هذه السيرة النبوية البشعة لمحمد أسد بك! (2-3)
د. إبراهيم عوض

ومن أكاذيب أسد بك وافتراءاته أيضا قوله إن محمدا كان يشارك قومه طقوسهم الدينية فى الجاهلية، وإن لم يُكِنّ للأوثان مع هذا احتراما كبيرا، وإنه كلما رزق بولد قدم للأوثان قربانا. بل إنه سمى أحد أولاده باسم "عبد مناف". وهو كلام عجيب، فكتب السيرة والتاريخ والحديث لا تذكر أنه صنع شيئا من ذلك، اللهم إلا خبرا شاذا أورده ابن الكلبى سنتناوله بعد قليل. ولو كان هذا صحيحا فهل كان المشركون وأهل الكتاب والمنافقون ليسكتوا فلا يتخذوا منه سلاحا لمحاربته والصد عن دعوته والتعجيب من شأنه إذ ينكر على قومه اليوم ما كان يشاركهم فعله بالأمس؟
وإذا كنا نعرف أنه عليه الصلاة والسلام قد رغب مرة، وهو شاب يرعى الغنم، أن يشهد لهو القرشيين فى أحد أعراسهم، فألقى الله عليه النوم، فلم يستيقظ إلا وقد طلع الصباح، أفكان سبحانه وتعالى تاركه يتلطخ بحمأة الوثنية، وهو الذى يُعِدّه ليكون رسوله إلى العالمين؟ لقد كان الحنفاء، وهم بكل تأكيد أقل منه صلى الله عليه وسلم فى نبل النفس والغيرة على الحق والاستعداد الفطرى للكما ل العقيدى والخلقى، يزدرون الأوثان ويزورّون عنها ويعيبون على قومهم عبادتها والتقرب لها، فما بالنا بمحمد صلى الله عليه وسلم؟
وليس هناك من يجهل أن محمدا كان يتحنث فى غار حراء الليالى ذوات العدد من كل عام معتزلا قومه وما هم فيه من ضلال فى العقيدة والسلوك، فكيف بالله يجرؤ إنسان على أن يتقول عليه خلاف ذلك؟ والطريف أن الكاتب الكذاب المفترى قد عاد فقال إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يكن للأوثان كبير احترام. وإننا لنتساءل: ترى كيف لم يكن يكنّ للاوثان احتراما كبيرا، وفى ذات الوقت يحرص كل الحرص على مشاركة قومه طقوسهم وتقديم القرابين لها كلما رزق بطفل؟ ثم إن المسمى بـ"محمد أسد بك" لا يفعل هنا أكثر من ترديد رقاعات نفر من المستشرقين والمبشرين إذ يقولون إن هذا هو معنى قوله تعالى: "ووجدك ضالًّا فهدى" مع أن هذه الآية إنما تشير إلى فترة التحنث، التى طال فيها بحثه عن الحقيقة، ولم يصل فيها إلى شىء قاطع تطمئن له نفسه تماما. والضلال هنا هو مثل الضلال فى قول موسى عن نفسه، حين قتل المصرى خطأ قبل أن يختاره الله نبيا، بأنه كان "من الضالين". ولقد وضح القرآن "الضلال" الذى وجد الله محمدا عليه قبل البعثة فهداه، إذ قال مخاطبا إياه: "ما كنتَ تدرى ما الكتابُ ولاالإيمانُ". فلم تكن نظراته فى الكون والحياة سوى تأملات حائرة رغم إخلاصها وانبعاثها من قلب كريم.
أما ابن الكلبى فتقابلنا فى كتابه: "الأصنام" العبارة التالية: "وقد بلغَنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَها (أى العُزَّى) بقوله: لقد أهديتُ للعُزَّى شاةً عفراءَ وأنا على دين قومى". لكنه، غفر الله له، لم يذكر من الذى قال له هذا الكلام ولا فى أى ظرف أو لأى سبب تم تقديم القربان ولا من كان مع الرسول حينذاك من أبناء قومه. ثم لماذا لم يرو ذلك أحد آخر غير ابن الكلبى؟ إن مثل ذلك الخبر الغريب الذى يصادم ما نعرفه عن رسول الله ونبذه الأوثان وكل ما يتعلق بها لا يمكن قبوله أبدا، فضلا عما قلته آنفا من أنه عليه السلام لو كان قد مارس طقوس الوثنية فى يوم من الأيام لاحتج عليه المشركون واليهود والمنافقون وجعلوها مطعنا فى دعوته الجديدة أىّ مطعن. وعلى أية حال هذا، فيما نعرف، هو الخبر اليتيم بل الشاذ فى هذا الموضوع.
