في البحث البلاغي والنقدي:
"الإنقاص البلاغي" أسلوب أدبي يزيد من جمالية القصص والروايات والقصائد

صحيفة العرب- لندن| الثلاثاء، 09 سبتمبر، 2025
رام الله (فلسطين)- في خطوة تعزز من الإسهامات النقدية العربية المعاصرة صدر كتاب “الإنقاص البلاغي: المفهوم والتطبيق” للباحث والناقد الفلسطيني فراس حج محمد. ويُعد هذا العمل دراسة أدبية طموحة تقدم مصطلحاً نقدياً فريداً يُضاف إلى المكتبة العربية في مجال النقد الأدبي، ومحاولة جادة لتأصيل مفهوم جديد يوضح تجلياته في الشعر والنثر على حد سواء.
يأتي الكتاب، الصادر مؤخراً عن مكتبة “كل شيء” في حيفا، كمشروع نقدي يسعى إلى إحداث نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي، حيث لا يقتصر على تحليل النصوص بل يتجاوز إلى تنظير فلسفي يهدف إلى ابتكار أداة نقدية جديدة. يعكس ذلك طموح المؤلف في أن يكون “منظراً أدبياً” لا مجرد ناقد يطبق قواعد الآخرين، مستلهماً من نقاد تاريخيين مثل عبدالقاهر الجرجاني في مفهوم “النظم” أو رولان بارت في “موت المؤلف.”
يؤكد حج محمد أن التقدم الفكري يفرض على الباحثين اشتقاق مصطلحات خاصة، خاصة عندما تكون المفاهيم التقليدية غير قادرة على التعبير عن الرؤى الجديدة.
من المفاهيم التي يرسخها الكتاب مفهوم “الإنقاص البلاغي” الذي يقوم على فكرة: “التخلي عن بعض ما لا ينفع العمل الأدبي في سبيل جعله أكثر فنية وأدبية”. لم ينشأ هذا المفهوم من فراغ، بل هو نتاج مسار فكري بدأه المؤلف في كتابه السابق “سر الجملة الاسمية” (الرقمية، 2025)، الذي يعتمد على فلسفة “التخلص من ثلث اللغة العربية” عبر استبعاد الأفعال وأسماء الأفعال في بناء النصوص الشعرية والنثرية.
يصف حج محمد هذا العمل السابق بأنه “مختبر عملي” أفضى إلى إدراك أن الاستبعاد ليس تمريناً لغوياً فحسب، بل عملية “إنقاص” مقصودة تحول النص إلى بناء فني أرفع.
يرفض المؤلف الدلالة السلبية لكلمة “نقص”، مشبهاً إياها بـ”الحنيفية” التي تحولت من معنى الاعوجاج إلى الاستقامة. هكذا، يصبح الإنقاص دلالة إيجابية تعني الاختيار الواعي والاستبعاد الانتقائي، مما يمنح النص سلاسة وتماسكاً. ويؤكد أن هذا المفهوم يتولد من علاقات سببية بين الأفكار، كما تناسلت الاستعارة من التشبيه، مما يمنحه أصالة كنظرية نقدية مستقلة.
يخصص المؤلف جزءاً كبيراً للمقارنة بين “الإنقاص البلاغي” ومفهومي “الحذف” و”التكثيف”، مؤكداً أنه أعمق من كليهما ويشمل ارتباطاً بهما دون الاقتصار عليهما. يعرف الحذف البلاغي بأنه “حذف داخل سياق لا يقوم أصلاً على شاعرية الحذف بحد ذاته”، وهو استبعاد جزئي لبنى لغوية (حرف، اسم، فعل) لتحقيق غاية معنوية، مع دليل يدل عليه. يستشهد بأمثلة قرآنية من سورة الكهف، مثل حذف “سنين” في “وازدادوا تسعاً” بعد ذكرها سابقاً، أو الحذف التدريجي في حوار موسى والخضر، الذي يخلق توتراً درامياً يؤدي إلى الفراق.
