خير الأنام محمد الإمام
يا مَن بعثتَ لِهادِياتِ العالَما
فَتَفَتَّحَت مِن نُورِكَ الأيّامُ سَلاما
يا أكرمَ الخَلقِ الّذينَ تحمّلوا
فَوقَ الظُّهورِ مَشاقَّ دَربٍ دامِيا
جِئتَ البشائرَ في يَديكَ تضوعُها
والناسُ يَغرقُ فكرُهُم أوهاما
فسقيتَ روحي من سُناكَ مَحبّةً
فَتَفتّقَ الإيمانُ في الأعماقِ شاما
ما جئتَ بالسيفِ الدّموِيِّ مهاجِمًا
لكن جِئتَ بِرَحمةٍ وسلاما
فَتبسّمت في وجهِ من كادوا الأذى
ومضيتَ تُهدي للضلالِ مَقاما
قد كانَ كَفُّكَ إنْ أشارَ هدى الورى
وتفجّرت مِن راحتيهِ كراما
صَلّى عليكَ اللهُ ما غَرَدتْ دُمى
في الأيكِ أو صَعدتْ بِقلبٍ هاما
وبكارتِ الفجرِ الجميلِ تَوسّلت
أن لا أُذَاقَ مِن الهُدى إيلاما
يا رحمةً في القلبِ قد صاغتْ لنا
معنى الوجودِ، فكنتَ فيهِ إماما
صَبَّ المديحُ بمدحِكَ الأرواحَ إذ
من طيبِ خَلقِكَ فاحَ طُهرُ خِتاما
فيك النّبيُّ وفيكَ خَيرُ مُبلّغٍ
وبهاؤكَ السّامي يُضيءُ ظَلاما
من طيبةٍ جاءَ الضياءُ لأمّةٍ
فانجابَ عنها الحزنُ والانصداما
وغدًا ترى نَفَحاتِهِ في أمّةٍ
أحْيَيتَ فيها العدلَ والإسلاما
كلّ المدائحِ لا تفيكَ مكانةً
يا مَن على الأرواحِ كانَ إماما
يا سيدي، ومقامُكَ السامي علا
حتى تعالَت فيكَ مَنزلَةُ الهُدى
أنتَ اليتيمُ، ولَم يكن في اليُتمِ
إلا عُلاكَ وصَبرُكَ المُتَسامى
ربّاكَ رَبُّ العرشِ مِن كَنفِ السّنا
فَسَمَوتَ بينَ الخلقِ زُهدًا تاما
ومضيتَ، والأخلاقُ تمشي خَلفَكَ
مُتَتَيّمةً، والفضلُ صارَ إماما
يا مَن حَمَلتَ رسالةً في صدرِها
كُلُّ السلامِ لِمَن غَدَا سَلَما
يا سيدي، والكونُ أسرى نورِكم
سبحانَ من أعلاكَ في الأكوانِ سامى
ما رَقَّ صوتُ الحقّ إلا باسمِكم
يا من جَهَرتَ بهِ ولسْتَ مُلاما
يا طيبَ ذِكرٍ كلّما نُطقَ اسْمُهُ
سالَ الدموعُ، وخشعَ الأفهامُا
في راحتيكَ البِشرُ والرحماتُ قد
سارت تُضيءُ طريقَنا إلهاما
أنقذتَ إنسانًا تهاوى في الدُجى
فأعدتَهُ للضوْءِ والإكراما
جئتَ الحقيقةَ لا خيالَ يزيفُ
جئتَ اليقينَ، وأطفأتَ أوهاما
قد كان قلبُكَ في المدى متفرّدا
يَهوى العطاءَ، ويَزدهي إكراما
وَجْهُكَ كالبدرِ المُضيءِ تألقا
ما زالَ يسحرُ في الدُّجى الأقواما
يا طَاهِرًا، ما خالطَتْكَ بشِقوةٍ
دُنْيا، ولا دَنّستْكَ أيّ ظلاما
