراسة عبد العزيز المقوشي(1994):تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على مدى ارتباط محتوى منهج الأدب العربي للمرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية والأهداف بالمعايير الإسلامية للأدب ومدى تطابقها أو تناقضها أو نقصها لتقديم الحلول والمقترحات.
ولتحقيق هدف هذه الدراسة قام الباحث بتحليل محتوى منهج الأدب وأهدافه.
وأشارت نتائج هذه الدراسة إلى :
· عدم توفر 90.7% من المعايير المتعلقة بالأهداف، حيث لم يتوافر في كتب الأدب للصفوف الثلاثة إلا ثلاثة معايير، معياران توافرا بدرجة كبيرة، ومعيار توافر بدرجة متوسطة .
· صعوبة محتوى منهج الأدب للصف الأول الثانوي ، وقلة ملاءمته لقدرات الطلاب في هذا الصف والسن، وتكمن الصعوبة في المعلقات وألفاظها الغريبة .
· لم يهتم محتوى المنهج: بإلزام الطلاب حفظ نماذج من الأدب الجيد، مثل : خطب الرسول ، وخطب الصحابة رضي الله عنهم .
· أعطى محتوى المنهج أدب الدعوة مركزا ثانويا بين فصول الكتب وقلل منه حتى كان في كتاب الصف الثاني ورقتان .
· لم يهتم محتوى منهج الأدب في إبراز واقعية الإسلام وإيجابيته إلا في موضوعات قليلة لا تتعدى موضوعين في جميع الصفوف .
· لم يلتزم محتوى منهج الأدب بالأسس التعليمية ، والتوجيهات المذكورة في كتاب منهج المرحلة الثانوية .
· لم يركز محتوى المنهج على عناصر التصور الإسلامي وحقائقه ( الكون، والإنسان، والحياة )، بطريقة مباشرة.
· أسهب محتوى المنهج في تفصيل موضوعات تتعارض مع التصور الإسلامي وتصل أحياناً إلى حد الشرك .
دراسة محمد أديب الجاجي (1999):هدفت هذه الدراسة إلى: تحديد الرؤية الإسلامية للعمل الأدبي المقدم للأطفال ، وحدد الباحث ثمانية معايير يتم في ضوئها صناعة أدب الأطفال، وشملت عينة الدراسة مجموعة متنوعة من الأدب المترجم للأطفال : قصص حكايات ، صور، نماذج من الشعر المسرحي .
وتوصل الباحث إلى نتائج أهمها:
· وضع معايير عامة وموضوعية (ثمانية معايير) يتم صناعة النص الأدبى على أساسها، وهى المعيار (الشرعي، والعلمي، والقيمي، والمرحلي، والفني، والمهني، والسلامة، والنقدي).
· خطورة ما يقدم للأطفال من أساطير وخرافات وخوارق وأسحار تخالف الرؤية الإسلامية.
· تحديد الدراسة لمفهوم المنظور الإسلامي، بحيث يهيمن على بقية مجالات أدب الأطفال.


ساحة النقاش