موقع مزيف احذر الدخول فيه

موقع مزيف احذر الدخول

يعد إحسان عباس من أهم المساهمين في نشر التراث العربي القديم وتحقيقه ، إذ أخرج للنور رسائل ابن حزم الأندلسي، وديوان الرصافي البلنسي ، وديوان ابن حمديس.
وأعاد نشر "وفيات الأعيان" لابن خلكان في ثمانية أجزاء , و"نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب" للمقري التلمساني في ثمانية أجزاء أيضًا, و"الذخيرة في محاسن أشعار أهل الجزيرة" لابن بسام الشنتريني في ثمانية أجزاء أيضاً, و"التذكرة الحمدونية" لابن حمدون (بالاشتراك مع بكر عباس) و"الجليس الصالح الكافي" للمعافى بن زكريا النهرواني, و"معجم الأدباء" لياقوت الحموي (1993, في سبعة أجزاء), وأخيراً كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني في خمسة وعشرين جزءًا بالاشتراك مع إبراهيم السعافين وبكر عباس.
ومما شارك في نشره قديما: "خريدة القصر" للعماد الأصفهاني (بالاشتراك مع أستاذيه أحمد أمين وشوقي ضيف), و"فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" (بالاشتراك مع عبد المجيد عابدين), و "جوامع السيرة" لابن حزم الأندلسي (بالاشتراك مع ناصر الدين الأسد).
وأركز في هذا المقال على تحقيقه وتقديمه لشرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري ؛ وأبدأ بالقول إن إحسان عباس أيقن أن استخراج الشعر المتناثر في المصادر أمر لا يقف بجامع الشعر عند حد الرضى إذ ما يزال يقع كل يوم على جديد يضيفه ؛ لذلك شُغِف بالمعاودة والمراجعة دائمًا لما حقق لا في الطبعة أو الطبعات اللاحقة حسب ، إنما طالت معاودته وملاحقته بعض ما حقق في الدواوين وهي في المطبعة أو في الطريق إليها كشأنه في ديوان لبيد ، إذ ألحق به زيادات وتذييلات في المقدمة والشعر والتخريج وأعانه على هذا ما جدّ من مصادر في المدة التي بين الفراغ من التحقيق والبدء بالطباعة .
إنه من المحققين القلائل الذين لم يكتفوا بما يطلق عليه " خدمة النص" خدمة علمية في تحري الدقة والضبط ،والشرح والتخريج ،والتعريف بالأعلام ، والأماكن، وفي التعليق والتذييل والتصويب ، إنما جاوزه إلى مقدمات إضافية وافية ، ودراسات عن الأعمال الشعرية التي حمل أمانة تحقيقها .
وأكثر مقدماته استفاضة هي مقدمة شرحه لديوان لبيد التي عني فيها بقبيلة عامر عناية تسعف على فهم شعر الشاعر ، وشخصيته وموقفه من الأحداث .إذ عرض لحياة لبيد متكئًا في جوانب منها على شعره الذي فسر به بعض الحوادث ، وخالف الأقدمين في مناسبات بعض القصائد ومناخاتها .
ومما يبعث على الإعجاب في محطات إحسان عباس مع لبيد وشعره ، عنايته بما أحدثه الشاعر من شعر في الإسلام ، إذ نفى المقولة الشائعة التي تزعم أنه لم يقل في الإسلام بيتًا واحدًا ، وصفوة رأيه في شعر لبيد أنه متفاوت فهناك بون بين قصائده التي تصف الطبيعة الجاهلية ، وقصائده التي تتشح بالمشاعر الدينية.
ويرى أن هناك نوعًا آخر من قصائده أشبه بـ ( الجرائد) التي تضم الأعلام وأسماء القبائل ، وليس للغزل مقام في شعره .
ويرد الصعوبة في شعر لبيد إلى ثلاثة أسباب : استغلال معجم القبيلة ، وفقدان الروابط الواضحة بين أجزاء التراكيب ، والإغراق في استعمال التمثيل أي الحرص على الطريقة البدوية التي تعتمد أسلوب الكناية والإيماء .
