د.ايمان مهران

أعمال تهتم بالإبداع والمبدع والتواصل الإنساني عن طريق الفن

<!--

<!--<!--<!--

بسم الله الرحمن الرحيم  

( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين )صدق الله العظيم (آل عمران : 96)

إشتهرت كسوة للكعبة بلونها الأسود، ولم نتخيل يوماً ما أنها قد تكون بلون مخالف، لكن التاريخ يؤكد على أنها في الغالب كانت بيضاء، وسنتابع معاً صفحات تمس تاريخ الكعبة ولون كسوتها الشهيرة، كما ذكرت المراجع التاريخية.

  يذكر في التاريخ القديم أن أول من كسا الكعبة سيدنا إسماعيل أو  تبع ابي كرب اسعد (ملك حمير اليمنية) (حوالي 400 ميلادي) ، أو عدنان جد الرسول، حيث لم يلتزم أي منهم بلون ما أو بقماش بعينه .

  أما سيدنا محمد (ص) فقد كسا الكعبة بالقماش اليماني، إلا أن  الخلفاء الراشدين، بعد فتح مصر فضلوا كسوة الكعبة بالقباطي المصرية البيضاء و المصنوعة في مدينة الفيوم تحديداً.
      ويذكر الرحالة الفارسي ناصري خسرو، ان هذه الكسوة كانت تصنع مرتين في السنة. وظلت الكسوة تصنع بمصر، ولكن توقف ذلك لمدة اثنتي عشرة سنة بسبب فتنة التتار وقتل الخليفة. ثم أعاد الظاهر بيبرس إرسال هذه الكسوة عقب توليه الحكم.

ويروى الفاكهي بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب أن قال: لما كان عام الفتح أتت امرأة الكعبة فاحترقت ثيابها، وكانت كسوة المشركين، فكساها المسلمون بعد ذلك.

وروي من طريق ابن أبي شيبة عن محمد بن إسحاق عن (عجوز) من أهل مكة قال: أصيب عثمان بن عفان وأنا بنت أربع عشرة سنة، ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس (الكساء الأحمر) يطرح عليه، و(الثوب الأبيض).     قال وروى الفاكهي بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكسو بدنه القباطي والحبرات يوم يقلدها فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شبيبة بن عثمان فناطها على الكعبة.

و روى عبد الرزاق عن أبي علقمة عن أمه قالت سألت عائشة رضي الله عنها أكسوا الكعبة؟ قالت الأمراء يكفونكم، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرت أن عمر رضي الله عنه كان يكسوها القباطي، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان، وأن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.

وروى الأزرقي عن جده قال: كانت الكعبة تكسى في كل سنة كسوتين؛ كسوة ديباج، وكسوة قباطي.

فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أن الديباج يبلى ويتخرق قبل أن يبلغ الفطر ويرقع حتى يسمج، فسأل ابن مبارك الطبري مولاه وهو يومئذ على بريد مكة وصوافيها في أي كسوة الكعبة أحسن، فقال له في (البياض)، فأمر بكسوة من (ديباج أبيض)، فوصلت فعلقت سنة ( 306 هجرية) فأرسل بها إلى الكعبة فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسا: (الديباج الأحمر يوم التروية) ، وتكسى القباطي ( يوم هلال رجب)، وجعلت كسوة (الديباج الأبيض) التي أحدثها المأمون يوم 27 من شهر رمضان للفطر، وهي تكسى إلى اليوم ثلاث كسا.

(هذا كل ما ذكره الأزرقي في تاريخه عن كسوة الكعبة إلى نهاية سنة 243)

وكسوة الكعبة العراقية كانت من قز(حرير) رقيق؛ إحداهما (صفراء)، والأخرى (بيضاء)، وهي التي أمر بعملهما أبو السرايا. وفي عهد بني أمية استمرت كسوة الكعبة من بيت مال المسلمين، وكانت أيضًا تكسى مرتين في السنة، إلا أنه تغير موعد كساؤها، فالأولى كانت يوم عاشوراء، والثانية كانت في آخر رمضان. واستمرت كسوة الكعبة في عهد العباسيين مرتين في السنة، حتى عهد الخليفة العباسي المأمون. 

