إلى العزيزة فاطمة نزال مع كلّ الحبّ:
صدى القصيدة في حضرة الترجمة
فراس حج محمد| فلسطين
تعدّل الكاتبة فاطمة نزال تعقيبها القصير على مقال "هواجس في ميدان الترجمة"، ليصبح مقالاً، نشرته على صفحتها في الفيسبوك بتاريخ، 9/6/2025، وتضع له عنواناً لافتاً "في ممرات السؤال النبوي"، وتستشهد فيه بقصص أنبياء مروا بمحن معينة، ونافية أن يكون ما كتبَتْه عن قصيدة "متى سيتجلى الله يا جبريل؟" "مجرد انفعال شعري عاطفي"، وتشذّب التعقيب الأول الذي قالت فيه ما معناه أنني أسطّح رأيها. لكنها لم تتخلص من هذا الحكم، ويبدو من خلال الرد على التعليقات التي سأوردها لاحقاً.

تقول الصديقة إنعام الشيخ علي: "كانت القصيدة أكثر من رائعة! وجاء تعقيبك هذا ليفكّ طلاسمها لمن لم يدرك كنهها ولم يع عمقها كما أراد فراس بالضبط". جاء هذا التعليق مادحاً القصيدة والمقال نفسه الذي كشفت خلاله عن رأيها في فكرة القصيدة، إلا أن الكاتبة تقول في ردها: "يبدو أن الأستاذ فراس الناقد والكاتب والشاعر لا يقرأ غير صوت رأسه وانعكاس رؤاه".
وكما هو معتاد عند الفيسبوكيين، يتماهون مع صاحب المنشور، هذا التصرّف كثيراً ما تحدثت عنه، ولاحظته؛ فتكتب إنعام هذا الرد، مؤكدة الدعوى: "أفهم، وهكذا هم أغلب مبدعينا- العرب- صدقيني"، وعندما تضع (العرب) بين شرطتين، كأنه وصف احتراسي عن الوقوع في تعميم مبدعيها غير العرب، فقط المبدعون العرب، هم المزهوّون بأنفسهم، ولا يسمعون غير صوت رؤوسهم وانعكاس رؤاهم"، فدخلتُ ضمن هذا التعميم التضامنيّ بلا تردّد أو تفكير.
لا يحسن بالمرء الدفاع عن نفسه أو ادّعاء المثالية، فلا أدلة نافية، كما لا يوجد أدلة إثبات، إلا أن كلتا الصديقتين يعرفانني جيدا، ومنذ ما يزيد عن اثنتي عشرة سنة، وشهدتا على سجالاتي مع الكتّاب الآخرين، وحتى سجالاتي مع فاطمة نفسها التي أودعتها كتابي "ملامح من السرد المعاصر- قراءات نقدية في القصة القصيرة جداً- موزييك للترجمات والنشر والتوزيع، عمّان، 2015)، ولعلّه نوع من الاستفزاز الأنثوي الناتج عن اضطراب الهورمونات! ولكن لا بأس، وتؤكد فاطمة هذه المعرفة بقولها: "هذا هو فراس الذي أعرفه"، فلن يفسد الود الاختلاف في وجهة النظر، لا في المرات السابقة، ولا في هذه المرّة. فالاختلاف مشروع، والنقاش في هذه المسائل حيّ وحيويّ.
وأما الكاتبة والشاعرة الصديقة كوثر الزين التي علقت أولا قبل أن تقرأ مقالي، وربطت فقط بين النص، وما كتبته فاطمة، فجاء تعليقها على هذا النحو: "جميل وعميق ومقنع. للأسف هناك من يتعاملون مع الأدب كما يتعاملون مع العلوم الصحيحة. ينسون أو يتناسون أو يجهلون أن 1+1 في الأدب والفن قد تساوي أي شيء آخر باستثناء 2. وإلا لما كان فناً".