وعلى نفس المنوال يردد الكاتب ما يقوله أمثاله من حقدة المستشرقين والمبشرين من أنه صلى الله عليه وسلم قد مدح اللات والعزى ومناة أثناء قراءته سورة "النجم" عند إعلانها على الكفار لأول مرة. ولقد أفاض علماء الإسلام قديما وحديثا فى تفنيد الرواية السخيفة التى أوردت ذلك، وبينوا تهافت سندها وما إلى هذا، وانتهَوْا إلى أنها من صنع بعض الزنادقة. والواقع أنه يكفى أن يقرأ المسلم فى أول تلك السورة قوله تعالى عن رسوله الكريم: "وما ينطق عن الهوى * إِنْ هو إلا وَحْىٌ يُوحَى" كى يرمى هذه الرواية دُبْرَ أذنه بل تحت قدمه، إذ لو كان الرسول قد نطق فعلا جملتى "إنهن الغرانيقُ العُلَا * وإنّ شفاعتَهنّ لتُرْتَجَى" لكان قد نطق عن الهوى، إذ تقول تلك الرواية المزعومة إنه صلى الله عليه وسلم كان يهوَى أن يقارب قومه حتى لا ينفروا منه ومن دعوته. كذلك لو نطق الرسول بهاتين الجملتين فكيف تركه ربه عز وجل فلم يأخذ منه باليمين ولم يقطع منه الوتين حسبما جاء فى سورة "الحاقة": "ولو تقوَّل علينا بعضَ الأقاويل * لأخذْنا منه باليمين * ثم لقطَعْنا منه الوَتِين"؟ هذا بالنسبة للمسلم، أما من فى قلوبهم مرض من نفاق أو كفر فإننا نقول لهم إن السورة كلها من أولها إلى آخرها هجوم صاعق على الأوثان وعابديها. فبالله كيف يُتَصَوَّر أن يكون هناك مدح للأوثان فى غمرة هذا الهجوم المدمدم عليها والتسفيه العنيف لعابديها؟
ثم إن الجملتين المذكورتين تثبتان الشفاعة لهذه الأوثان دون تعليق ذلك على مشيئة الله سبحانه، وهو ما لم تفعله الآيات القرآنية مع أى كائن آخر بما في ذلك الرسل والملائكة أنفسهم. فكيف يصح قبول هذا، وبخاصة إذا عرفنا أنه قد جاء فى تضاعيف السورة قوله تعالى عن تلك الأوثان: "إِنْ هى إلا أسماءٌ سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان"؟ وهل يظن أحد أن المشركين، لو كان الرسول قد نطق فعلا هاتين الجملتين، كانوا ليفلتوا هذه الفرصة من أيديهم دون أن يقيموا الدنيا ويقعدوها، وهم الذين لم يكونوا يَعِفّون عن أية وسيلة لمحاربته والتشنيع عليه وعلى دينه مهما حَقُرَتْ وأمعنتْ فى الضلال؟ ثم لقد كان الرسول طَوَالَ سنوات الدعوة نموذجا فذا فى صلابة الاستمساك بالوحدانية، فكيف يصح أن يدور فى خاطر أحد أن هذه الصلابة قد لانت فى تلك الواقعة؟
وزيادة على ذلك فإن التحليل الأسلوبى لهاتين الجملتين ينفى نفيا قاطعا أن تكونا من نسيج القرآن الكريم. لقد بدأت الآيات التى تتحدث عن الأوثان الثلاثة فى سورة "النجم" هكذا: "أفرأيتم اللاتَ والعُزَّى * ومناةَ الثالثةَ الأخرى". ومن ينظر فى السياق الذى ورد فيه تركيب "أفرأيتم" فى المواضع الإحدى والعشرين فى القرآن، وكلها فى خطاب الكفار، سوف يجد أنه لم يُسْتَعْمَل فى أى منها فى ملاينة أو تلطف، بل أتى فيها جميعا فى مواقف الخصومة والتهكم والتقريع والتهديد وما أشبه، فكيف يمكن أن يشذ هذا التركيب فى سورة "النجم" ويجىء فى سياق مراضاة الكفار ومدح آلهتهم؟ ثم إن كلمة "ترتجى" غريبة عن الأسلوب القرآنى، إذ ليس فيه فعل من أفعال الرجاء على صيغة "افتعل". أما على الرواية الأخرى التى استعملت كلمة "تُرْتَضَى" بدلا من "ترتجى" فالرد على ذلك هو أن هذا الفعل لم يستعمل فى القرآن قط واقعا على الشفاعة، وإنما يستخدم مع الشفاعة الأفعال التالية: "تنفع، تُغْنِى، تَمْلِك". كذلك لم يرد ضمير الشفاعة فى القرآن نائب فاعل قط كما هو الحال فى الجملة المذكورة. وبهذا نغلق هذا الباب نهائيا أمام كل جهول يحسب أنه يستطيع أن يجد مغمزا فى كتاب الله أو فى رسول الله.
وبالنسبة لليهود فإن ما قاله الكاتب من أنه صلى الله عليه وسلم كان، وهو فى مكة لا يزال، يعرف أن اليهود موحدون مثله (ص125) هو كلام عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلا. وحسبنا أن نقرأ قصة موسى وبنى إسرائيل فى الوحى المكى لنعرف أن القرآن قد دمغهم منذ ذلك الوقت المبكر بالارتداد عن الوحدانية وعبادة الأوثان والعصيان وانتهاك حرمة السبت كلما سنحت لهم فرصة. نقرأ ذلك فى سورة "الأنعام" و"الأعراف" و"الإسراء" و"طه". إن المستشرق الكذاب يريد أن يقول إن الرسول، بعدما كان يثنى على اليهود لما هم عليه من توحيد ودين صحيح، عاد فانقلب عليهم لا لشىء إلا لأنهم لم يؤمنوا به، وهم لم يؤمنوا به لأنهم أَلْفَوْا دينهم أفضل من دينه، فلم يشاؤوا أن يفرّطوا فيما بأيديهم. هذا هو حل الشفرة الخبيثة!  
