
نستكمل بفضل الله وتوفيقه حديثنا الذي بدأناه الأسبوع الماضي عن " الحريات في الإسلام " أو حرمة الإنسان في الإسلام , وقلنا أن الإنسان مخلوق مُكرم , كرّمه الخالق جل وعلا وفضّله , وحريته هي عنوان كرامته خلقه ربه حُرا ليس عبدا والعبودية إنما هي لله وحده والناس جميعا سواسية قال رسول الله ﷺ : ﴿ كلكم لأدم وأدم من تراب ﴾﴿2﴾ وقال تعالي : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات : 13] , ووقفنا أمام مقولة الفاروق عمر بن الخطاب الخالدة : " متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " ﴿1﴾
في الإسلام أخي المسلم كل إنسان حر في إختيار مشيئته ولا يُجبر أحد علي عمل , وفي المباحات لكل إنسان أن يأكل ما شاء ويلبس ما شاء ويبدو كيفما شاء ويقيم حيث شاء ويتنقل حيث شاء , يتملك ويتصرف فيما يمتلك بحرية دون قيود , يتزوج من يشاء رجلاً كان أو امرأة قال ﷺ : ﴿لا تنكح البكر حتى تستأذن ، ولا الثيب حتى تستأمر . فقيل : يا رسول الله ، كيف إذنها ؟ قال : إذا سكتت ﴾﴿4﴾ وهذه الحرية أساس في حساب الله له , ولو أُكره أحد علي عمل وأُجبر عليه فإنّ الله لا يؤاخذه عليه قال :﴿رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ﴾﴿5﴾ حتي لو أُكره علي الكفر بالله سبحانه وتعالي , روي ابن عبّاس أنّ المشركين أخذوا عماراً وأباه ياسر وأمه سمية وصهيبا وبلالاً فعذبوهم ليفتنوهم عن دينهم ويخرجوهم من الإسلام , رُبطت سمية بين بعيرين ووُجئ قبلها بحربة فقُتلت وقُتل ياسر واشتدت وطأة العذاب علي ابنهما عمار فأعطاهم ما أرادو بلسانه مكرها فقال الناس : كفر عمّار وأتي عمارُّ رسول الله يبكي فقال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان فقال : فإن عادوا فعد , وأنزل الله قوله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ۞ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[النحل : 105 – 106 ] ﴿6﴾
وعندما أصبحت الهجرة من دار الكفر إلي دار الإيمان فرضاً علي كل مسلم استثني الله من العقوبة العاجزين عن الهجرة رغماً عنهم تأمل قوله تعالي : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۞ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۞ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾[النساء : 97 - 99] وقال تعالي : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۞ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة : 91 - 92]
كان من عادة بعض نساء الأنصار أن المرأة إذا تأخرت عن الإنجاب نذرت إن رُزقت بولد أن تُهوده فصار من أبناء الأنصار يهودا ولما دخل أباؤهم في الإسلام أرادوا أن يحملوا أبنائهم علي الدخول في الإسلام واستأذنوا رسول الله فأبي عليهم , وحدث قبل الإسلام أن تنصر ابناء لأحد بني سالم بن عوف من أهل المدينة علي يد تاجر نصراني من الشام فأراد أبوهما أن يجبرهما علي الإسلام واستأذن رسولَ الله فأبي وأنزل الله قوله تعالي : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة : 256] , وكان مملوك لعمر نصرانياً اسمه استق فعرض عليه الإسلام فأبي فيقول عمر : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ﴿7﴾ وقال : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] وقال : ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۞ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية : 21 - 22]
وفي البلدان التي فتحها المسلمون كانوا يقولون لهم : ﴿إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ﴾﴿8﴾وتأمل معي أخي الحبيب نص خطاب عُمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس عقب فتحها : ﴿ هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان : أعطاهم أمانـًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم لاتسكن كنائسهم و لا تهدم ولاينتقص منها ولا من خيرها ، و لا من ولا يكرهون على دينهم ، ولا يسكن معهم أحد من اليهود ﴾﴿9﴾ والطلب الأخير كان بناءاً علي رغبتهم وطلبهم من عمر , قارن هذا أخي المسلم بما كان يحدث في الدولة البيزنطية إما التنصير أو القتل .