يبدو الأمر غير مترابط، إذ إن مقال فاطمة هو رد على مقال، وليس على القصيدة، ما حدا بالكاتبة نزّال أن توضح هذه المسألة بقولها: "هذا التعقيب كان ردا على ما ورد في مقال الأستاذ فراس من حصر تعقيبي الأول ووسمه بالعاطفي "الشعبوي". وتسطيحه بمعنى أدق. وقد أثار حفيظتي لأرد بمقال كامل لتتضح الرؤيا ولتقدم قراءة ووجهة نظر نقدية للنص وليس انفعالاً عاطفياً".
يكفي أن تقرأ جملة "أثار حفيظتي" لتعلم مدى الاستفزاز والتأثر العاطفي حتى في الرد، ولكن هذا ليس أمرا معيباً، فالكتابة كلها ذات منطلقات شبيهة بهذا، ولولا هذا الدافع- ربما- لم يكتب أحد حرفا، ولم يردَّ أحد على أحد، ولم تتسع دائرة الرد والكتابة، ولم يولد تعبير "الكتابة عن الكتابة" و"نقد النقد"، وكل كتابة هي في محصلتها نتاج ردّ أو استفزاز، هذا الاستفزاز الذي تؤكده فاطمة في تعليق آخر في قولها: "كان استفزازاً جميلاً على كل حال أعادني للكتابة بعد انقطاع".
ثم تعود الكاتبة كوثر الزين بتعليق آخر بعد أن قرأت المقال، فكتبت: "لمجرد أن يقرأ النص بأكثر من طريقة ويفهم بأكثر من وجه، فهذا يحسب له وليس عليه. هذا الجدل حوله بينك وبين صاحبه فراس أمتعنا بمقالين أو أضافا كتابة حول الكتابة وروعة وجمالا إضافيين". ويستدعي هذا التعليق ردّاً؛ لتكتب فاطمة: "تعجل العزيز فراس في حكمه على رؤيتي دون الاستيضاح حتى، وقد حاولت التواصل معه ولم يرد، فأنا لست متلقية عادية أو شعبوية، لقد اخترت هذا النص تحديداً من كتاباته المتعددة عن حروب غزة؛ لأنه مختلف وجريء، ويلامس وجعنا وتساؤلاتنا الوجودية، وقد استفاض بالشرح في مقاله كأنه يبرر لنفسه وللناس وهو لا يحتاج لكل هذا، فنحن نعلم كما يعلم أننا بشر ولدينا قدرة على التحمل ولسنا ملائكة ولا أنبياء، حتى الأنبياء تذمروا وتساءلوا وعاتبوا ربهم. وقد تماهيت مع نصه وأبعاده ولم أختلف مع رؤيته. عتبي أنه اعتبر الجزئية التي اخترتها في التقديم للنص في منشور سابق على أنها تأثر عاطفي سطحي، وليست رؤية وتصورا نقديا وسبراً لكُنْه النص وأبعاده الوجودية". وترى الكاتبة في آخر مشاركة لها في هذا السجال "كلاكما جميل ومثقف، وقادر على التعبير عن رأيه وتبريره بعمق وجدارة. يبقى الجدل القائم على وعي وعلى مخزون معرفي وثقافي ظاهرة صحية وبناءة . الاختلاف في الرأي لا يفسد ولن يفسد الود".
في الحقيقة، أعرف الكاتبة نزّال جيّداً جداً، بل أكثر، وعندما وصفتُ تأثرها العاطفي، لم يكن من باب التسطيح أو حتى "الشعبوية"؛ هذا الوصف خارج عن السياق، ولم أتلفظ لا تصريحا ولا تلميحاً بكلمة "السطحي" أو ما يؤدي إليها، كما أن السطحي ليس هو الشعبوي على أية حال، إذ تخلط فاطمة بينهما في تعليقاتها.