أما قوله بعد ذلك إن اليهود هم الذين كانوا يحمون النبى عليه السلام فتأتأة أطفال لا قيمة لها. إن التاريخ لا يُخْتَرَع اختراعا كما يحاول أن يفعل المؤلف استهزاء منه بعقول قرائه. ثم متى بالله كان اليهود يعرفون معنى الإنسانية على هذا النحو؟ وإذا كانوا لم يحموا نبيهم موسى بل تركوه يواجه الجبارين وحدهم قائلين له: "اذهب أنت وربك فقاتلا. إنا ها هنا قاعدون"، أما هم فأعلنوا أنهم لن يدخلوا الأرض المقدسة ما دام أولئك الجبارون فيها، فمن أين يا ترى واتت اليهودَ الشجاعةُ والمروءةُ والشهامةُ مع نبى غير نبيهم، نبى يؤكد قرآنه أنهم انحرفوا وضلوا عن سواء السبيل وكفروا بما نزل على موسى نفسه؟ ثم ممن حمى اليهود محمدا؟ لقد هاجر عليه السلام بناء على اتفاق العَقَبة مع الأنصار، الذى ينص على أن يؤمنوا به ويحموه هو ودينه من أى خطر. فما دخل اليهود فى ذلك؟
ثم إن اليهود قد عالنوه صلى الله عليه وسلم بالعداوة منذ اللحظات الأولى. وفوق ذلك فقد بان غدرهم سريعا لم يتلكأ، إذ لما طالبهم الرسول عليه السلام بالاشتراك فى دفع إحدى الديات حسبما تنص معاهدة الصحيفة بين طوائف مواطنى المدينة تمثلت استجابتهم فى محاولة قتله وهو جالس إلى سور حصن من حصونهم بالتخطيط لرمى رحى من فوق السور على رأسه. ثم مرة أخرى تعرضوا لامرأة مسلمة كانت تشترى شيئا من سوقهم، فكشفوا سوأتها وفضحوها وأخذوا يتصايحون استهزاء بها، وثارت معركة بينهم وبين بعض المسلمين الغيارى الذين لم يعجبهم هذا الإجرام الفاحش وسقط قتلى. فمن أين للمؤلف الكذاب بأن اليهود قد حَمَوُا النبىَّ عليه السلام؟ إنه يريد تصويره صلى الله عليه وسلم بصورة الجاحد للجميل. فانظر إلى هذا الخبث الإبليسى والتدليس المنحط!
ومثل ذلك زعمه أنهم أرادوا مشاركة المسلمين الحرب فى غزوة أحد. وهو زعم كاذب تمام الكذب. لقد انقلبوا عليه صلى الله عليه وسلم عقب انتصار الإسلام فى غزوة بدر، وأخذوا يحقرون من شأن ذلك النصر ويهددون الرسول قائلين: "لايَغُرَّنَّك أنك قابلت قوما لا علم لهم بالحرب. فإنك إن لَقِيتَنا لتعلَمَنَّ أننا نحن الناس"! وقد انتهى أمرهم معه قبل أُحُد إلى أن اعتدى بعض بنى قينقاع على عرض سيدة مسلمة كما قدّمنا قبل قليل، وقتلوا المسلم الذى هب لحمايتها والانتقام لشرفها، فما كان منه صلى الله عليه وسلم سوى أن أجلاهم عن المدينة تخليصا لها من شرهم وتآمرهم ونكرانهم جميل أهلها الطيبين الذين آوَوْهم عندما نزلوا عليهم قديما. فكيف بعد ذلك كله يمكن أن نصدق زعم الكاتب المتخفى أنهم كانوا يريدون الوقوف معه فى أُحُدٍ ضد المشركين؟ لقد بلغت بهم الوقاحة والكفر بدينهم نفسه أن قالوا يوما لهؤلاء المشركين إن وثنيتهم التى هم عليها خير من التوحيد الذى أتى به الرسول عليه السلام. ثم من من المؤرخين يا ترى قال إنهم عرضوا عليه معاونته فى غزوة أحد؟ وأين؟ أم ترى المسألة مجرد كلام، والسلام؟
هذا، ولا أظن أحدا يمكن أن يَصْغُوَ بأذن التصديق إلى قصة نوروز، التى لا أدرى من أى واد من أودية الوهم والضلال قد أتى بها الكاتب. ترى هل كان هناك أصلا شخص من يهود المدينة اسمه نوروز؟ بل هل كان هذا اسما من أسماء الأشخاص فى بلاد العرب كلها حينذاك؟ ثم إن عيد النوروز لم يعرف إلا فى العصر العباسى، وهو عيد فارسى. وليست هناك من وشيجة تربطه باليهود البتة. أإلى هذا المدى تبلغ أحقاد اليهود وأكاذيبهم على محمد ودينه؟
ويبلغ بالكاتب التدليس أقصى مداه حين يتهم الرسول عليه السلام بأنه نقض الصحيفة التى كانت تنظم العلاقات بين طوائف السكان فى المدينة عقب هجرته صلى الله عليه وسلم إليها، وتنص على وجوب التناصر بينهم متى وقع اعتداء على أى منها. إن تاريخ اليهود معه عليه الصلاة والسلام وتآمرهم عليه ومسارعتهم فى كل مناسبة إلى نقض الصحيفة المذكورة معروف للقاصى والدانى. وقد اعترف بذلك واحد كالدكتور إسرائيل ولفنسون نفسه، وهو باحث يهودى ألف كتابا عن بنى دينه فى جزيرة العرب. لكن المدعو: أسد بك يظن أنه يكفى أن يخال ويتوهم حتى تكون خيلته وتوهماته وقائع تاريخية صحيحة!