وفي أرض الإسلام أخي المسلم لغير المسلمين الحق في الفصل في نوازلهم وخصوماتهم حسب ما تقضي به شرائعهم إلا إذا رغبوا في الفصل بينهم حسب شريعة الإسلام قال تعالي : ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة : 42] وهذا ما أخذ به سيدنا يوسف مع إخوته في مسألة صواع الملك فأمضي شريعة يعقوب في أخيه وكان جزاء السارق في شريعة يعقوب أن يُسترق سنة , أما في شريعة ملك مصر فمضاعفة الغرم والضرب , قال سبحانه :﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾[يوسف : 75]
وكما نعلم جميعاً أنّ الله أحلَّ للمسلم أن يتزوج إمرأة كتابية نصرانية أو يهودية قال تعالي : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة : 5] , ومع أن الرجال قوّامون علي النساء فليس للزوج المسلم أن يُكره زوجته الكتابية علي الدخول في الإسلام أو يمنعها من أداء شعائر عبادتها , بل إنّ بعض المذاهب أوجب عليه أن يصطحبها إلي دار عبادتها ( د: علي عبد الواحد وافي – الحرية في الإسلام )
وإذا نظرنا إلي نوع آخر من الحريات التي كفلها الإسلام للبشر وهي حرية الراي وتشمل حرية التفكير وحرية التعبير وإبداء الرأي وسنري في وضوح وجلاء كيف كفل لكل إنسان هذه الحرية سواء حرية التفكير أو حرية التعبير , فحرر العقل من الجمود ودعا إلي النظر والتفكر في الكون وفي تفس الإنسان : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ۞ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات : 20 - 21] , ووجه الإنسان إلي استخدام ما خلق الله له من حواس كالسمع والبصر واستخدامها كأدوات للتفكير والانتفاع بها لإدراك الحقائق والعلم الذي يُبني علي رُؤية العين وسماع الأُذن وإِعمال العقل فيلاحظ ويستنتج ويصل إلي اليقين أنظر قوله تعالي : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۞ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ۞ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد : 8 - 10] وتأمل قوله تعالي : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج : 46] فإذا لم ينتفع الإنسان بحواسه " سمعه وبصره مثلاً " ليدرك حقيقة الكون ويهتدي إلي خالق المخلوقات وواجد الموجودات سبحانه وتعالي فإن حواسه هذه تصبح معدومة ويتساوي مع الأنعام التي لا تنتفع بما خلق الله لها من حواس إلا في غريزة البحث عن الطعام والفرار من الخطر تأمل قول الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف : 179]
وحرر الإسلام العقل من كل قيد يعوقه عن العمل والتفكير بأسلوب صحيح فحمل حملة شعواء علي الظن والوهم واتباع الهوي والتقليد دون النظر والتفكير .. فاتباع الظن واتباع الهوي والوقوف عند التقليد لا يصل بالإنسان إلي الحق أو الصواب فينبغي علي هؤلاء الذين يتبعوت الظن والهوي قال تعالي : ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ﴾ [النجم : 23] وقال : ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم : 28] وقال : ﴿ إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث ﴾﴿10﴾ وكذلك المقلدين تأمل قوله تعالي فيهم : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] وقال أيضاً : ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف : 28] فإذا فكر الإنسان وأحسن التفكير واهتدي إلي الصواب والحق فلا حرج عليه أن يأخذ به نفسه وينصح به غيره بمعني يعبر عن فكره ويبدي رأيه قال : ﴿الدين النصيحة قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ﴾﴿11﴾
وإذا كانت الكلمة متعلقة بمصلحة للأمة ومصلحة للأخلاق والآداب فعليه أن يجاهر بها أمراً بمعروف ونهياً عن منكر , وهو من صفات الجماعة المؤمنة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة : 71] , يجهر المؤمن بكلمة الحق لا يبالي في الله لومة لائم , وعلي الحاكم أن يسمعها قال أبو بكر الصديق : ﴿ وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ؛ وإن أسأت فقوموني ﴾﴿12﴾ وقيل لأحد حُكّام المسلمين : اتق الله فقال : " لا خير في إن لم أسمعها ولا خير فيكم إذا لم تقولوها ﴾﴿13﴾ وقال : ﴿ من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ﴾﴿14﴾



ساحة النقاش