محمد اللكود ..... الحرية اختيار حياة

مساهمات متنوعة لتنمية المجتمع الإنساني

النقد والتهكم النقد وسيلة من وسائل تحرير الأفكار من النمطية والأفكار الثابتة فهو عملية عقلية عليا ،أو مهارة في التفكير ، حيث يحلل الناقد الفكرة أو العبارة ليبين ما فيها من صواب أو خطأ ، وهى ميزانٌ توزن به أفعال الإنسان، فالغاية من انتقاد العقل هي الوصول إلى الحقيقة، فهو نشاط جمالي وأخلاقي بآن معاً، يهدف إلى الكشف عن الانحراف ومعاقبة صاحبه معاقبة أدبية تهدف إلى إصلاحه وتبيان خطئه أما التهكم : ، فهو الإزراء والعبث بالمتهكم به، والذي يشترط أن يكون إنساناً، فلا تهكم بحيوان أو نبات أو جماد، يقوم إمّا على إرسال القول على غير وجهه كأن تقول قولاً وأنت تقصد ضده. ومن قولك: عظيم وأنت تقصد ما أسوأ ذلك أو تقول خيرُ ما فعلت ومرماك أسوأ ما فعلت وغير ذلك من أمثاله، وإما أن يقوم على المبالغة المقصودة في الوصف أو التقدير إلى حد الطرافة والشذوذ. وقد يكون وصف أشكالٍ أو أفعال. وظيفة مزدوجة وذلك عن طريق الهزء والسّخرية بالغلط والتمادي والجهل والغباء وغير ذلك مما يشبهه، ولكنه من جهة ثانية قد يساء استعماله إذ إنَّه قد يحمي أحياناً أشياء مؤسفة ومن الطبيعي أَن يكون هناك أنواع متعددة من التهكم ولكنها «ليست كلها صالحة بالطبع» وبالتالي يمكن القول: ثمة «تهكم سمج ثقيل منحط، وتهكم خفيف رهيف، هناك تهكم شرير، وتهكم مزدرٍ أو عطوف، هناك تهكم ساذج وتهكم عليم؛ هناك تهكم عدوٍّ للإنسانية وتهكم محبِّها. هناك تهكم القاتل الذي يسخر من ضحيته، والتهكم الذي قد يوحي إلى مُثل ومهما تفاوتت أنواع التهكم فإنها تصدر عن طبيعة من يستخدمها وتتأثر بظروف حياته. أَوَّلاً: التهكم والضحك لعل الغرض الرئيس الذي يقف وراء التَّهكم في نظر الجاحظ هو الإضحاك، والضحك فيما هو موضع شبه إجماع المفكرين خاصيَّة بشرية محضة بالدرجة الأُولى، ولذلك راجت أَقوال مثل: الإنسان حيوان ضاحك. وقول «إننا لا نضحك إلا من الإنسان ومن أموره الإنسانية، فلا نضحك إلا فيما هو إنساني» ولتهكم خاصية اجتماعيَّة، بمعنى أَنَّه يفترض مسبقا مجتمعاً حاضناً له، فالضحك في المسرح يكون أشدَّ كلما كانت القاعة أكثر امتلاءً بالناس. أَهمية الضحك: - يعبر الضحك عن الانبساط والفرح والسرور والانشراح والغبطة والسعادة والهناء - نقيض الحزن والأسى والألم واللوعة والمرارة... - من فضائل الضحك وفوائده عند الجاحظ بقوله: « أنا أزعم أنَّ البكاء صالحٌ للطبائع، ومحمود إذا لم يجاوز المقدار ودليلٌ على الرِّقة والبعد من القسوة... والضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور إلى أن ينقطع عنه سببه. ولو كان الضحك قبيحاً لما قيل للزهرة والحِبْرَة والحَلي والقصر المبني: كأنَّه يضحك ضَحِكاً». - الضحك مرتبط عند الجاحظ بالحياة مقابل مقابلة البكاء بالموت، من شاهده القرآني الذي انطــلق منه عنــدما قال: «وقد قال الله، جلَّ ذكره: { وأنَّه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا } فوضع الضّحك بحذاء الحياة ووضع البكاء بحذاء الموت، - أصل الطباع وفي أساس التركيب؛ لأنَّ الضَّحك أوَّل خير يظهر من الصبي، وبه تطيب نفسه وينبت شحمه. من فضائل الضّحك انه شائع بين الناس ومتداول منذ القديم، فاشتقوا من الضّحك الأسماء الجميلة المحببة وإذا أرادوا ذمَّ امرئٍ نعتوه بنقيض الضّحك، فقال: «ولفضل خصال الضّحك عند العرب تسمِّي أولادها بالضَّحاك وببسَّام وبطلق وبطليق وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن، وبسَّام