ألوان الكسوة والنذور

كسوة الأولياء والمساجد جزء أصيل من ثقافتنا الشعبية العربية عامة، والمصرية خاصة وترجع للعصور المصرية القديمة، أما الحرم المكي، فقد ذكر التاريخ من النذور ما قامت به نتيلة بنت حباب زوج عبدالمطلب وهي أم العباس، وقد ضاع ابنُهَا العباس فنذرت لتكسوا الكعبة وحدها إن أعاد إليها ابنها الضائع، فعاد ووفت نذرها فكستها الديباج الأبيض، وهو ما يؤكد عدم إلتزام جهة أو شخص بالكسوة قبل الإسلام، وأيضاً عدم الإرتباط بلون أو خامة بعينها في كسوة الكعبة.

لون الكسوة ودلالاته

قبل دخول الإسلام لمكة لم تذكر المراجع إرتباط اللون بالمعاني والدلالات أو الأحداث، لكن ظل للكسوة اليمانية السيادة بمختلف أنواعها و ألونها وتشكيلاتها الزخرفية ، المخطط منها أو الأحمر اليمني حتى عهد الرسول الذي كساها منه.

بعد فتح مكة وفي عهد الخلفاء كانت الكسوة مصرية ، وفي الغالب من القباطي البيضاء، وفي عهد بني أمية تنوعت الكسوة  بين الديباج  الأبيض والأصفر والأحمر، سواء العراقي أو الدمشقي أو الخرساني.

 أما في العهد العباسي فقد تعددت الألوان حتى وصلت  لعهد الناصر لدين الله العباسي وكانت لأول مرة تحمل اللون الأسود .

الكسوة السوداء

    أول من إستخدم اللون الإسود لكسوة الكعبة الخليفة الناصر لدين الله العباسي ولد سنة 553هـ1157م،وتوفي في سنة 622هـ 1225م).

وكان قد كسا البيت الخليفة الناصر لدين الله العباسي الديباج الأخضر قبل أن يكسوه بالأسود ، فاستمر ذلك إلى يومنا هذا .

 

وهي كالتي إستقرت عليه الآن بإستثناء بعض المراحل التاريخية ، ولا يرتبط لون الكسوة حين تبدل أيام العباس بأي دلالة رمزية  ولا إرتباط مع أحداث بعينها.

فقد كساها الإمام سعود بن عبدالعزيز سنة 1221هـ القز الأحمر الفاخر، وفي الأعوام التالية كساها الديباج الفاخر والقيلان الأسود، وجعل إزارها من الحرير الطبيعي الأحمر المطرز بالذهب والفضة.
                                     الإسود ودلالاته اليوم

يرتبط اللون ودلالاته الرمزية بالمكان ورمزية اللون فيه ، والزمان وعلاقته بالأحداث والوقائع التي تتأثر بالشكل والرمز.

ومع الميديا والعولمة أصبح النشر أسهل ، والإنتشار للمعلومة والموضوع وربط الرموز يوسع من قراءة الإنسانية للأحداث.

 لقد إرتبطت بعض الأحداث العالمية برؤية الأصوليين ونتج عن ذلك حوادث عديدة، كان أكثرها تأثيراً أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي ليس للدين الإسلامي ذنب فيها، لكن يعاني الإسلام الآن والمسلمين من مشكلات في التواصل الحضاري مع العالم نتيجة خروج الجماعات المتطرفة بأراء تمس العنف ، التي إتخذت من الدين وسيلة لتحقيق اغراض بعينها.

وقد إستخدمت تلك الجماعات رموز خاصة بها سواء شعارات أو ألوان أو أقوال ، لتتغيرمع ذلك الدلالات الرمزية للون والرمز والألفاظ القديمة، ومدى علاقتها بالتنظيمات الدولية العنيفة التي إتخذت من الشعارات الدينية رمزاً لها، من تلك الملامح تغير الأسود ليصبح له دلالة عند بعض التنظيمات الدولية الأصولية.

داعش واللون الإسود

يعد اللون الأسود واحد من رموز مرحلة الدواعش في العنف الذي تعيشه المنطقة الشرقية للعالم العربي، وهو يرتبط بكل تفاعلاتها ومساحاتها الإلكترونية التي تستقطب بها شباب العالم وشاراتها السوداء التي تذرعها في كل منطقة تستولي عليها، لذا كان لهذا اللون ملامح إرتبطت بالعنف الديني الداعشي الذي إلتصق بالإسلام الأصولي البعيد عن إسلامنا الوسطي الذي نشأنا عليه.

