كيف تُصنع الثقة… وكيف تُهدر؟
د: إبراهيم جلال فضلون
الحكمة التي تفتح الباب، أن "الثقة تُبنى بالسنوات، وقد تُهدم بلحظة واحدة" – وارن بافيت، اختصر بهذه العبارة جوهر الحوكمة في عالم الاستثمار. فالتدفقات الرأسمالية، مهما بلغت شهية المخاطرة لديها، لا تتحرك في الفراغ، بل تبحث دائمًا عن بيئة تُقلِّص المفاجآت السلبية، وتُخضع القرار لقواعد واضحة، وتحمي المال من عبث الأفراد وتقلباتهم. غير أن الإشكالية تبدأ حين تتحول الحوكمة من نظام يُنتج الثقة إلى مجرد واجهة تُسوِّقها الشركات والأسواق دون أن تنعكس فعليًا على سلوك القرار.
فالحوكمة ركيزة استثمارية، لأنها ليست لوائح ولا لجانًا ولا تقارير إفصاح فحسب، بل منظومة متكاملة لإدارة السلطة داخل الكيان الاقتصادي، لما لها من دورًا مباشرًا في خفض تكلفة رأس المال حسب تقديرات البنك الدولي، أن: "الشركات والأسواق ذات الأطر الحوكمية القوية تتمتع بعلاوة ثقة تقلل تكلفة التمويل بنسبة تتراوح بين 1.5% و3% مقارنة بالأسواق الضعيفة حوكميًا. وهي نسب في عالم التريليونات، ليست تفصيلًا هامشيًا، بل فارق استثماري حاسم.، لكن عندما تتحول الحوكمة من أداة تنظيمية إلى إكسسوار استثماري، يُدمر جوهرها، ولا يكن لها أي فاعلية في القرار، وهو ما نراه في أغلب شركاتنا يكون بها مجلس إدارة لكن بلا استقلال حقيقي، ولجان مراجعة دون صلاحيات فعلية، وإفصاحات منتظمة دون شفافية جوهرية فتصبح جزءًا من العرض الترويجي للاستثمار، لا من بنيته الصلبة.
لقد تكررت الأمثلة وشهدها العالم مرارًا، فهناك شركات تبدو مثالية على الورق، لكنها تنهار عند أول اختبار أزمة، لأن الحوكمة لم تكن أداة قرار، بل ملصق طمأنة.
عالميًا: هناك أكثر من 40% من قرارات الاستثمار المؤسسي العالمية باتت تأخذ جودة الحوكمة كعامل حاسم، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ، بل وتُظهر الدراسات أن الأسواق التي حسّنت أطر الحوكمة خلال العقدين الماضيين شهدت تدفقات استثمار أجنبي مباشر أعلى بنحو 20–25% من نظيراتها.
خليجيًا: انتقلت دول الخليج العربي من مرحلة "استيراد الحوكمة" إلى مرحلة توطينها بما يخدم رؤية نماذجها الاقتصادية، وربط الحوكمة بالتصنيفات الائتمانية، جعل المنطقة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، لا الساخنة فقط.
أما سعوديًا: لم تعد الحوكمة مسألة امتثال، بل خيارًا استراتيجيًا للدولة، ضمن رؤية 2030 التي تهدف إلى (تحديث نظام الشركات وتعزيز استقلالية مجالس الإدارات وتطوير حوكمة الشركات العائلية وربط الإفصاح بالأداء الفعلي). وهو ما أدى إلى زيادة صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من مستويات تقل عن 5 مليارات دولار سنويًا قبل الرؤية، إلى متوسط يناهز 30 مليار دولار في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بثقة مؤسسية متزايدة في بيئة القرار قبل بيئة العائد.
وهنا نرى المثال الواقعي الرنان لسوق الأسهم السعودية (تداول) تمثل نموذجًا عمليًا لتحول الحوكمة من عبء إجرائي إلى قيمة استثمارية.
تم على إثرها إدراج السوق ضمن مؤشرات عالمية كبرى مثل MSCI وFTSE Russell.، وهو إدراج لم يكن شكليًا؛ بل أدى إلى تدفقات استثمارية تجاوزت 100 مليار دولار خلال سنوات قليلة، وهو رقم يعكس كيف تتحول الحوكمة – حين تكون حقيقية – إلى أصل استثماري لا إلى إكسسوار.
وقفة: "النظام القوي لا يحتاج إلى أبطال"، فالحوكمة الحقيقية لا تُقاس بجمال لوائحها، بل بقدرة الدولة على حماية المؤسسة من نفسها، وعلى الاستمرار حتى مع تغير الأشخاص والظروف، كما حدث في أزمة كوفيد 19 بنهاية عام 2019م، وحين تُختزل الحوكمة في الشكل، تصبح عبئًا وإكسسوارًا. أما حين تُزرع في صميم القرار، فإنها تتحول إلى أعظم استثمار طويل الأجل، للاقتصادات الوطنية بأكملها في عالم تتقاطع فيه الاستثمارات مع الجغرافيا السياسية، وتُدار فيه التنمية كأصل استراتيجي.



ساحة النقاش