كم رُحتَ تسقي الجائعينَ كرامةً
وتحنُّ حتّى للمُسيءِ صِياما
وركبتَ صَهوةَ صبرِكَ العالي، فلم
تثنِ الأذى منك الجَناحَ الهامى
وبكَ اصطفى الرحمنُ خيرَ رسالةٍ
سُبْحَانَ من أعطاكَها إلهاما
قد كنتَ في خُلُقٍ عظيمٍ شاهقٍ
تتلو المدى زُهْدًا، وتَزرعُ سَامى
يا خيرَ مَن وطئَ الثرى في وقفةٍ
أرختْ على التاريخِ فجرًا قاما
جبريلُ جاءكَ بالبشارةِ ساجدًا
والروحُ تمضي في الهُدى إكْراما
سِرْ يا نبيّ الله، فينا خالدًا
ما دام في الأعماقِ دينٌ قاما
يا من دعوْتَ إلى السلامِ ورحمةٍ
حتّى غدَتْ أوطانُنا إلهاما
ما قالَ ظالمٌ: أنتَ خصمي إنّما
قالَ: السلامُ بوجهِك استسلاما
شَرَّفتَ مكّةَ والمقاماتُ العُلا
تاهَتْ، إذا ما قيلَ: جاءَ إماما
ما أنتَ إلا رحمةٌ تمشي لنا
تُبكي القلوبَ وتَرسمُ الأنساما
مذ قُلتَ: "قُوموا للجهادِ" تطايرتْ
أرواحُ صحبِك للفدى إقداما
ومضيتَ تُرشدُهم بِنورِ عقيدَةٍ
رَسَتِ الشريعةُ حولها أحلاما
يا سيدي، في بدرِكَ الكبرى سنا
خلّدْتَ للإسلامِ فينا مقاما
جاءوكَ أهلُ الصدقِ، رُهبانُ الدجى
فتحوّلوا في الحربِ أسْداً هَامَا
فيك النُبوّةُ والقيادةُ شُعلةٌ
والحزمُ والعفوُ الجميلُ تَزَامى
أُحدٌ تجلّى فيكَ صبرُكَ حينما
قد ضجَّ جرحُكَ والنُّفوسُ صِداما
ما كنتَ تُطفئُ نارَ حقدٍ إنّما
تسقي المحبةَ، تنثرُ الإلهاما
تبكي لأيتامٍ غَفوا في جُوعِهم
وتحنُّ للمسكينِ إنْ لمْ ناما
وتضمُّ خصمَكَ إن أتى معتذِرًا
ويذوبُ منك الجُرحُ حين تَسَامى
هذا هو المختارُ، مَن إن ذُكِرَتْ
أخلاقُهُ، سجدَ الزمانُ هياما
يمشي وتسبقهُ المكارمُ خاشعةً
ويُضيءُ صدرُ الأرضِ حيثُ أقاما
ما قالَ "أنا" إلا تواضعَ سُؤدُدٍ
وتَمامَ خَلقٍ في البِرَايَا تَامَا
يا مُعلّمَ الدنيا، وهادِي أمةٍ
فيكَ الشموسُ تألقتْ إلهاما
قد كنتَ قرآنًا يَمُشّي في الورى
وعلى خُطاكَ تهذّبَ الأيّامَا
ما خِفتَ لومَ الجاهلينَ، وكمْ رَمى
فيكَ العِداءُ وما رُميتَ ملاما
حتى القلوبُ القاسياتُ إذا دَنَتْ
من عَطرِ ذِكرِكَ، أَذْعَنَتْ إكراما
تبكيكَ عينُ العاشقينَ إذا بدتْ
ذِكرى المزارِ، وصوتُكَ التَرحَامَا
يا من كسا الدنيا ضياءً رحمةً
وسقى القلوبَ صبابةً وغراما
وُلدَ البهاءُ معَ النسيمِ مُبَشّرًا
"هذا الحبيبُ"، فهل سَمعتَ كلاما؟
كلُّ المديحِ، وإن يطولَ قصيدُهُ