الأسود والحداد

لما كان الدواعش إشتهروا بالقتل والتنكيل بأجساد القتلى، فإن الحداد المقترن بإرتداء أُسر القتلى والشهداء للسواد صار سائد في مناطق تواجدهم، لذا كان الأسود لون للموت ليس الموت العابر كما كان في السابق، بل القتل الجماعي وإبادة المجتمعات التي تحتلها  وتفجير المراقد ، وأصوات العويل، إرتبط بهذا اللون الجنائزي الشهير في الشرق العربي.

الأسود شعار الجماعات المتطرفة

إقترنت الجماعات المتطرفة  برمز رئيسي في عقيدتنا الإسلامية وهو التوحيد ، حيث وضعت له الخلفية السوداء ليقترن إسلام داعش بالسواد ، وأنت تتابع أخبار حروبهن الباطلة تجد أمامك علم الدواعش رمز لأرتباط الإسلام بهذا النمط التتاري العنيف، بخلفية الموت التي إستقرت في الذاكرة الإنسانية بالقتل الجماعي في العراق وسوريا تحديداً ، والعديد من الأحداث الإرهابية في العالم.

الأسود شعار شيعة ايران

لقد ارتبط الأسود بتشيع دولة إيران كنظام سياسي لتنتشر عقب سقوط دولة الشاه ملامح اللون الأسود في أركان الدولة الفارسية، الملابس ، المرجعية الدينية وعباءات رموزها و أغطية رأس أهل المذهب الشيعي ، حقيقة حملت تلك الدولة ملامح السواد في كل أركانها.

الأسود ورمزيته في الديانة اليهودية

للكثير الذي لا يعرف أن للأسود دلالات كثيرة لدى اليهود ومعتنقي اليهودية، وأشهر تأثيراتها على حياتهم اليومية ، العباءات السوداء التي تعد جزء أصيل من تراث يهود اليمن القديم، والمثبوت تاريخياً لذا يعد الأسود ملمح رئيسي من ملامح ثقافة اليهود الأصولية.

لماذا يتم تغيير لون كسوة الكعبة الآن؟

نظراً لأن المد الوهابي موطنه بلدة محمد بن عبد الوهاب بالمملكة العربية السعودية، وهو مرتبط بمرحلة لها علاقة  بالإسلام  السياسي ، فإن تغيير لون الكسوة وخلفيته التاريخية وإرتباط الكسوة على الدوام بالأحداث التفاعلية التي تمس العرب والمسلمين أصبح ضرورة الآن ، فمن الضروري أن تغير المملكة العربية السعودية بوصفها المسؤولة الآن عن الكسوة الشريفة ، لون الكسوة للدلالة على عدم الشراكة في الرؤية مع العنف الوهابي ، وأيضاً رسالة من المسلمين للعالم ولغيرهم عن الإسلام الوسطي المحب للحياة ، والذي يجمع حجاج بيت الله سنويا في طاعة وإستسلام للسلام والمحبة والإخاء.

الألوان المقترحة للكعبة الآن

تقترح الكاتبة اللون الأخضر بنفس درجة اللون الموجودة في علم المملكة العربية السعودية، أو الأبيض كلون يحمل رمز إنساني له دلالات المحبة والسلام، وهو رسالة الإسلام للإنسانية.

أو اللون الأبيض كان  اللون الأكثر تغطية لسطح الكعبة طوال تاريخها القديم، وهو لون إرتبط بأغلب الحضارات القديمة، وهو ما فضله الخلفاء الراشدون طوال فترة حكمهم لكسوة الكعبة.

 

إن تغيير لون كسوة الكعبة اليوم ضرورة  ملحة تحمل رسالة تاريخية لمرحلة حرجة في تاريخ العرب المسلمين عامة وتاريخ المملكة السعودية خاصة، لذا تقترح الكاتبة تغيير لون كسوة الكعبة للضرورة التاريخية، ولتحسين صورة الإسلام في الذاكرة الإنسانية.

 

 

 

 

 

المصدر: إيمان مهران ، مقال غير منشور، 2016.

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

73,117

د.إيمان مهران

imanmahran
فنانة تشكيلية وكاتبة »