المريخ في مزاد تريليوني هل ينافس ميزانية المملكة؟!!
د. إبراهيم جلال فضلون
"إنهم يضحكون على الحالمين… ثم يعيشون في عالمٍ صنعه الحالمون". هكذا يقترب إيلون ماسك إلى أدبيات الخيال العلمي، حيث تختلط الجرأة بالجنون، والابتكار بالمقامرة، والطموح الكوني بحسابات وول ستريت الباردة. لتقف شركة SpaceX في قلب السؤال المستفز كعادة صاحبها وألاعيبه الاستثمارية والفلسفية معاً: هل نحن أمام أعظم شركة فضاء في التاريخ تستحق تقييمًا فلكيًا، وكأنه يراها كميزانيات المملكة العربية السعودية العظمى، أم أمام عملية بيع متقنة لحلم المريخ بسعر تريليون دولار؟، هذا الطموح الهائل ينعكس مباشرة على سلوك السوق المتوقع، فالجدل تفجّر مع تسريبات عن خطة محتملة لتنفيذ أكبر طرح عام أولي في التاريخ، بتقييم قد يصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2026. ليكون رقمًا لا يضع SpaceX في مصاف شركات التكنولوجيا العملاقة فحسب، بل يتجاوز كثيرًا من الاقتصادات الوطنية. فالمذكرة المسربة تشير بوضوح إلى أن الطرح المحتمل لا يهدف إلى تمويل العمليات القائمة، بل إلى تمويل مشاريع مستقبلية ضخمة، غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بضخامة الرقم، بل بما يستند إليه: هل هو حصيلة واقع مالي صلب، أم رهان مسبق على مستقبل لم يولد بعد؟، على الرغم من أن ماسك نفسه، وفق التسريبات، لا يرغب في الطرح قبل تنفيذ أول مهمة غير مأهولة إلى المريخ، إدراكًا منه أن النجاح الرمزي قد يكون أقوى محرك للتقييم من أي تقرير أرباح.
فوفق المعطيات المتداولة، تستهدف SpaceX إيرادات تقارب 24 مليار دولار في 2026، معظمها من شبكة "ستارلينك" التي تحولت بالفعل إلى لاعب رئيسي في سوق الإنترنت الفضائي، وكأنها صندوق الاستثمارات السعودية العملاق السوقي العالمي الذي يُحير العالم والاقتصاديين، كما أن هناك عقود حكومية ضخمة مع "ناسا" لإطلاق الأقمار الصناعية ونقل الرواد. وعلى الرغم م ذلك هذه أرقام لا تبررها القوائم المالية التقليدية، حتى بمعايير شركات النمو السريع، وهو ما دفع محللين لوصف التقييم المرتقب بأنه "تقييم إيماني" أكثر منه ماليًا، فعند وضع هذه الإيرادات في ميزان التقييم المأمول، تبدو الفجوة صارخة: مضاعف سعر إلى مبيعات يناهز 60 ضعفًا، ومضاعف أرباح قد يتجاوز 400 مرة.
غير أن النجاحات الحالية، مهما بلغت، تبقى محدودة إذا ما قورنت بما يُسوَّق له التقييم التريليوني.. ومع ذلك، فإن اختزال SpaceX في أرقام الإيرادات وحدها يُغفل جوهر القصة. فالشركة، منذ تأسيسها، لم تُبنَ ككيان ربحي تقليدي، بل كمشروع لإعادة تعريف اقتصاد الفضاء. فلم تكن مجرد تحسين تقني، بل ثورة خفّضت كلفة الإطلاق إلى مستويات غير مسبوقة، وكسرت احتكارًا استمر لعقود. وكأنها أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى نماذج الأعمال الناضجة، أما "ستارلينك"، فقد تجاوزت كونها فكرة جانبية لتصبح شبكة عالمية تضم آلاف الأقمار الصناعية، وتفتح أفقًا جديدًا للبنية التحتية الرقمية خارج حدود الأرض، لأنه ببساطة عبارة عن مراكز بيانات فضائية تدور في المدار، ذكاء اصطناعي يعمل خارج الغلاف الجوي، ويقتلنا داخله بلا حدود ونحن نساعده بلا عناء منه والأهم، مشروع استعمار المريخ بوصفه "الخطة النهائية". هنا، يتحول المستثمر من شريك في شركة إلى ممول لحلم حضاري طويل الأمد، بلا جدول زمني واضح للعائد.
في حال الطرح، يُرجّح أن يكون سهم SpaceX شديد الحساسية للأخبار، يقفز مع كل نجاح لاختبار صاروخي، ويتراجع مع كل انفجار غير متوقع، كما لو كان سهمًا مدفوعًا بالعناوين لا بالميزانيات، والمستثمرون، بدورهم، منقسمون بين مدرستين: الأولى ترى في SpaceX فرصة نادرة للاستثمار في بنية تحتية كونية قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي على المدى الطويل، والأخرى تحذر من أن التقييم المقترح يحمّل الشركة توقعات شبه مستحيلة، ويجعل أي إخفاق تقني زلزال مالي. وبينهما يقف ماسك مترقباً كعادته، غير مكترث بالضجيج، مؤمنًا بأن التاريخ يكافئ من يجرؤ على التفكير خارج الكوكب.
وقفة: كما قال أحد الفلاسفة: "العقل يحسب، لكن التاريخ يُكتب على يد من يحلمون". فهل يكون تقييم التريليون مجرد ثمن حلم، أم مقدمة لعصر جديد يبدأ من الأرض… ولا ينتهي عندها؟ فلا يمكن الجزم بأن إيلون ماسك يبيع وهمًا خالصًا، ولا يمكن في الوقت نفسه التسليم بأن حلم المريخ يبرر أي رقم يُكتب على ورقة الطرح. والسؤال الأهم: كم ستساوي الشركة عند الطرح؟ بل: هل نحن نشتري شركة فضاء رائدة… أم نشتري إيمانًا بأن الإنسان سيجعل من المريخ وطنًا ثانيًا؟.



ساحة النقاش