موقع مزيف احذر الدخول فيه

موقع مزيف احذر الدخول

 

 

تحدد اللغة الشعرية شخصية كاتبها، فهى بصمة الشاعر. نستطيع مثلا معرفة شعر المتنبي وشعر السياب او نزار القباني مجرد قراءته وتمييزه عن الاخرين ودواليك. ولكي تكون اللغة لغة شعرية يتوجب عليها استيعاب قواعد الانزياح لتوليد واطلاق طاقة المفردة الحبيسة في المعنى القاموسي. تتولد حينئذ الصورة الشعرية متداخلة مع موسيقاها ووزنها فتمنحها تلك الرشاقة اللفظية المثيرة عند الشاعر. ويتوجب على كل هذه العملية المعقدة ان تقود القارئ الى عملية الاغراب والتي دونها يكون فهم القارئ مسطحا يفتقد الى ثلاثية الابعاد في تشكيل الصورة.
التقيت بالشاعر عبد الوهاب البياتي لاول مرة عام 1971 في مهرجان (ابو تمام) في نينوى. كنت قد قرأت كتابات البياتي قبل ان التقيه بعدة اعوام ولم استسيغها ربما لانني كنت معجبا حينها بنزار قباني والسياب. كنت في بداية العشرينات من عمري وحينما دخلت الاربعينات اعدت الكرة في قراءة اعمال البياتي فتولد لدي ذات الشعور المحبط. واعدتها في الخمسينات من عمري واذ بي انفجر غضبا لحصولي على ذات الانطباع.
ومما هدأ من روعي وواساني ان البعض من صحبي لديهم ذات الانطباع حول شعر البياتي. كنا نتجاذب اطراف الحديث للاجابة عن سؤال واحد:لماذا هذا الانطباع؟ ولماذا تلك السمعة الشعرية له؟ قررت اخيرا ان الج نصوص البياتي واغوص في بعض من قصائده علي اجد الجواب.
كان على جواده بسيفه البتار
يمزق الكفار
وكانت القلاع
تنهار تحت ضربات العزل الجياع
 
