قصــة قصــيرة
عبدالجواد خفاجى
سـكينة
كان لها أن تستمر في حزنها لولا أنها في لحظة ما سألت نفسها: ماذا عساه يجدي هذا الحزن؟! .. هكذا سألت "سكينة" نفسها قبل أن تنخرط ـ كعادتها ـ في البكاء.
كل صباح تتطلع إلى دكةٍ خشبية متهالكة بجوار الباب، عليها ما عليها من غطاء قديم ووسادة خالية إلا من عمامة بيضاء ملقاة فوقها بعناية، ترتاح بجوارها عصًا خزرانية معقوفة، وثمة مسمار تليد مدقوق في حائط جانبي تستبد به العناكب والشقوق، وثمة جلباب أبيض داكن يتدلى من المسمار لتلامس أطرافه السفلي الدكة الهامدة.
ـ " لا شيء يبقى، أو لكأننا ها هنا منذورون للموت!" .. كلمات كانت تتردد في سريرتها كل صباح، وهي تتأمل المنظر الصامت، وقد داهمتها كثير من تفاصيل حياتها مع المرحوم.
كان ها هنا ، بأنفاسه، وحركته الحثيثة، وسعاله الذي لا يهدأ .. أليفها الذي رحل .. المرحوم حسانين .. خمسون خريفاً عاشتها معه، لم تنجب منه سوى ولديها الذين لم تشهد موتيهما .. استشهد أكبرهما في سيناء.. قالوا لها النكسة، وقالوا لها قبر الجندي المجهول، وقالوا وقالوا:.....
مرة واحدة آثرت أن تبيع ما لديها من طيور داجنة؛ بغية تدبير نفقات السفر إلى القاهرة .. لم يكن قد سبق لها أن ركبت قطارًا، ومع ذلك جازفت .. اصطحبت زوجها الذي لم يكن هو الآخر يعرف غير أنهما مسافران إلى هناك ، حيث التراب الذي يحوي جسد ابنهما .. قالا إنهما نزلا في باب الحديد، وسألا خلقاً كثيرين عن قبر الجندي المجهول، وقالا إن بعضهم أشار ساخرًا إلى تمثال منصوب أمام محطة القطارات، وقالا إنهما عاينا وجوهاً كثيرة ساخرة، وشفاهًا صامتة ممطوطة، إلى أن أشار أحدهم إلى حافلة (باص) كانت على وشك الحركة.
زمن طويل مضى على تلك الزيارة التي باتت بعد ذلك حلمًا يتجدد، إلى أن ودَّع زوجها دنياه فكان كمن خطف حلمها .. لم تعد تحلم، ولم يعد الحلم يراودها الآن، وقد أضحت وحيدة تتجرع آلام تذكاراتها البائدة .. لقد تقدم العمر بها، ولم يعد ثمة متسع حتى لأن تحلم.
أما ابنها الثاني فقد سافر منذ زمن بعيد إلى العراق، مع من سافر من أبناء البلدة، غير أنهم عادوا بغيره، قيل لها إنه مات هناك في الحرب التي دارت رحاها بين العراق وإيران، وقيل لها ربما أنه أسير لدي إيران ، وقيل لها: .......
ربما لذلك كان فراق زوجها أكثر ألماً وأشد حزناً، وقد تركها وحيدة في بيت قديم رطب مظلم ليس فيه غير أنفاسها المتخامدة التي تستبد بها أحزان تطبق على صدرها في المساء حتى يغلبها النوم، غير أنها كانت تعاودها في الصباح حين تتأمل المنظر الساكت في سقيفة بيتها.
هذا الصباح وبعد أن تفحصت محتويات الدِّكة، وقد آلمها أن تراها هامدة ساكتة ساكنة بلا نفسٍ أو سعال،عاودتها ذكريات لحوح: لم تكن تسمع منه غير كلماته الودودة، وهو يلهج بأمنيته التي لم تكن تفارق شفتيه: سنذهب سويًا إلى الحج يا سكينة.. يحثها على الصبر، يذكرها بأن الشهيد يشفع لمائة من أهله، وأنهما سينعمان بشفاعة ابنين لهما في الآخرة .. هكذا كان يذكِّرها كلما رأى دموعها تفيض، وهنالك كان يعرف أن حنينها إلى ولديها يعتصر فؤادها.
