حلقة أخرى من كتابى: "من كتاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد"

إبراهيم عوض

ومما يفد على ذهنى الآن بشأن موضوع الغناء ما دار بينى، ذات مساء بين المغرب والعشاء فى مسجد السيد البدوى بطنطا حيث كنت أستذكر وأنا فى السنة الثالثة الثانوية، وبين الشيخ الديب أحد وعاظ المحافظة عن حكم الغناء، فقد كنت وما زلت أحب الاستماع إليه وإلى قارئى القرآن، فكان جوابه بسيطا وعبقريا فى آن: أن الأغانى كلام. فإذا كان كلام الأغنية سيئا فهى سيئة، وإلا فلا. وأتصور أنها فتوى بسيطة وواقعية وتصيب المحَزَّ كما يقولون، وإن كنت أعى أن فى الغناء عنصرا آخر إلى جانب الكلمات ينبغى التحرز فيه، وهو الطريقة التى تؤدى بها المغنيات أغانيهن، فالمفروض أن يبتعدن عن التكسر السخيف المثير. وبطبيعة الحال هناك من يرى أن الاستماع إلى الغناء حرام. وهؤلاء أحرار فيما يَرَوْن، ولهم مطلق الحق فى ألا يستمعوا إليه ما داموا يستحرمونه، على ألا يصل الحال إلى الصدام مع مخالفيهم فى الرأى دون داع، فالأمر أمر فهوم وأذواق مختلفة.
وبعض من ينفرون من الغناء ويحرّمونه يتصورون أنه مظنة إثارة الشهوة، وهذه تقود إلى ارتكاب الزنا، غير دارين أن الأغانى بوجه عام لا علاقة لها بالإثارة الجنسية، بل قد يبكى مستمعها فى بعض الحالات شجنا ووجدا، لا مع الأغانى العاطفية وحدها، التى لا تحتوى فى الغالب إلا على ألفاظ الحرمان والألم دون أى لفظ موقظ للشهوة، بل لدى استماعه إلى الأغانى الوطنية أيضا، إذ تثير وجده وتهيج أشواقه نحو الماضى والطفولة والشباب أيام كان كل شىء بكرا طازجا لم يتلوث بعد كل هذا التلوث، وأيام كانت الآمال الوطنية والقومية تحلق فى الفضاء وتصل إلى السماء السابعة قبل أن ينكشف الأمر عن زيف كل شىء فى ذلك الحين وأن الأمر لم يكن يتعدى الكلام الكبير الفاضى والخطب الرنانة التى لا تقدم ولا تؤخر. وإذا ما دخل الإنسان اليوتيوب ورأى تعليقات المشاهدين على الأغانى العاطفية لوجد أنها كلها تعليقات حزينة مفعمة بالأسى، وبخاصة على الصبا والشباب وأيامهما التى انصرمت ولم يعد إلى عودتها من سبيل.
ومعلوم أن هناك أغانى اجتماعية للزوج وللولد وللأخ والأخت والأم، وعن النجاح فى الامتحان، وعن دخول الجامعة، وعن تطلع الصغار إلى ما يطمعون فى أن يكونوا عليه حينما يكبرون، وعن السعى على المعاش والرزق الحلال، فضلا عن الأغانى الدينية، إلى جانب أغانى التسلية والأغانى الفكاهية والأغانى الأخلاقية وأغانى الطبيعة وأغانى الأطفال. وهذا كله لا علاقة له بالمرأة والتعلق بها، وهذا إن كان التعلق بالنساء فى حد ذاته حراما، وما هو بحرام، وكيف يكون حراما وقد أكد القرآن أنه أمر فطرى مركوز بل مغروز فى القلب غرزًا لا فكاك لأى إنسان منه؟ بل الحرام هو
 الزنا وما يقود إليه، وإلا فالعواطف ليست فى أيدينا حتى نحاسَب عليها ونعاقَب بسببها، وهو ما لا يمكن أن يكون، فإن الله لا يكلف، دعك من أن يعاقب، نفسا إلا بناء على وسعها.