لقد درج المحققون وصناع المجاميع الشعرية على أن يعيّنوا بحور الأشعار ويقيدوها في رأس كل نص ، غير أن إحسان عباس أثبت بحور النصوص والقوافي في فهارس الشعر . ودرج، أيضًا ، المحققون على وضع أرقام لأبيات النصوص بغية اختصار الحواشي وتيسيرها ، ولم يحرم إحسان عباس بعض أعماله من هذا المكمّل .
أما فهارسه بكل ضروبها فجاءت متقنة على النحو الذي ينشده ، وكان يحرص أن يثبت المصادر والمراجع في آخر الكتاب ، ويرتبها ترتيبًا هجائيًا وفقًا للعنوان ، وقد فصل المخطوط فيه عن المطبوع .
لقد رأى إحسان عباس أن الكتب التي تستحق صفة التحقيق قليلة ، لذلك فرق بدقة بين مصطلحات طبع ونشر وتحقيق في قوله : " والأولى تشير إلى مجرد ظهور كتاب ما ، والثانية إلى أنه ليس محققًا ، والثالثة تؤكد أمر التحقيق "وهو يؤمن أن جامع الشعر ليس ناقدًا ينفي ما يشك في صحته ويثبت ما يراه صحيحًا ، وإنما هو أمين لما يجده في المصادر ،حتى وإن كانت تلك المصادر على خطأ ، وفي ديوان لبيد ذكر الطوسي شارحه أن الشاعر قال قصيدته الرائية :
إِنَّما يَحفَظُ التُقى الأَبرارُ وَإِلى اللَهِ يَستَقِرُّ القَرارُ
حين ارتحلت بنو جعفر فنزلت بجوار بني الحارث بن كعب ، إلا أن إحسان عباس يرجح غير هذا ويرى أن القصيدة قيلت بعد هجرة بني عامر في الفتوحات الإسلامية ، لأنه يبكي فيها عامرًا عامة، ويتعلل بالحكمة وروح التقوى ، ويتحدث عن وقفة بني عامر بالثغور .
ومما له صلة بهذه المسألة صنيعه في الشعر المنسوب إلى الشعراء وإلى غيرهم فهو يفرد في الدواوين المجموعة ، خلافًا لكثيرين من جماع الشعر ، الشعر المنسوب إلى الشاعر عن الثابت له في آخر الديوان ، وينبه في الدواوين الأخرى على ما قد يكون منسوبًا فيها لأصحابها .
ولم يفته في الدواوين التي أعاد تحقيقها أو جمعها أن يسجل أخطاء المحققين السابقين في الشعر المنسوب، ففي ديوان لبيد أقام ملاحق خاصة بالشعر المنسوب إليه وإلى غيره من الشعراء.
إحسان عباس على حد تعبير "يوسف بكار" سادن عظيم من سدنة الموروث ، وحامٍ كبير من حُماته الغُيَر بما أسداه إليه من خدمات . توافرت في هذا العالم الشروط العلمية والأخلاقية الواجب توافرها في المحقق ، فهو ذو معرفة عميقة بالموروث الشعري ، وعلى دراية كبيرة بالأدب العربي القديم ، وذو إطلاع واسع على الفهرسة العربية ، وفهارس الكتب والمخطوطات، وخبير بقواعد المخطوطات ومعاييرها وأصول نشرها .
لقد كان الاطمئنان إلى النسخ الخطية في الدواوين الكاملة والركون إليها وَكْدَه الأول من حيث القدم والاكتمال ، والخط والدقة ، وترتيب الأشعار ، والقراءة الدقيقة .فمثلًا في ديوان لبيد تناول بالشرح القصائد التي لم يجد للطوسي شرحًا عليها برجوعه إلى ما قاله الأئمة ، أو ما نُقِلَ من شروح قديمة ، فقد نقل عن ابن قتيبة في المعاني الكبير ، وعن البغدادي صاحب الخزانة ، ومزج في شرح المعلقة بين شرحي التبريزي والمرزوقي ، تمشيًا مع رأيه في ألا يتولى الشرح بنفسه إلا حين يفقد العون من المصادر .