كان خطابه إليها مفعمًا باليقين، ومتشحًا بصبرٍ طويل طويل .. مات قبل أن يرى أمنيته تتحقق .. هو يعلم أن الحال لم تكن تؤهلهما لبلوغ أمنية الحج .. هو يعلم أن بيته لا يحوى غير قليل من الحنطة، وسبع عشرة دجاجة وديكين وزوجين من البط، وغير ما هنالك من بعض أزواج الحمام .. هي طيور تزيد أو تنقص يأكلان من أفراخها وبيضها، وغير ذلك لم يكن لهما غير ثلاثة قراريط يزرعها له ابن أخيه، وثمة مبلغ زهيد تتسلمه سكينة كل عام من أخيها كريعٍ عن قيراطٍ وحيد ورثته عن أبيها.
حياة جد متواضعة، وما كان لهما أن يفرطا في قراريطهما التي يتعايشان منها ليؤديا فريضة الحج، وهما يعلمان كم تكلف، وهما يعلمان أنها لمن استطاع إلى الحج سبيلا.. أي سبيل كان عليهما أن يسلكاه؟! .. كانا يأملان من الزمن شيئاً على سبيل الفَرَج الذي يتيح لهما أداء الفريضة.
ثمة ما يحزن أن يرحل الرجل بأمله الموءود ، وربما أن هذا ما يحزن سكينة الآن أكثر. بَيْدَ أنها هذا الصباح فتحت بابها لأول مرة منذ خرج منه جثمان صاحبها.. استقبلت شمس ربها، وقد داهم رأسها هذا السؤال: ماذا عساه يجدي هذا الحزن؟! .. لسبب ما تجهله داهم رأسها هذا السؤال في نفس اللحظة التي دخل فيها أخوها إلى بيتها.
استقبلته بابتسامة ذابلة، ونظرات شاردة .. ربت على كتفها، وقد لاحظ أن ثمة هالات سوداء حول عينيها ، و أن ثمة حزن كظيم يستبد بها، ولم يكن أمامه غير أن يفاتحها في الموضوع .
ــ ستنتقلين للعيش معي يا سكينه.
فغرت سكينة فمها ولم تجب ، وإن كان أخوها قد فهم ما يمكن أن تقول.
ــ يا سكينة أعرف أنها دار عزيزة عليه، فيها ذكريات كثيرة، ها هنا وُلِد ابناك الشهيدان ، وها هنا كانت حياتك مع المرحوم .. هنا مخزن ذكرياتك ورائحة الراحلين، ولكن لا تنسي أيضا يا سكينة أن بقاءك ها هنا مغلف بالأحزان، وأنت تشردين مع الذكريات .. تعاودين ما مضى .. يلفك الصمت والحزن مع بعض أسمال بالية لمن رحلوا .. دعيني أخبرك أن أهل البلد جميعا أنابوني جميعاً لأفاتحك في موضوع مهم.
أنت تعرفين أن المسجد مساحته صغيرة ، وبيتك ملاصق تماماً للمسجد .. ستبيعين البيت يا سكينة لأهالي البلد ليضموه إلى المسجد .. يكفيك شرفاً يا سكينة أن بيتك سيصبح مسجدًا وموئلا لعُبَّاد الله .. فلتفرحي يا سكينة .. دعي حزنك لحظة .. اقبضي ثمن البيت .. أموالاً كثيرة جمعها الأهالي لك .. تنازلي لهم عن البيت .. تعالى معي إلى بيتي .. نعيش سوياً ما تبقى من عمرينا .. لم يعد في العمر متسع أمامك للأحزان .. يمكنك الآن أن تذهبي للحج يا سكينة .. لقد آن لك يا سكينة أن تفرحي ولو فرحة واحدة، وأنت تلبسين البياض، وأنتِ تركبين الباخرة إلى أرض الحجاز .
ولسبب ما شعرت سكينة بأنها فَرِحَة وأن دموعاً بدأت تنسرب من مقلتيها باتجاه الفرح ولسبب ما وضعت كلتا يديها فوق يديّ أخيها الممدودتين، و......................................... ................................................................................................................ ................................. تاريخ طويل من المطارحات يتداوله الناس عن سكينة التي رفضت أن تأخذ من الأهالي ثمنًا لبيتها الذي وسَّعوا به المسجد، وقد باعت قراريطها الأربعة ، وركبت الباخرة باتجاه الحجاز، غير أن ما يذكره الناس أنها ماتت هناك.
(تمت)
نشرت هذه القصة بمجلة العربي بالعدد596 في يوليو 2008 م صـ146


ساحة النقاش