فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

العدد السابع عشر من المجلّة

الليبي..
مجد المعرفة وسؤال الثقافة

أعدّت مجلة الليبي الشهرية التي يرأس تحريرها الكاتب والأكاديمي الليبي الصّدّيق بودوارة استبيانا شارك فيه نخبة من الأدباء حول وباء كورونا والأسئلة التي أثارها الفايروس والإجراءات الاحترازية وتوقف الحياة كليا أو جزئيا، وقدم للاستبيان بهذه المقدمة:

العقل الجمعي إذا ما جوبه بسياساتٍ عامة، فإنه قد يتحول إلى تابعٍ لعقلية القطيع، وخاصةً إذا ما تعلق الأمر بضرورة شخصية يهتم بها كل فرد على حدة.

هذه الضرورة تتجلى في أوضح مظاهرها في النواحي التي تهم صحة الانسان وسلامة جسده وأجهزته الحيوية.

وفي قلب الحدث الذي نعيشه، يسر مجلة الليبي الثقافية أن تستطلع آراء النخبة من المجتمع العربي، تلك النخبة التي تُنزل الفكر والتأمل والتحليل منزلته اللائقة، وتبّجل المعرفة والقراءة وتستزيد كل يومٍ من ثروة الكتابة والبحث.

لهذا كله يسرنا أن تتكرموا بالإجابة على هذه الأسئلة، لعلنا نستمتع بحوارٍ مثمر حتى وإن كان السبب في انطلاقه مرض ليس مثمراً أبداً أن نستمتع به.

كما أن العدد كله من المجلة التي تتولى الأكاديمية الليبية سارة الشريف مهمة مدير التحرير فيها، العدد (17)، أيار، 2020 حمل عنوان "كورونا... مكمم الأفواه"، واحتلت غلاف العدد لوحة (تواصل الأقنعة) للفنان التشكيلي الفلبيني "سي جي ترينداد"، وكان مكرّسا للحديث عن فايروس كورونا، وليس الاستبيان فقط، وبذلك تقوم "الليبي" بخطوة مهمة في التوثيق لهذا الحدث التاريخي، وترصد وجهة نظر الأدباء والمثقفين حوله. وكان لي شرف المشاركة في هذا العدد بمقال عدا ما قدمته من إجابات على أسئلة الاستبيان، مبيناً وجهة نظري فيما طرحته المجلة من أسئلة، وذلك كما يأتي:

كيف رأيت هذه الهستيريا التي ألمّت بالعالم كله؟

لا شك في أنها كانت مربكة، وبصورة مرعبة جدا، كل شيء قد تعطّل فجأة، وصارت البشرية وجها لوجه مع عدو غير تقليدي كانت تتخيله في الروايات وأفلام الخيال العلمي. هي بالفعل هستيريا، لأنها أفقدت الجميع اتزانه وعقله، فالعلم في تخبّط والسياسة في تخبط، والنظام العالمي أو التنظيم العالمي للدول والقارات والحركة صارت على المحكّ، هذه الهستيريا أكلت الوقت، وصارت الأوقات كلها واحدة، لا فرق بين صبح ومساء، الكل انزوى إلى البيوت كأننا كائنات مذعورة، يتربص بها الموت إن خرجت. هستيريا وضعت سيناريو نهاية العالم بين يدي البشر، كأنها المحطة الأخيرة للبشرية.

خلو الساحات العالمية الكبرى من البشر، سواءً الدينية أو السياحية أو الحضارية، ألم يكن قبل اليوم ضرباً من الخيال العلمي؟ هل يمكن للخيال العلمي الذي طالما قرأناه أن يتحقق، أو أنك رأيت أنه تحقق بالفعل؟

أدخلتنا هذه الجائحة في مساءلة المفاهيم الأساسية في التفكير البشري، بعد أن تهاوت الحدود بين الخيالي والواقعي. ما هو الخيال؟ إنه أمر متصور في الذهن لا يتوقع حدوثه، كان مفكَّرا فيه، والخيال أيضا لا يتوقع أحد أن يحدث. ما حدث واقعي وحقيقي، إذن تهاوت كل الأخيلة، وجعلت الخيال الأدبي والعلمي في مأزق، فإذا كان الواقع مرعبا إلى هذا الحد، فكيف سيصنع الخيال؟ وما هي مادته التي سيُصنع منها؟

لقد أعادت هذه المحنة العامة العالمية الكثيرين إلى أعمال أدبية، وأفلام سينمائية سابقة، وأخذوا يتفرّسون فيها، ويعيدون تحليلها لعلهم وجدوا نبوءات كانت محتملة في تلك الأعمال، هذه إحدى علامات الانهزامية التي مُني بها العقل البشري العلمي المتطور الذي يأخذ البشرية إلى الأمام، فإذا به يأخذها إلى الخلف عقودا. أصابنا الفيروس بنوع من الردة العقلية لأنه أصاب العقل بالشلل التام على ما يبدو.