وقد وضع تذييلًا على مقدمة الديوان نفسه ، بعد دفع الديوان للطبع ، من أجل أن يذكر أنه عثر على نسخة خطية أخرى من ديوان الشاعر أفادته كثيرًا ، وأن يذكر أنه استقى ملاحظات وتخريجات وتعليقات جديدة كثيرة من المصادر التي جدّت في المدّة التي بين الفراغ من التحقيق والبدء بالطباعة ، وقد أدرج بعضها في ملحق .وجعل الشرح في ديوان لبيد في هوامش ، غير هوامش اختلاف الروايات وجعل التخريجات في آخر الديوان .
ومن أظهر سماته العلمية في الموروث دراسة وتحقيقًا فضيلة إدمانه الرجوع إلى المخطوطات .فهو ظل ّ مقتنعًا أن شعر لبيد يستحق عناية جديدة تجعله قريبًا من أيدي القراء ، كان ذلك بعد ما طبع الخالدي ما أسماه الجزء الثاني سنة 1880م ووعد بأن يجمع بقية شعر لبيد من الكتب وينشره هو والمعلقة مع ترجمة لبيد ، غير أن المنية وافته قبل أن يفي بذلك فتولى أنطون هوبر ذلك العمل ونشر قطعة من شعر لبيد 1887 بدأها برقم 21 أي أنه أكمل بها الديوان الذي نشره الخالدي ، وكانت هذه المجموعة تنقص بضع قصائد فأضافها إليها بروكلمان ، واستوفى أبياتًا متفرقة أخرى سواء صحت نسبتها إلى لبيد أو لم تصح ، ولم يعرض للمعلقة.
فأخذ إحسان عباس نفسه بنشره محافظًا على شرح الطوسي كما هو ، لكنه غيّر ترتيب القصائد وقسم الديوان أقسامًا ستة :
_ ما شرحه الطوسي نفسه إلا مراثي أربد .
_ مراثي أربد مما شرحه الطوسي وما لم يشرحه .
_ سائر القصائد التي لم يشرحها الطوسي .
_الأراجيز .
_الأبيات المتفرقة .
_الأشعار المنسوبة .
كان هذا عام 1958م حين فرغ من الديوان ، بيد أنّه تسنى له بعد ما يزيد على سنتين والكتاب ماثل للطبع ، أن يحصل على نسخة جديدة من الديوان كانت في دار الكتب في مدينة جوروم التركية فاعتمدها في القراءة والتحقيق لدقتها ، وحسن ضبطها وقدمها النسبي ؛ ولأن الاختلافات التي تنفرد بها تطابق رواية ابن الأعرابي في أكثر الأحوال مما أضفى عليها قيمة جديدة وجعلها (رواية معتمدة لديوان لبيد ) أكثر من نسخة دار الكتب المصرية (رقم 6ش) التي أهملها إحسان عباس لحداثة خطها وعدم معرفته الأصل الذي أخذت عنه ، يضاف إلى هذا ما جدّ لديه بين الانتهاء من التحقيق وبدء الطبع من ملاحظات وتخريجات وتعليقات كثيرة أدرج بعضها في ملحق وترك الآخر لأن التدخل الكثير في سياق كتابٍ قد صُفّت حروفه يولّد مشقة بالغة واضطرابًا كثيرًا.
إنه عالم جليل ، يعجز الكلام عن وصف جهده وحبه للعطاء ، فارقنا وبقي في النفوس الشيء الكثير الذي تتمنى أن تسجله في حقه ، لقد افتقد العالم العربي والوسط الأدبي برحيله الكثير، ولا نملك إلا السطور القليلة التي عرضت نموذجًا حيًّا على أسلوبه في التحقيق وأمانته العلمية وحرصه على الدقة ، ونقله للتراث في صورة أمينة .
للاستزادة يمكن مراجعة : شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري ، أبوعقيل لبيد بن ربيعة بن مالك، تحقيق :إحسان عباس ، وزارة الارشاد والأنباء، الكويت، 1962م .وسادن التراث : إحسان عباس ، يوسف بكار ، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2001م .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 67 مشاهدة
نشرت فى 22 إبريل 2016 بواسطة dsdsdsfffssff