يبقى خجولًا.. ما وَفَى الإعظامَا
يا من بليلِ الحزنِ أنعشتَ الدُنا
وبحلمِكَ السمحِ ارتوى الآلاما
يا سيّدَ الإحسانِ، كم من غافلٍ
أيقظتَهُ حتى غدا ضرغاما
جعلتَ من خُلُقِ الوفاءِ شريعةً
وتركتَ فينا الحُبَّ والإلهاما
ما ضرّكَ الجافي، ولا أغراكَ من
مدحَ الورى، فكنتَ فيه شهاما
في صُحْبَةِ الزوجاتِ كنتَ مُكرّمًا
حُسنًا، تُحاكي بالرضا أنغاما
واللّينُ سَيدُ بيتِكَ الميمونِ، لا
غِلٌ، ولا غضبٌ، ولا إيلاما
يا من غزوتَ الأرضَ من غيرِ الذي
غَزَتِ القلوبَ، وأرهبتْ أقواما
لكنْ بِخُلُقكَ العظيمِ دعوتَهم
حتى رأوكَ، فأسلموا إجلالا
ما كنتَ بالسفّاكِ تُسفكُ دمَّهم
لكنْ هُداكَ يُحوِّلُ الأعداما
جعلوا على صدركَ الحصى فأبيتَ أن
تَلعنْ، وقد كنتَ الكَريمَ كِراما
سَبُّوكَ؟ قلتَ: اغفرْ، إلهي، قومَنا
قد ضلّوا.. اللهمّ كنْ لهمُ سلاما
ولقد رجعتَ إلى مكّةَ فاتحًا
والحلمُ في كفِّ النُّهى بسّاما
ما خضتَ حربًا دون أمرٍ من علا
وإذا غزوتَ، فبالهدى أحكاما
كنتَ النبيَّ، القائدَ المثلى الذي
يرقى القلوبَ ويقهرُ الإظلاما
فتّحتَ بالحقِّ العيونَ، فأنصفتْ
والجهلُ، بعدكَ، صارَ يستحِيَاما
فتحتَ "خيبرَ"، والضياءُ يرافقُ الـ
سيفَ الشريفَ، فما شَهِدْنا ظُلَّما
عفوتَ عن قتلاكَ، عن طغيانهم
حتّى غدا التاريخُ فيكَ غُلاما
يا من ملأتَ الأرضَ نورًا ساطعًا
يا شمسَ دينِ اللهِ والإسلاما
إنّي لأرجو في مديحِكَ رحمةً
ليتَ القصيدَ يُقَبَّلُ الأقداما
ماذا أقولُ؟ وقد تَلاشى حرفُنا
خجلاً، وصار الشعرُ فيكَ غماما
ما خابَ عبدٌ إن تَوَسَّلَ ذِكرَكم
بل فازَ في الدارينِ واستسلاما
قد علَّمَتنا الحُبَّ قبلَ شريعةٍ
فالخُلقُ دينٌ، والتقى إكراما
يا من بنيتَ المجدَ فوقَ رحابةٍ
وصنعتَ من خُلُقِ الهدى أعلاما
أنّى اتّبعناكَ استقامَ طريقُنا
فبدونِ هديكَ ضلّنا الأقواما
نبكي إذا ذُكرَتْ خطاكَ تلهفًا
ويذوبُ فيكَ الشعرُ والتَرنّاما
وإذا وصلنا المدينةَ نرتجي
نشممْ عبيرَك في الثرى أنساما
يا طيبَ مرقدِكَ الشريفِ، لنا المنى
أن نُدفنَ الأجسادَ والأحلاما
قد قال ربُّ العرش فيك شهادةً
تزكّى بها القرآنُ والإلهاما
"وإنّكَ لعلى خُلُقٍ" صدحَ المدى
والكونُ أذعنَ للثناءِ دُواما
ما كان مدحُكَ شِعرَ مخلوقٍ بدا
لكنَّه تنزيلُ نورٍ ساما