أما التكثيف، فيعرفه بأنه “تقليل ظاهر الشيء وتجميعه ليبدو أكثر مما هو”، مركزاً على غزارة المعاني دون الحاجة إلى الحذف. يورد أمثلة قرآنية مثل “ويخلق ما لا تعلمون” التي تستوعب تطورات علمية لاحقة، أو “وإنا لموسعون” التي تشير إلى توسع الكون. يختلف التكثيف عن الإنقاص في تركيزه على ما هو موجود، بينما يركز الإنقاص على الغياب الذي يعمق دلالة الموجود.
في النهاية، يرى حج محمد أن الإنقاص البلاغي هو “نظرة شاملة تحكم كل جزئية في النص”، مما يجعله إطاراً كلياً يخلق قانوناً خاصاً للعمل الأدبي، بخلاف الحذف الجزئي أو التكثيف المعنوي.
يتحول الكتاب إلى رحلة تطبيقية، بدءاً بالشعر. يحلل ديوان “أولئك أصحابي” للشاعر حميد سعيد، واصفاً إياه بعمل واعٍ يقوم على “التوليف”. يستخدم سعيد الإنقاص عبر حذف “الأصل” – أي الروايات العالمية مثل “عوليس” أو “موبي ديك” – من المتن الشعري، مع الاحتفاظ بها كمرجعية في وعي القارئ. هذا يحول القراءة إلى مشاركة فاعلة، حيث يبحث القارئ عن الطبقات المتعددة، مما يوسع المفهوم من الكلمة إلى النصوص المرجعية.
كما يتناول عددا من مقاطع ديوان “بنات للألم” للشاعرة أمينة عبدالله، مشيراً إلى “التقشف البلاغي” الذي يتخلى عن الأدوات التقليدية كالتشبيهات، ليعبر عن ألم النساء مباشرة. في مقطع يصف نساءً يشترين شباباً ضائعاً بلحظات عشق، ينتهي بـ”هكذا أتت أشياء جميلة في أوقات غير لائقة”، حيث يتحول التقريري إلى بلاغة حقيقية نابعة من صدق التجربة، محطماً التصورات النمطية للجمال الزخرفي.
في النثر، يحلل عدة روايات متنوعة. في “مفاتيح البهجة” لعمر حمش، يبرز كيف يساهم الإنقاص في جعل السرد أكثر فنية عبر استبعاد تفاصيل غير ضرورية. وفي “عين التينة” لصافي صافي، يركز على تجنب النقد التكويني، محتفظاً بالنص النهائي كمعمار فني مدروس. وفي “الحياة كما ينبغي” لأحمد رفيق عوض، يناقش إقصاء شجرة التين مع أنها رمز فلسطيني عميق، ولم يجد المؤلف حج محمد مبرّرا فنياً لاستبعادها، مما يعزز أن فكرة الإنقاص البلاغية هي التي تقوم على الفكرة الواعية لدى الأديب، شاعراً أو سارداً.
كما يتناول القصص القصيرة لمحمد الكريم، صلاح عويسات، وحلمي حسين شاكر، موضحاً كيف يعزز الإنقاص الاختزال في هذه الأشكال، جاعلاً السرد أكثر تأثيراً دون ترهل.
يتوسع المفهوم ليشمل عناصر مساعدة. يرى العنوان تجلياً للإنقاص، كاختزال للنص كله. أما علامات الترقيم، فهي ليست شكلية بل تحمل مدلولات بلاغية، كما يورد من آراء فخر الدين قباوة. ويختتم بالصورة، مشبهاً إياها بكاريكاتير أو كتب أطفال خالية من النصوص، حيث تغني الصورة عن آلاف الكلمات، مدعوة المتلقي لإكمالها، مما يربط النظرية بالفنون البصرية.
ويأمل المؤلف أن يكون الكتاب إضافة نافعة للفكر النقدي، مساعداً الأدباء في مرحلة التوضيب عبر ملاحظة “النتوءات” لتحقيق التماسك، والنقاد في كشف جماليات الاستبعاد. يحول النقد إلى صمام أمان للإبداع، محطماً الحاجز بين الناقد والمبدع. كما يقدم إطاراً شمولياً للإبداع، مستلهماً فلوبير في أن “الصعب هو معرفة ما ينبغي عدم قوله.”