ولقد ظل اليهود يكررون بغباء منقطع النظير أخطاءهم القاتلة ذاتها حتى كانت خيانتهم العظمى فى غزوة الخندق، فلم يكن بد من التنكيل بهم وإذاقتهم عدلا وحقا من نفس الكأس التى كانوا يريدون إذاقة المسلمين منها غدرا وخيانة. وغريب أن يلمز محمد أسد بك الصحابى الجليل سعد بن معاذ يريد أن يوهم القراء الغربيين الذين لا علم لهم بحقيقة تاريخ اليهود مع سيد الرسل أن حكمه بإعدام المقاتلين الخونة الذين ظاهروا المشركين فى تلك الغزوة وسبى الذرية والنساء هو حكم ظالم. ترى ماذا كان الكاتب يريد سعدا أن يفعل؟ هل كان يريده أن يربت على أكتاف الخونة ويأمر بخلع الأوسمة والنياشين عليهم؟ لقد كان أولئك الأرجاس يعملون على القضاء على الإسلام وإبادة المسلمين على بكرة أبيهم. ولا بد أن يكون الجزاء من نفس جنس العمل.
ومع هذا فقدكان حكم سعد رضى الله عنه أخف كثيرا من حكم العهد القديم فيما هو دون ذلك، فقد جاء فيه: "حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ، 11فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ. 12وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا. 13وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. 14وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. 15هكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدًّا الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ هؤُلاَءِ الأُمَمِ هُنَا. 16وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، 17بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ".
وحالة بنى قريظة هى الحالة الثانية لأن القرظيين كانوا من الأمم التى يساكنون المسلمين فى المدينة، فيحق عليهم بنص العهد القديم الإبادة التامة التى لا تبقى على رجل أو امرأة أو ولد أو بنت أو حيوان أيا كان نوعه، مع التنبيه إلى أن العهد القديم يتحدث عن معركة عادية بين الطرفين، أما هنا فنحن أمام حالة سافرة وقحة مجرمة من الخيانة العظمى. أفرأيت، أيها القارئ، كيف أن حكم سعد على خونة بنى قريظة الذين وضعوا أيديهم فى أيدى المشركين واتفقوا معهم على مهاجمة المسلمين من الأمام بينما يطعنون هم المسلمين من الخلف فى ظهرهم بخنجر مسموم هو  حكم رحيم جدا؟ ولولا ستر الله وتدخل نعيم بن مسعود الغطفانى فى الوقت الحرج، وكان قد أسلم سرا وقام بالوقيعة بين الأحزاب والقرظيين وأوقع فى قلب كل طرف الشك المربك تجاه الطرف الآخر مما أفشل التآمر وكف يد قريظة عن الطعن المسموم فى ظهور المسلمين، لبادوا وصاروا فى خبر كان، ولَفَرَكَ أسد وأشباهه أيديهم حبورا وسرورا. ألا لعنة الله على كل خوان كفور ومن يعضده من المدلسين الكذابين! ومع هذا فما سكن اليهود بلدا إلا وأثاروا عليهم كراهية الناس من حولهم جراء أنانيتهم وحقدهم وشرهم وغدرهم وتطاولهم وصلابة رقابهم، وانتهى أمرهم إلى نيل جزائهم ومغادرة البلد والتشرد فى الآفاق. فما حدث لهم فى المدينة هو الأمر الطبيعى بالنسبة إليهم. 

 

أما ما سطره المستشرق الحاقد عما يزعم أنه تصور النبى للجن والشياطين فهو كلام مغموس فى مداد الحقد المستعر الأرعن. فالنبى عليه السلام كان أرجح البشر عقلا، وأكثرهم سكينة نفس، وأضبطهم أعصابا، وأربطهم جأشا، وأدهاهم تصرفا، وأبعدهم نظرا، وأدقهم تخطيطا، وأعمقهم رؤية، وأقواهم تحملا للمشاق والصدمات. ولو كان كما يصوره الكاتب الكذوب أكان يستطيع أن ينشئ دينا كالإسلام يكتسح معظم أرجاء المسكونة فى عصره فى وقت قياسى محطما الأديان الباطلة الأخرى بجيوشها الجرارة وإمبراطورياتها العريقة رغم افتقاره لمقومات النجاح المعتادة؟ ثم من أخبره بأن النبى كان يسمع صراخ الصخور عند غار حراء، وأنه ظل أسابيع تائها بين الجبال لا يستطيع أن يبصر طريقه إلى مكة، وأنه كان أشعث أغبر ممزق الملابس؟ إن محمدا لم يقل ذلك عن نفسه ولا رآه أحد وقتئذ ولا كتبه أحد من مؤلفى السيرة أو التاريخ أو رواة الأحاديث؟ الواقع أن الكاتب يكذب ويخترع فى وقاحة لا شبيه لها. 