العشيات، وهشٌّ إلى الضيف، وإذا ذمُّوا قالوا: هو عبوسٌ ، مكفهرٌّ أبداً، وهو كريهٌ، ومقبَّض الوجه، وحامض الوجه، . ثانياً: التَّهكم دفاع عن الذات يكون دفاعاً عن الذات ضد الآخرين ودفاعاً عن الذّات ضد الذّات وضد ذوات الآخرين ولا يتوقف عند ردود الأفعال التهكَّمية الصادرة عن الحسَّاد، ولا يختص بتهكم الخائفين لافتقارهم إلى الوسائل الدفاعية ، ولكن للتخلص من أي مأزق وتهرباً من قول حق، و تملّصاً من واجب غير مستحب.... وهو ليس من سوء النية والشراسة. وربَّما صحبته مشاعر الطيبة والتعاطف والصلاح. ومن الملاحظ أن التهكم يحمي الضعف أيضاً» هو دفاع عن الذات ليحمي ضعفها أمام جبروت السلطان، وبهذا المعنى يكون التهكم دفاعاً عن الذات: ثالثاً: التَّهكم احتجاج يشكل التهكم ضرباً من الاحتجاج السَّاخر على أَي خلل أَو خطأ لا من البشر وحسب بل وربما من الحياة ذاتها، هو شجب لأفعال الأشرار وسخافات الحمقى، إنَّه نقدٌ لا يكتفي بمجرَّد الكشف عن الأخطاء وتبانها، بل إنَّه يحتجُّ عليها أيضاً، ولكنه احتجاجٌ لا يخلو من الذكاء والدهاء فالتهكُّم بابتسامة يحبب إلينا الحياة، فهو رقيق وفيه عطف، فضحكه يكظم من الغيظ، وهذا هو التَّهكُّم الذي يعلمنا أن نسخر من الأشرار والحمقى، ولولاه لأفضى بنا الضعف إلى كراهيتهم». الجاحظ والتهكم : أَفرد الجاحظ كتاباً خاصاً كاملاً هو كتاب البخلاء، رأى في التهكُّم إضفاء مسحة جمالية على الحياة بجعل الفكاهة ترفُّ على النفوس. وذلك بشجب أفعال الأشرار وسخافات الحمقى والاحتجاج عليها ، وهي طريقة أنيقة وشفافة. والتهكم له أنموذجين إلى تحقيق الغرض الوظيفي منه، الأَول لسلوك تهكمي يتشفَّى من موقف غير لائق ولا محمود. وفي الثاني لحوار: أ- التَّهكم تَشَفِّي في التَّهكم احتجاجٌ وفيه تشفياً أَيضاً من قبل المتهكم بالمتهكم به، وهو نابع إما من ضعف المتهكِّم وعجزه عن المواجهة أَو من نفسيَّة حاقدة أَو ربما من حمق المتهكم به أَو جهالته التي تستدعي التَّهكم به من الآخرين، فهي تتسع لاحتواء الهزء والسّخرية بالغلط والتمادي والجهل والغباء، ليغدو تهكم التشفي نشاطاً جمالياً وأخلاقياً بآن معاً، يهدف إلى الكشف عن الانحراف ومعاقبة صاحبه معاقبة أدبية بهدف إصلاحه وتبيان خطئه، يقول الدكتور عادل العوا التهكم أسلوب عام ممتاز، ولكن من الجائز أن يساء استعماله؛ إنه أسلوب دفاعي قد يحمي أحياناً أشياء مؤسفة. هناك تهكم العاجزين الذين لا يملكون سواه. إنهم يسخرون مما لا يستطيعون فهمه، ولا يستطيعون الشعور به، ولا يستطيعون فعله. وهناك تهكم الحساد. فقد نجد أناساً غير عاجزين ولكنهم يحبون أن يروا الآخرين عاجزين. ولذا فإنَّهم يحملون الناس، ويحملون أنفسهم على تقدير ما يبقى لهم.... ب- : التَّهكم الذاتي إنَّ التهكم بوصفه فناً صفة الإنسان الموهوب فإنه طبع من طبائع الإنسان ولذلك ليس من السهل أَن يتخلى الإنسان عن هذا الطبع أَو يتركه ، أنَّه مرتبط بسرعة البديهة في الرد ونوعية الرد ، والمطبوع على التهكم مغرم به وغالباً يأتي منه بعفوية من غير تكلف، ومن بعض هذه الطرائف الجاحظيّة في التهكُّم كونه مطبوع على حبِّ التهكُّم واصطناع الفكاهة :قال : «دخل عليه رجل فقال له: يا أبا عثمان، كيف حالك؟ فقال الجاحظ: سألتني عن الجملة فاسمعها مني واحداً واحداً. حالي أن الوزير يتكلم برأي وينفذ أمري، ويواتر الخليفة الصلات إلي، وآكل من لحم الطير أسمنها، وألبس من الثياب أفخرها، وأجلس على ألين الطبري، وأتكئ على هذا الريش، ثم أصبر على هذا حتى يأتي الله بالفرج. فقال الرجل: الفرج ما أنت فيه. قال: بل أحبُّ أن تكون الخلافة لي، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري ويختلف إليَّ، فهذا هو الفرج» إن التهكم الذاتي عند الجاحظ ينبثق من عمق شخصية واثقة متزنة، ويقوم على خصائص وسمات أخلاقية سامية رفيعة تستحق الإعجاب والتَّقدير، كالبساطة البعيدة عن والغرور والبعد عن متاهات الخداع والتضليل، ويقول: « ما أخجلني أحدٌ إلا امرأتان، رأيت إحداهما في العسكر، وكانت طويلة القامة، وكنتُ على طعام، فأردت أن أمازحها، فقلت لها: انزلي كلي معنا، فقالت: اصعد أنت حتى ترى الدنيا!! وأما الأخرى فإنها أتتني وأنا على باب داري فقالت: لي إليك حاجة وأريد أن تمشي معي، فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ وقالت له: مثل هذا!!! وانصرفت. فسألت عن قولها فقال: إنها أتت إليَّ بفصِّ وأمرتني أن أنقش لها عليه صورة شيطان! فقلت لها: يا ستي ما رأيت الشيطان؟!! فأتت بك وقالت ما سمعت؟!!». «قال: سألني بعضهم كتاباً بالوصية إلى بعض أصحابي، فكتبت له رقعة وختمتها، فلما خرج الرجل من عندي فضَّها فإذا فيها: «كتابي إليك مع من لا أعرفه، ولا أوجب حقَّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددت لم أذمَّك» فرجع الرجل إلي فقلت له: كأنَّك فضضت الورقة؟ فقال: نعم. فقلت: لا يضيرك ما فيها فإنه علامة لي إذا أردت العناية بشخص. فقال: قطع الله يديك ورجليك ولعنك. فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا علامة لي إذا أردت أن أشكر شخصاً . «قال: أتيت منزل صديق لي فطرقت الباب فخرجت إليَّ جارية سندية فقلت : قولي لسيدك: الجاحظ بالباب. فقالت: أقول الجاحد بالباب؟ على لغتها. فقلت: لا، قولي: الحدقي بالباب. فقالت: أقول الحلقي بالباب؟ فقلت: لا تقولي شيئاً، ورجعت». وتهكمه بمرضه: يقول: « قد اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي» وتتصالح الأَضداد في جسده يقول: أنا من جانبي الأيسر مفلوج، فلو قُرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرس، فلو مرَّ بي الذبان لألمت، وبي حصاة لا ينسرح البول معها، وأشد ما عليّ ست وتسعون (عمره حينها). إن نزوع الجاحظ التهكمي أَصيل في طبعه، ولكن البيئة والتربية تلعبان دوراً حاسماً في ذلك، ولسنا قادرين على البت فيما إذا كانت الوراثة تلعب أَي دور في ذلك، بالإضافة إلى ما سبق شخصية أمِّه ونزوعها التهكم به : «يروى أنَّ أمَّه ضاقت بانهماكه في الدرس والقراءة، فطلب منها يوماً طعاماً، فجاءته بطبق مليء بكراريس أودعها البيت، وقالت له: ليس عندي من طعام سوى هذه الكراريس. تريد أن تنبهه إلى التكسُّب ـ ولكن الجاحظ على صغر سنِّه أبى أن يترك الأمر يمرَّ هكذا دون ردِّ، وكان الردُّ تهكميَّاً أيضاً فقد ـ ذهب إلى الجامع مغتمَّاً، ولقيه مويس بن عمران أحد رفاقه الأثرياء في الدرس. فسأله: ما شأنك؟ فحدَّثه بحديث أمِّه، فأخذه إلى منزله وأعطاه خمسين ديناراً، فأخذها فرحاً، ودخل السوق، واشترى الدقيق وحمله الحمَّالون إلى داره، وسألته أمُّه: من أين لك هذا؟ فقال لها: من الكراريس التي قدَّمتها إليَّ» خوَّف الناس من شر لسانه وأظهر البخلاء بخلهم ليذكرهم وينتشر ذكرهم في البلاد فتبتعد الناس عنهم وتذم تصرفهم، وبدائع تهكمه حتى الآن، قال: «نسيت كنيتي ثلاثة أيام فسألت أهلي : بم أكنَّى، فقيل لي: أبو عثمان».

المصدر: مقالة الدكتور احمد غنام
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 27 مارس 2020 بواسطة lkoud

عدد زيارات الموقع

25,538