وتصوير الأمر وكأن الإنسان مجرد شهوة جنسية، فما إن يسمع أغنية من الأغانى حتى ينهض مسعورا وينتهك عِرْض أية امرأة تقابله فى الطريق، هو تصوير ساذج. نعم هناك غناء فاجر فى الكباريهات وبعض الأفراح وما أشبه، والمغنية فى هذه الحالة لا تغنى بل تشعل الغرائز بتأودها وتراقصها وعريها وغنجها حسبما نرى فى الأفلام والتلفاز، لكنْ ليس هذا هو الغناء الذى نحبه، بل ليس هو الغناء مجردا. إنما هو غناء وإثارة شهوات، بل قل إنه إثارة شهوات أولا وقبل كل شىء، وما مصاحبة الغناء له إلا ذَرٌّ للرماد فى العيون. وهذا اللون من الغناء هو الذى يخطر على بال من يَرَوْنَ الغناء حراما. أما الغناء ذاته فهو استجابة فطرية لما يشعر به الإنسان فى قلبه وخياله وعقله من مشاعر وأفكار وتصورات يريد أن يعبر عنها أو يسمع من يعبر عنها ويغنيها بصوته الجميل على إيقاع آلة موسيقية تزيد الصوت الجميل جمالا على جماله. وهل نحن أقل من الطيور التى تغنى على أغصانها وفى أوكارها وفى أجواز الفضاء استجابة لجمال الطبيعة من حولها، وبخاصة فى فصل الربيع؟ أم يريد بعض المتنطعين أن يحيلوا حياتنا جحيما لا يطاق، وكأننا قطع من الجماد، الذى لا يشعر ولا يفكر ولا يخال؟
من حق من يرى الغناء حراما أن يحرمه على نفسه، أما أن يفرض ذلك على سواه فليس له الحق فى ذلك. وبهذا يتعايش المحبون والكارهون للغناء فى سلام وتفاهم واحترام متبادل، وتدور عجلة الحياة فى انسجام. وكم وقفتُ إزاء هذه المغنية أو تلك وهى تشدو بقصيدة دينية تستجيش منا كل إحساس نبيل نقى، متسائلا: أيمكن أن يكون قلب تلك المغنية قد خلا تماما من كل أثر للإيمان؟ إن كثيرات منهن يشتهرن بما هو بعيد كل البعد عن التدين بل بما يناقضه، لكن هل يعقل أن مثلها، وقد تربت فى بيئة مسلمة وكثيرا ما سمعت القرآن وأنصتت فى بعض الأحيان إلى بعض المواعظ والدروس الدينية، لا يمكن أن تشعر بأى شعور دينى؟ إننى كثيرا ما تغلبنى الدموع وأنا أنصت مثلا إلى قصيدة "قل: ادع الله"، التى تغنيها نجاة، وأستغرب كيف قد يظن الواحد منا أن نجاة إنما تغنى فقط بدافع الشهرة الفنية ليس إلا دون أن يكون فى فؤادها أى خشوع أو رغبة فى رضا الله، ولو فى ركن من أركان قلبها. والله أعلم!