هذه اسطر من قصيدة (صورة على غلاف) واذا لاحظت السطر الاخير فانه مكسور الوزن اذ ان الابيات تسير على هذا النحو العروضي:
مستعلن/ مفاعلن/مفاعلن/فالاتن
مفاعلن/ فالاتن
ثم ينهار الوزن والموسيقى في السطر الاخير تماما وتبتعد الموسيقى عن تدرجاتها المتناسقة الى لغة نثرية تفتقد التفعيلة. يتكرر هذا الامر كثيرا مع البياتي دونما اعطاء مبرر لهذا الكسر.
يتبنى الاسلوب البياتي الرمزية بشكل مخيف بحيث يستغلق فهمها احيانا ان لم تعد قراءة النص مرتين او اكثر. هذا امر لامأخذ عليه لكن المأخذ يكمن في فشل البياتي في تقديم الرمز بلغة شعرية انزياحية مستثمرا مفرداتها وزخمها لخلق الصورة الشعرية. يقود هذا الامر الى المباشرة في النص وهذا هو فايروس الشعر الذي تتآكل المعني من خلاله.
كان على جواده بسيفه البتار
يمزق الكفار
تبدو المباشرة واضحة هنا حيث كان من المفترض ان يقدمها الشاعر عبر الصورة الشعرية وليس من داع ذكر البتار لعدم توفر عنصر الانزياح فيه. كان من الممكن ان يعبر عن هذا الرمز بصورة اكثر اثارة للقارئ مثلا:
كان على جواده يستل من عصف الفيافي سيفه
ولايبالي حتفه
سطرا شعريا يحمل الرمز منسابا الى ذهن المتلقي مبتعدا عن تلك المباشرة الممجوجة. كما انني لاأجد اية لمسة شعرية في كلمات مثل ( العزل الجياع) فهى كلمات نثرية لها مئات البدائل الشعرية.
ومن قصيدة اخرى عنوانها (الطفولة) وتحت اسم الحداثة يدخل البياتي عبارات توقظ القارئ من ذلك الخدر اللذيذ عند قراءة الشعر:
ولدتُ في جحيم نيسابور
قتلت نفسي مرتين، ضاع مني الخيط والعصفور
لن اعلق كثيرا على هذا المقطع لكنني اتركه لضمير القارئ المثقف وحسه النقدي متسائلا لو ان شاعرا غير البياتي قال: ضاع مني الخيط والعصفور ..فبما كنا نجيبه؟ كلمات تتناسق مع بعضها لاغراض القافية: نيسابور والعصفور! يجوز تكرار القوافي في الشعر الحديث حتى وان تسارع ايقاعها على شرط ان تتواصل مع المعنى كي تخلق عند القارئ حس المفاجأة والاغراب، لارصفها عشوائيا كي نحصل على موسيقى يداخلها النشاز ولاطائل منها. وخير مثال لما ذهبت اليه هو استخدام نزار قباني لسرعة القافية ولكن مع مراعاة المعني وواقعيته الشعرية فيقول مثل من قصيدة (لماذا):
لماذا تخليت عني؟
اذا كنت تعلم اني...
احبك اكثر مني
لماذا؟
التزم الشاعر بتفعيلة البحر المتقارب كي لايحدث نشازا في موسيقاه، كما انه ربط القوافي رغم تسارعها بشكل منطقي مقنع لايثير سخط المتلقي.
ويكرر البياتي ذات الاسلوب في كثير من قصائده، فيقول في (الموت) جملا لاتمت للشعر والشاعرية بصلة، او على الاقل كما وجدتها هكذا:
ينسل في فراشه بردان
ينعب فوق الطلل البالي مع الغربان
الثعلب العجوز، مر من هنا، سكران
لاادري كيف اوصلت قصائد كهذه البياتي الى مصاف الشعراء الكبار، هذا نظم وليس شعر. وكان اجدر بالبياتي التعبير عن هذه الحالة بصورة شعرية مستساغة مبتعدا عن المباشرة وتكرار القوافي المشروخ. فما الذي يربط كون الرجل بردانا تحت فراشه وكونه ينعب مع الغربان، صورتان متضاربتان الاولى تدل على الانكفاء تجاه الذات والنكوص والاخرى تدل على العالم الخارجي ولم يفلح الشاعر في ايجاد رابط اومعادل موضوعي لهما وهو امر لابد منه فنيا.
اما القصيدة التي اثارت استغرابي الشديد وكيف مرت بسلام من عيون النقاد الثاقبة فهى قصيدته (الليل في كل مكان) حيث يقول:
السمك الفضي في البحار
المعدن الخسيس فوق النار
الفجر والنساء والافكار
لاادري اي معنى شعري وبلاغي تحمله هذه الجمل المبتورة التي لاصلة بينها، ام ياترى ماذا اراد الشاعر قوله واستعصى على فهمنا المتواضع؟ اقرأ الابيات التالية لبدر شاكر السياب كي تجد الفرق الشاسع بين شاعرية الاديبين:
بعدما انزلوني، سمعت الرياح
في نواح طويل تسف النخيل
والخطى وهي تنأى، اذن فالجراح
والصليب الذي سمروني عليه طوال الاصيل
لم تمتني، وانصت: كان العويل
يعبر السهل بيني وبين المدينة
مثل حبل يشد السفينة
وهى تهوي الى القاع.
(المسيح بعد الصلب)
ان استخدام السياب لمثل هذا الضرب الحديث من شعر التفعيلة اعطاه ميزة موسيقية تنسجم وتتناغم مع المعنى، براعة مابعده براعة مزج بين تفعيلتين من الرمل والمتقارب: فاعلاتن و فعولن دونما كسر او تراخ لغوي، وتظل القافية عند السياب الهاما موسيقيا وزخما في المعنى والتناسق.
وخلاصة القول انني حاولت جهدي كي اتقبل شعر البياتي فلم افلح وهكذا قراته وهكذا فهمته.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 272 مشاهدة
نشرت فى 19 إبريل 2016 بواسطة dsdsdsfffssff