كلُّ المدى يشدو بحبِّك ساجدًا
والطيرُ يسبّحُ باسمكَ إكراما
يا حُلمَ أرضٍ لم تزلْ بكَ عاشقةً
والعرشُ يشتاقُ الثرى إن قاما
لو أنّ طه في رؤى الأعماقِ قد
يُرى، لأزهرتِ الدُنا أحلاما
هذا الهوى لكَ، لا يُدانى مِثلُهُ
ما الحبُّ إلا أن يُفَضِّلَ ساما
نشتاقُ رغم البُعدِ صوتكَ باسمًا
ونذوبُ إن جاءتْ لنا الأفلاما
لكنّنا نرجو الشفاعةَ يومَنا
يومَ القلوبِ تلوذُ بالأنعاما
تشفعْ لنا، فالذنبُ أثقلَ ظهرَنا
ولا شفيعَ سواكَ إن حُكِما
آهٍ رسولَ الله كم في مهجتي
شوقٌ إليك، وقد غدا إيلاما
لو أنّ شعرَ الأرضِ قد نطقَ الرجا
ما قال إلا "صلى الله سلاما"
خُذني بقلبي لا بعمري، إنّه
يهوى هواكَ، ولا يريدُ ختاما
إني أتيتُكَ والحروفُ تهابهـا
أسماءُ مدحِكَ حين تُستَفهَما
مالي سواكَ إذا تجلّى ذنـبُنا
والخوفُ يكسو القلبَ والأنساما
أرجو شفاعةَ من إذا ناداهُ مَن
في النارِ، أغرقَهُ الرجا، فاحتاما
أرجو يديكَ تلمُّني في رِقَّـةٍ
يومَ الحسابِ، إذا استبدّ ظلاما
يا سيّدي، والجفنُ يَهمي دَمعَهُ
والمُقلُ تسألُ: هل نراكَ كِراما؟
يا سيدَ الساداتِ، يا شمسَ الدُّنا
يا بدرَها، والحقُّ فيكَ أقاما
قُدنا بنوركَ، فالزمانُ تكسَّرَتْ
أخلاقُهُ، وتَبعثَرت أقواما
العِلمُ ضاع، ومات صدقُ رسالةٍ
حتى غدا القرآنُ مُستَهدَاما
فارفعْ لواءَ الحقِّ فينا مرّةً
واروِ القلوبَ إذا ظماها طاما
ما عدتُ أرجو غيرَ وصلِكَ سيّدي
فلقاؤُكَ الفردوسُ لا أوهاما
صلّى عليكَ اللهُ ما طافَ الورى
حولَ الحطيمِ، وهَلَّلوا إعظاما
صلّى عليكَ اللهُ ما خطَّ الدجى
من فجرهِ آياتِه إلهاما
صلّى عليكَ اللهُ ما ناحتْ شُجـون
واشتاقَ قلبٌ للهدى وتَسامى
صلّى عليكَ اللهُ ما صدحَ الدُّعا
في مُهجَةٍ هامتْ بكَ إكراما
صلّى عليكَ اللهُ يا نُورَ التقى
يا مَن بهِ الإسلامُ صار مقاما
صلّى عليكَ اللهُ يا هادي الورى
ما لاحَ صبحٌ واستبانَ ظلاما
صلّى عليكَ اللهُ ما سجدتْ دُنا
للهِ حبًّا، واعتلت أحلاما
صلّى عليكَ اللهُ ما بقي الدُّعا
يتلى، وما جادتْ به الأفهاما
صلّى عليكَ اللهُ ما عُرِجَ النبي
وأتتهُ في الأفقِ العُلا أقلاما
هذا خِتامُ الشعرِ يا خيرَ الورى
فاجعلْ لنا في الحشرِ منكَ سَلاما
صائغ القوافي الشاعر
فهد بن عبدالله فهد الصويغ
وزن القصيدة بحر البسيط



ساحة النقاش