ونبلغ قصة سحر النبى عليه الصلاة والسلام التى كان يتوهم فيها إتيان نسائه رغم أنه لم يكن يأتيهن، مما جعلهن ينظرن إليه فى شبق وغيظ. وبادئ ذى بدء أسوق الحديث الذى عض عليه الكاتب كأنه كلب وقع على قطعة من العظم. يقول الحديث، وهو من رواية البخارى: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُحِرَ حتى كان يَرَى أنه يأتي النساءَ ولايأتيهِنَّ. قال سفيانُ: وهذا أشدُّ ما يكونُ من السِّحْرِ إذا كان كذا. فقال: يا عائشةُ، أعَلِمْتِ أن اللهَ قد أفتاني فيما استفتَيتُه فيه؟ أتاني رجلانِ، فقعَد أحدُهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلي، فقال الذي عند رأسي للآخَرِ: ما بالُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بن أعْصَمَ (رجلٌ من بني زُرَيْقٍ حَلِيفٌ ليَهُودَ كان منافقًا). قال: وفيمَ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ. قال: وأينَ؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذكَرٍ تحت رَعُوفَةٍ في بئرِ ذَرْوانَ. قالتْ: فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم البئرَ حتى استخرجه، فقال: هذه البئرُ التي أُرِيتُها، وكأن ماءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وكأن نخلَها رُؤوسُ الشياطين. قال: فاستُخْرِجَ. قالتْ: فقلتُ: أفَلا (أي تنَشَّرَتْ)؟ فقال: أما واللهِ فقد شفاني اللهُ، وأكرَهُ أن أُثِيرَ على أحدٍ من الناسِ شَرًّا". 
وهناك، كما هو معروف، من ينكر وقوع السحر للنبى لأنه يناقض رد القرآن على متهميه بالسحر. وأنا معهم فى هذا، وأرى أيضا أنه لا يليق بنبوته أن يكون أعداؤه قد تسلطوا عليه بالسحر حتى وصل إلى تلك الحالة التى تثير الشفقة والرثاء من جانب محبيه، والشماتة والابتهاج من جانب شانئيه، ويظهر فيها عاجزا لا يمكنه هو أو غيره أن يصنع إزاءها شيئا. بل إنه ليبدو وكأنه غير واع بالأمر أصلا. وهذه معضلة أخرى أنكى وأشد. وفوق هذا ففى النص أشياء جديرة بالملاحظة: فمثلا تقول القصة إن عليه السلام بعد أن سُحِرَ كان يرى أنه يأتى نساءه ولا يأتيهن. ولا أدرى كيف يكون ذلك. لو قيل إنه كان يريد إتيانهن لكنه لا يستطيع لكان الكلام مفهوما بغض النظر عن موافقتنا على صحته أو لا. أما القول بأنه كان يرى أنه يأتيهن لكنه لا ياتيهن فأمر لا يقبل التصور أساسا. 
ثم تمضى القصة قائلة إن ملكين قد أتياه وهو نائم، فسأل أحدهما الآخر: ما بال الرجل؟ وكأن ملكين قد أرسلهما الله لمعالجة رسوله يمكن أن يجهلاه إلى هذا الحد فلا يعرفا أنه رسول الله بل مجرد رجل من ملايين نكرات الرجال. إن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا تخيلنا أن الملكين كانا مدلجين ذات ليلة على غير هدى فصادفا رجلا مجهولا نائما تحت شجرة، فقالا ما قالا. كذلك نفهم من القصة أن أحدهما لم يكن يعرف ماذا أصاب الرسول، إذ يسأل زميله: ما بال الرجل؟ فلماذا إذن كان مجيئهما إليه صلى الله عليه وسلم؟ 
كذلك لم وضع الساحر سحره فى بئر ولم يضعه فى بيته مثلا حتى يطمئن إلى أن أحدا لن يمكنه الوصول إليه، فضلا عن أنه سوف يكون أسهل عليه من تكلف الذهاب إلى البئر المذكورة والنزول فى الماء والطين لإخفاء العمل السحرى الذى جهزه واحتمال رؤية أحد من الناس له وهو يفعل ذلك؟ ولماذا لم تشف السماء النبى مباشرة بدلا من هذا السبيل المعقد الذى قرأناه؟ وتقول القصة إن النبى، بعد استخراجه السحر، لم يشأ أن يثير على أحد من الناس شرا. وهى عبارة غامضة: فهل المقصود بالناس هنا هم المسلمون؟ لكن أى شر يمكن أن يصيبهم جراء ذلك؟ هل هو الخوف من الفتنة؟ لكن الفتنة وقعت وانتهى الأمر، إذ علم المسلمون أنه صلى الله عليه وسلم مسحور وعاجز عن فعل أى شىء ينقذه من الحالة السيئة التى كان عليها. بل إن الروايات الأخرى فى البخارى ومسلم وابن حبان تقول إنه صلى الله عليه وسلم، حين قصد البئر ليستخرج منها السحر، قصدها فى جماعة من أصحابه، بالإضافة إلى أنهم لا بد أن يكون قد ثار فى أذهانهم السؤال التالى: كيف ينفى القرآن عن الرسول السحر، وهو ذا أمامنا مسحور بلا أى جدال؟ أم هل المقصود بأحد من الناس هو الساحر؟ لكن ألم يأت فى الأحاديث أن الساحر يجب أن يُقْتَل؟ فلماذا لم يطبَّق هذا الحكم عليه؟ ثم من استخرج السحر من الماء؟ أهو الرسول؟ فهل يليق به صلى الله عليه وسلم، وهو النبى والحاكم والقائد والمشرع والقاضى، أن ينزل بئرا ليبحث فيها عن عمل من أعمال السحر؟ أم هو واحد من الصحابة؟ فمن هو يا ترى؟ ولماذا لم يقدم لنا تقريرا عما رأى وسمع؟ وهل اكتفى الساحر بسحره مرة واحدة فقط؟ وأين تفاصيل معاناة الرسول عليه السلام؟ 
وفى الرواية الموجودة فى "لباب النقول" للسيوطى يأمر الرسول صحابته بأن يذهبوا إلى البئر المذكورة فينزحوا ماءها حتى تظهر الصخرة التى وضع السحر تحتها فيستخرجوه ويحرقوه. وهو عمل مرهق يأخذ وقتا ويلفت الأنظار، ولا يتسق مع قول الرسول إنه لا يريد أن يثير بين الناس فتنة، إذ لا بد أن يعلم به القاصى والدانى من أهل المدينة على الأقل. وهذا نص رواية "لباب النقول: "مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ. قال : وما طُبّ؟ قال: سُحِر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في كرية. فأْتُوا الركية فانزحوا ماءها وارفعوا الصخرة ثم خذوا الكرية واحرقوها. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فأَتَوُا الركية فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكرية وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة. وأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس". ولنلاحظ أن أحد الرجلين اللذين أتيا النبى فى الرؤيا، والمفروض أنهما ملكان، لا يعرف معنى "طُبّ" كما هو واضح. فهل يعقل هذا؟ ثم إن هذه الرواية تتحدث عن إحراق السحر، بينما فى رواية أخرى للبخارى غير الرواية السابقة لا إحراق للسحر ولا حتى استخراج له، علاوة على أن لبيد بن الأعصم فيها يهودى وليس من الموالسين معهم.