إنما كان هذا الوصف لبيان رقة مشاعر الكاتبة كشاعرة وإنسانة تضعف أمام الحالات الفردية من المصائب إلى حد التأثّر السريع، وربما تبكي لأجل طفل بكى أو زهرة مسحوقة في الطريق، أو ربما لقطّة تموء من الجوع أو البرد، وهذا شأن الشعراء مرهفي الحسّ، فكيف وهي تشاهد ما يحدث في غزة؟ إنها ستكون أكثر انفعالاً وتأثراً، وانحيازا للذات الجمعية المعرضة للإبادة، مثلها مثل أيّ إنسان سليم القلب والضمير، وهي التي اتخذت منذ الأيام الأولى للحرب من اللون الأسود صورة لحسابها على الفيسبوك كعلامة سيميائية شديدة الدلالة على تأثرها الشديد بمشاهد هذه المقتلة.
هذا النوع من المشاعرية، هو- في تقديري- ما جعلها تعبّر بوصف "الصمت الإلهي" أو "الغياب الإلهي"، وهذان وصفان مشاعريان لا عقليان، فمقالي أوضح أن الله لا يوضع في نفس السياق الذي يوضع فيه البشر، فصمت العالم وتواطئه، لا يبرر- من وجهة نظري- القول بصمت الله وغيابه، وشرحت بتفصيل محدود هذه المسألة. على الرغم من أن فكرة الصمت الإلهي وغيابه، فكرة عامة، ورائجة، وليس شرطا أن تكون سطحية عند من يؤمن بها.
وفي ذات السياق أنوّه أن "الأمر السطحي" لا يثير كاتباً، ليكتب مقالاً، إنما وجدتُ- أنا كذلك- ما كتبته الكاتبة فاطمة نزّال "مثيراً للحفيظة" الدينية، وليس سطحياً، فكتبت المقال للتوضيح، امتثالا لقوله تعالى "قالوا: معذرة إلى ربكم". فنحن في لحظات حرجة من عمر الزمن، والشّك أقوى أسباباً من اليقين الذي تحاول أن تقتله الأحداث بفظاعتها غير المسبوقة. ولست أبرر لأحد ما كتبت، ولا يحق لي أن أعيد شرح النص وتوجيهه على نحو ما، إنما كان البيان للفكرة من منطلق التقديم، فالقصيدة قديمة، ليست ابنة هذه الأيام، ولا تحتاج إلى شرح.
لقد بنت الكاتبة في مقالها على هذه الفكرة، وأضافت أمثلة أخرى، وهذا ما أسعدني بكل تأكيد، إذ التقينا عند الفكرة ذاتها، إذ كانت المنطلقات نبوية قرآنية، كما قالت في التعليق السابق ذكره، وهذه هي مهمة الكتابة، وكما قال الشاعر: "إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِل اللسانُ على الكلام دليلا"، واللسان يتجلى في الكتابة، ونعم هذا التجلي!
وبعدُ، فإنني أكرّر امتناني للكاتبة والشاعرة فاطمة نزال على ما تقوم به من جهد في مجال الثقافة لإيصال صوتنا إلى العالم الحر المتضامن معنا، وليست هذه أول مرّة، فسبق لها أن أدخلتني عام (2019) معها، وشعراءَ آخرين، ضمن "المبادرة الشعرية للمهرجان العالمي للشعر" إذ كانت منسقة لهذا البرنامج في منطقة الشرق الأوسط، فحزتُ شرف المشاركة في واحدة من الأمسيات الشعرية التي عقدت في مدينة نابلس، بتاريخ: 21 حزيران من ذاك العام.
وإنه لواجب عليّ أن أشكرها مرة بعد مرة الآن أيضاً، لأنها جعلت قصيدتي تحلّق مترجمة في سياق غير محليّ، في الوقت الذي أخذت ظلال اليأس والبؤس تلفّني، فكان هذا الحدث تلك القشة التي تشبثتُ بها لأشعر ببعض فائدة، وأنا أقدّم ما لديّ في سياق هذه الحرب المسعورة التي لا تكفّ عن أن تشرب من دمائنا "أربعاً في أربع"، ويا ليتها ترتوي بعد أن غرق قادتُها في نشوة الجنون الأسطوري الحادّ.