هل كنا نتخيل المدينة الحديثة من المدن العالمية مثل لندن أو باريس أن تخلو شوارعها من المارة ليلا أو نهاراً؟ هل كنا نتصور أن تغلق دور العبادة أبوابها في وجه المؤمنين خشية الموت، وتتحول الطقوس الدينية إلى عبادة إلكترونية؟ هل كنا نتخيل أن يلتزم ثلاثة أرباع العالم الحجر الصحي المنزلي. لقد تم هذا بسلاسة وبسرعة تفوق قدرة الخيال على إنتاجه لو تم التفكير بذلك الأمر قبل وقوع هذه الجائحة.

هل صدمك هذا الفايروس؟ وإلى أي حد؟

كأي شخص يسكن هذا العالم، مررت بجميع ما مر به الآخرون، لم أصدق أولا، وذهبت إلى التفكير بالحرب البيولوجية، وحضرت نظرية المؤامرة، والصراع الاقتصادي، أرجعني هذا الفايروس إلى التلفاز، ومسمرني أمامه لساعات طويلة، أستمع لأخبار هذا العدو الذي اكتسح شيئا فشيئا العالم. ربما ما صدمني في هذا الفايروس هو العجز العلمي عن مواجهته حتى هذه اللحظة، وأن العالم غدا لا حول له ولا قوة تجاهه على الرغم مما نسمع من تقدم في المجال العلمي. إنها كانت صدمتي الحقيقية أن العالم يواجه فايروسا بأدوات وقائية بدائية، عرفتها البشرية منذ ألفي سنة، (النظافة، والحجر المنزلي).

البشرية النووية، المدججة بالاختراعات، هل ترى أنها دافعت عن وجودها بكفاءة في هذه المحنة؟

أظن أن البشرية فشلت في الدفاع عن وجودها وفشلت فشلا ذريعا أيضا، وصارت المنظومة القيمة تحت المساءلة في بلدان الكثيرة، لقد اكتشفت على نحو مفاجئ أن البشرية لم تكن تعمل لصالحها، تهاوت أنظمة صحية كبرى في العالم، الناس تموت جماعات ولا أحد يستطيع تقديم المساعدة، يترك الأشخاص لأقدارهم هكذا دون أن يكون هناك قدرة على الإنقاذ. صرنا نرى الفرح الكبير وعمل الحفلات الصغيرة المبهجة لكل شخص خرج متعافيا من الفيروس. كأنّ انتصارنا بواحد سلم بفعل القدر من الفايروس انتصار كبير، فليس من السهل أو هكذا تخيلنا أن تتفلّت نفس من الموت في هذه الجائحة الكبرى.

أخيراً، هذا الفايروس الرهيب، هل همس في آذاننا بشيء؟

ربما سأتحول إلى حكيم بفعل الفايروس وأنا أتحدث عنه، وأجيب عن هذا السؤال، فهل أقول إن على البشرية أن تغيّر من نظرتها للعالم؟ أم علي أن أقول إنه يتوجب على البشرية أن تتوحد إنسانيا، وتكفّ عن الحروب، وتكديس الأسلحة، بل تعمل على تفكيكها، هذا المخزون من الأسلحة قادر على إفناء البشرية في وقت قياسي أسرع من امتدادات هذا الفايروس. على رؤساء العالم أجمع أن يعوا أن هذا الكوكب منحة إلهية من العار أن نغرقه في الحروب وأن نسعى إلى تدميره. لعل رسالة الفايروس البليغة هي أننا جميعا شركاء حقيقيون في هذا الكوكب المدعو الأرض، وعلينا المحافظة عليه، وعلى أناسه، وأن نكف عن استعمال القوة لإفناء بعضنا بعضا، فقد يأتي ما هو أقل شأنا من السلاح النووي ويهزمنا جميعا، فنتوحد أمام عدو لا نراه، كما فعل فايروس كورونا _كوفيد 19 المستجدّ.

فراس حج محمد

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 138 مشاهدة
نشرت فى 14 يونيو 2020 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

302,938

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.