وفى رواية صحيحة فى "فتح البارى" لابن حجر نقرأ ما يلى: "فقالت أختُ لبيدِ بنِ الأعصمِ: إن يكن نبيًّا فسيُخْبَرُ، وإلا فسيُذْهِلُهُ هذا السِّحْرُ حتَّى يُذْهِبَ عقلَه". وها هو ذا قد أخبر الله نبيه بالسحر وشفاه منه وأبطل كيد ابن الأعصم، فماذا فعلت أخته؟ ولماذا لم يحاجّها المسلمون بشفاء رسول الله ويطالبوها هى وأخاها باعتناق الإسلام؟ لكننا ننظر فنجد أن الأمر قد أُكْفِئَ عليه ماجور وأُهْمِل تماما بعد ذلك، وكأنه لم يكن. بل إن لبيد بن الأعصم، فيما لاحظت، لا يأتى له ذكر فى غير هذا الحديث. أفلم يكن للرجل أى دور فى الحياة غير سحر النبى عليه السلام؟ لكأنه ممثل من من ممثلى الكومبارس ممن يظهرون فى المسرحية أو الفلم فى لقطة خاطفة يقولون فيها جملة سريعة ثم يختفون تماما حتى نهاية القصة، وهم مع ذلك سعداء أن قُدِّر لهم الظهور فى عمل فنى جماهيرى مع الممثلين الكبار. كذلك من الصعب جدا أن نتصور نازحى البئر من الصحابة الكرام وقد سكتوا تماما بعد الحادثة فلم يتعرضوا هم ولا غيرهم من المسلمين للبيد بن الأعصم هذا ولو بتقريع. 
إن أمرا كهذا لا يمكن أن يكون قد مر مرور الكرام على النحو الذى رأينا وكأننا قبالة موضوع نظرى مجرد لا موضوع حياة يومية فيها معاناة وحيرة وألم ومؤامرات وصراعات؟ ألم يكن للصحابة رد فعل على ما يَرَوْنَه فى رسولهم الكريم؟ أين عمر مثلا فلم يهم بتمحيص المسألة حتى يضع يده على الفاعل الشرير ويعاقبه العقاب اللازم؟ لقد رأينا فى حادثة الإفك وغيرها عالما موارا من الوقائع والمشاعر والاتهامات والردود والتقصى والتمحيص، أما هنا فكلمتان سريعتان أقرب إلى عالم التنظير والتجريد لا تشفيان غليل الباحث. هل يعقل أن يحدث هذا لزعيم دولة وحاكمها وقائدها العسكرى وقاضيها وموجهها، وقبل ذلك كله رسولها، ثم لا نسمع شيئا عن موقف أهل المدينة تجاه هذا الأمر سواء من المسلمين المؤمنين، أو خصومه من اليهود والمنافقين والكافرين؟ وقبل ذلك كله كيف يرضى الله سبحانه وتعالى تعريض نبيه لهذا الاضطراب القبيح المُذْهِب للوعى فى مثل هذا الأمر الحساس على يد واحد من أعدائه؟ ثم إن الرواية تتحدث عن نسائه جميعا رضوان الله عليهن، فلماذا لم نر فى الصورة ونسمع غير عائشة؟ أين رد فعل حفصة؟ أين رد فعل زينب؟ أين رد فعل أم سلمة؟ أين رد فعل ميمونة؟ وأين رد فعل بقية أمهات المؤمنين؟ بل أين رد فعل صفية بالذات، وهى يهودية، وكان ينبغى أن يكون لها تعليق على ما صنعه الساحر الموالس لقومها أو الذى هو منهم؟
ويطنطن الكاتب بذكاء اليهود ومهارتهم فى الجدال زاعما أنهم كانوا يتفوقون على محمد كلما دخلوا معه فى مناقشة دينية. لكن هذه تخرصات وأحاديث خرافة، فقد سجل القرآن الكريم تلك المناقشات، فلم نجد إلا قولهم مثلا عن رب العزة: "إن الله فقير ونحن أغنياء"، أو قولهم لرسول الله: "راعِنَا"، يتظاهرون بأنهم يلتمسون منه النظر إليهم، بينما هم فى الواقع يقصدون وصفه بلغتهم بالرعونة، أو قولهم لمشركى قريش إنهم "أَهْدَى من الذين آمنوا سبيلا" بمعنى أن وثنيتهم هى الحق، ودين محمد التوحيدى هو الباطل. فهل هذه هى المهارة فى الجدال التلمودى؟ ألا بئست المناقشات إذا كانت على هذا النحو من الانحطاط العقيدى والأخلاقى والذوقى! 
وعلى الجانب الآخر كان القرآن يفضحهم ويخطئهم ويتهمهم بالكذب والعبث بكتابهم ويتحداهم أن يأتوا بدليل على ما يدَّعونه من أباطيل، فيعجزون ويبوؤون بالخزى والهوان، لكنهم أبدا لا يرعوون. وهذه بعض الشواهد القرآنية على ما نقول: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" (البقرة/ 58- 59). "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" (البقرة/ 63- 65). "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" (البقرة/ 75- 79). 
"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ" (البقرة/ 84- 89).
"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" (آل عمران/ 72- 74). "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (آل عمران/ 93- 94). "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (المائدة/ 13). "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" (المائدة/ 32). "وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (المائدة/ 43- 45).
"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" (المائدة/ 78- 79). "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" (الأنعام/ 146). "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (الأعراف/ 138- 140). "وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" (الأعراف/ 148- 152). "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" (الأعراف/ 163). "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (الجمعة/ 5- 8)... 
ولقد كانوا، قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، يقولون لأهلها إنه سوف يأتيهم عما قريب رسول سوف ينضمون إليه ويحاربونهم تحت رايته، فيستأصلونهم. لكن ما إن جاءهم الرسول فعلاحتى انقلبوا عليه وكانوا أول كافر به. ولقد فضح التواءَهم وخبثَ طويتهم أحدُ علمائهم الكبار، وهو عبد الله بن سلام، فى قصة مشهورة عن دخوله الإسلام، ولكنهم لم يستحوا. كما أن صفية أم المؤمنين قد أخبرت النبى بما كانت قد سمعته فى صباها الباكر من حوار بين أبيها حُيَىّ بن أَخْطَب وعمها يعترفان فيه بأنه عليه السلام هو النبى الموعود، لكنهما يتعاهدان رغم ذلك على الكفر به وبغضه وحربه إلى آخر الدهر. وقد كان ما سمعته فى هذا الحوار سببا فى دخولها الإسلام لدى أول سانحة، وفى حبها للرسول وإخلاصها الشديد له وتحملها احتكاك بعض زوجاته الأخريات جراء غيرتهن من هذا الحب الذى كانت تبديه له. فأين الذكاء والبراعة هنا؟ إنهم لأغبى خلق الله فى أمور الخير والتخطيط للمستقبل البعيد، أما فى أمور الخبث والشر القصير النظر فهم أساتذة لا مشاحَّة فى هذا. وإلا فلم يبوؤون بالخسران فى النهاية أمام كل الأمم؟ ولماذا يلعنهم ربهم وأنبياؤهم فى كل سِفْرٍ من أسفار كتابهم المقدس؟
ومما ينبغى التريث إزاءه من دعاوى الكاتب وتبيين عواره وتهافته ما مدح به الإسلام من أنه هو الدين الوحيد الذى يفتح باب الخلاص والنجاة يوم القيامة أمام أهل الأديان الأخرى دون أن يعتنقوه. وهو يستند فى هذا إلى قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". وهذا فهم خاطئ تمام الخطإ. وللأسف انجر إليه بعض المسلمين. ووجه الخطإ فيه هو التسرع فى ولوج تفسير الآية من غير بابها، إذ هى تشترط لنجاة غير المسلمين الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، فيظن المتسرعون أن اليهود والنصارى والصابئين والمجوس يؤمنون كما يؤمن المسلمون بالله واليوم الآخر. فإذا عمل أى منهم صالحا فقد ضمن الجنة. لكن لو كان الأمر كذلك فلم اشترطت الآية الشريفة فى غير المسلم الإيمان بالله واليوم الآخر إذا كان ذلك أمرا مفروغا منه كما يظن هؤلاء؟ 
لقد ذكرت الآيتان 150- 151 من سورة "النساء" أن "الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون: نؤمن ببعضٍ، ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا. وأعتدْنا للكافرين عذابًا مُهِينًا". ولا ريب أن معناهما واضح وضوحا يخزق العين، إذ تؤكدان أن الإيمان لا يتحقق إلا إذا شمل جميع الرسل والأنبياء، فكيف يقال مثلا فى المجوسى الذى لا يؤمن بموسى ولا بعيسى ولا بمحمد أو اليهودى الذى لا يؤمن بعيسى ولا بمحمد أو النصرانى الذى لا يؤمن بمحمد أنه مؤمنٌ ناجٍ يوم القيامة مع أن الآيتين تتوعدانهم بالعذاب المهين؟ 
كذلك تأمر الآية 28 من سورة "التوبة" المسلمين أن يقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من الذين أوتوا الكتاب... إلى آخر الآية. أى أنهم، رغم كونهم من أهل الكتاب، لا يدخلون فى عداد المؤمنين بالله واليوم الآخر. وفى "الأنعام" أن الذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمحمد ودينه. ومعنى هذا أن من لا يؤمن به وبدينه لا يؤمن بالآخرة. ولدينا كذلك الآيات الكثيرة المبثوثة فى سورة "البقرة" و"آل عمران" و"النساء" و"المائدة" و"الأنعام" و"الأعراف" و"التوبة" وغيرها وتحاجّ اليهود والنصارى وتدمغهم بالكفر وتتوعدهم بالعذاب المهين. وإذا كان باب الجنة بعد مجىء الإسلام مفتوحا لغير المسلمين فما فائدة نبوة محمد إذن؟ وما معنى عالمية رسالته إذا قلنا إنه إنما بُعِث للعرب، ومن ثم سوف يدخل الجنة من يَبْقَوْن على دينهم ممن ليسوا عربا؟
ولا تتوقف إساءات الكاتب المستخفى وراء اسم "محمد أسد بك" عند هذا المدى، بل رأيناه يتهمه صلى الله عليه وسلم بالاستبداد ونشر الرعب فى المدينة واللجوء إلى السيف فى سبيل إخضاع الناس له ولدينه، وإِنْ غَلَّفَ هذا كله (على طريقته فى تحلية السم) بالقول بأنه عليه السلام إنما فعل ذلك من أجل إقامة الدولة الإلهية (أو "دولة الله" كما سماها مرارا)، وأن هذا هو الذى سوغ له الاستعانة بالتآمر والغدر وسفك الدماء والسلب والنهب. ومقطع الحق فى هذه المزاعم أنها تقلب الأمور رأسا على عقب. فالرسول هو الذى وقع عليه الاضطهاد والأذى من قِبَل المشركين، الذين لم يكتفوا بذلك كله بل خططوا لقتله عشية الهجرة كما هو معلوم لولا أَنّ الله لَطُفَ به فنجاه من كيدهم.
ولما كُتِبَت الصحيفة بين المسلمين واليهود وغيرهم من مواطنى يثرب كان اليهود هم الذين نقضوها مرة بعد مرة بعد مرة، واكتفى عليه السلام فى المرتين الأوليين بإجلاء بنى قينقاع وبنى النضير، لكن عندما طف الصاع فى المرة الثالثة كان لا بد من عقابهم العقاب الصحيح: عقاب الخيانة العظمى، الذى كان مع هذا أخف كثيرا مما يأمرهم به كتابهم فى التنكيل بالأمم القريبة منهم دون أن تكون قد ارتكبت فى حقهم شيئا من الخيانة. ثم لا ننس المنافقين، الذين كانوا يشكلون عاملا من أخطر عوامل القلق، ورغم هذا اتسع لهم صدره الشريف وصبر عليهم حتى النهاية بل صلى على زعيمهم رأس الكفر والضلال ابن أبى سلول حين هلك وراح فى ستين داهية! أما المؤمنون فكانوا يلتفون حول رسولهم فى حب وتعظيم دون خوف أو توجس. وكانوا فى تعاملهم معه يتمتعون بأقصى صدر من الحرية فى إبداء الرأى والمشاروة والمراجعة والاعتراض، ولم يحدث أنْ نَهَر صلى الله عليه وسلم أيا منهم أو هدده أو شتمه أو حتى صاح به مجرد صياح. فعجيب إذن أن يتحدث الكاتب الشيطانى عن الدولة البوليسية التى أقامها الرسول فى المدينة حيث كان الناس يؤخَذون بأتفه قدر من الظِّنَّة! ترى لماذا لم يورد لنا أسماء الرجال الذين كانوا يتجسسون على أهل المدينة ويقبضون عليهم ويسوقونهم إلى الرسول؟ ولماذا لم يورد ولو واقعة واحدة من وقائع القبض والتنكيل؟ لقد بلغ من تواضعه صلى الله عليه وسلم لرعيته وإلانة جانبه لهم وخلطه نفسه بنفوسهم فى بساطة متناهية أن كان الأعرابى الفَدْم يأتى إلى بيته عليه السلام فيصيح به مناديا: "يا محمد" كى يخرج لهم، أو يمسك به من جيب جلبابه ويشده حتى يؤثر الشدّ فى رقبته الشريفة، أو يغلظ فى حديثه إليه فى جلافة صائحا: "اعدل يا محمد"... إلخ، ولم يحدث مع ذلك أن عاقب أحدا منهم أو حتى أَنَّبَه. 
وحينما فتح مكة وصار أعداء الأمس الذين لم يراعوا فيه ولا فى أتباعه إِلًّا ولا ذمةً فى قبضة يده بل تحت قدميه ورهن إشارة منه لم يزد على أن قال: "اذهبوا، فأنتم الطلقاء"، وقد كانوا يتوقعون أن يذوقوا على يديه أبشع ألوان العقاب. أفمن يصنع ذلك مع أعدائه الألداء من كفار مكة يمكن أن يفكر فى نشر الرعب فى قلوب أحبائه وخلصائه من المؤمنين فى المدينة؟ إن المستبدين الذين يخنقون أنفاس رعيتهم: إذا ما ماتوا انقلبت الرعية عليهم وقالت فيهم ما قال مالك فى الخمر، لكننا ننظر فى موقف المسلمين من بعد موته صلى الله عليه وسلم حتى اليوم فنجد حبهم له وإجلالهم إياه وتفانيهم فى طاعته وتمسكهم بالدين الذى جاءهم به ثابتا كالجبال الشوامخ الرواسخ. فما دلالة ذلك يا ترى؟

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 95 مشاهدة
نشرت فى 25 أغسطس 2016 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,138