وهناك كتاب أغان ومطربون وملحنون معروف عنهم التدين وحب الإسلام، منهم أحمد صدقى، الذى حج بيت الله الحرام وعمل عمرة مرات متعددة، وكان يصلى ويصوم كثيرا، ومحمد قنديل، الذى ذكر الأستاذ ميكى ماوس فى حديث تلفازى له أنه كان يصلى مع لا أدرى مَنْ مِنَ الملحنين حين يذهب إلى بيته ليحفِّظه اللحن. ورأيت ذات مرة الملحن حلمى بكر فى حلقة من حلقات التلفاز التى يحلل فيها الأغانى والألحان للمستمعين يمسح دموعه، التى خانته ونزلت رغما عنه وهو يستمع إلى أغنية أسمهان الشاهقة الجمال والجلال عن المحمل النبوى. ذلك أن الأغنية فعلا مشجية مبكية رغم أن الرجل لم يشتهر بتدين. وأنا لا أذكر أننى سمعتها إلا وجاشت نفسى وأرادت دموعى أن تفر من مآقىَّ لولا مغالبتى لها. وبالمناسبة فقد كانت أسمهان معروفة بسلوكياتها المثيرة للأقاويل، علاوة على ما اتُّهِمَتْ به من عمالتها لبعض القوى الأجنبية مما انتهى بها فى آخر المطاف إلى اغتيالها إغراقا فى البحر حسبما تقول بعض الروايات. لكن هذا شىء، وكون الأغنية بصوتها العبقرى مشجية مبكية شىء آخر. كما قرأت عن عبد اللطيف التلبانى، فيما كُتِب عنه من مقالات عقب ميتته المأساوية عام 1989م، أنه رحمه الله كان دائما ما يمد يد المساعدة للطلاب المحتاجين. ولدينا كذلك المرحوم عبد الفتاح مصطفى، الذى كتب لنا طائفة من الأغانى والقصائد المبدعة، ولحنها وغناها كبار الملحنين والمطربين، وكان متدينا وأطلق لحيته فى أواخر عمره أيام لم تكن اللحية قد انتشرت انتشارها هذه الأيام حتى إن ضباط الشرطة وأمناءها يتظاهرون ويرفعون على وزير الداخلية الدعاوى كى يتركهم يربون لحاهم، فى الوقت الذى يتقاعس فيه رجال الشرطة عن تأدية واجباتهم التى يأخذون عليها مرتباتهم، وقد ضِرْتُ  أنا شخصيا ضيرا كبيرا، وما زلتُ، جراء هذا التقاعس.
وكانت هدى سلطان قد عادت فى آخر حياتها بعدما تحجبت بوقت طويل إلى تأدية بعض أغانيها بصوتها الذى كان لا يزال يحتفظ بشىء كثير من نضارته رغم السن العالية. وكانت تشعر بالبهجة العارمة وهى تتلقى تحية المستمعين وتستعيد ذكريات شبابها فى الحفل الذى شدت فيه بأغنية "إن كنت ناسى أفكّرك" حتى لقد ظننتُ أنها تبكى أو توشك أن تبكى. وآه لو عاد الشباب! لكنه للأسف لا يعود! وقد علق شخص اسمه رضا بدير على تسجيل الأغنية فى اليوتيوب قائلا: "الله يرحمك يا هدى زميلة العمر! عزفت معاها كتير على آلة الناى فى أعمال كتيرة". وبمناسبة هدى سلطان كنت فى طفولتى، حين أسمعها، فى أغنية "أول ما عْنِيه جات ف عيونى"، وهى تقول: "قتلونى يا بوى قتلونى"، أتصور أنها تغنيها من القبر بعد أن قتلها الجناة، وبخاصة أن فى الأغنية لوعة حارقة وشجنا باهظا، غير دارٍ أن القتلة هم عيون حبيبها. ولكن أنى لى فهم ذلك فى طفولتى الساذجة؟ وبالمثل هناك نجاح سلام، التى تحجبت هى أيضا، ولا تزال تغنى بحجابها بين الحين والحين. وغَنِيَّةٌ عن الذكر إفراج الحصرى (ياسمين الخيام)، التى ظلت تغنى رغم عودتها إلى الحجاب، الذى كانت قد خلعته زمنا، وذلك قبل أن تهجر الغناء كلية. والمعروف أن د. عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر الأسبق كان يشجعها على الغناء: النظيف منه طبعا، وناله هجوم شديد من بعض المجلات الدينية وقتئذ فيما أذكر. وقد اختتمت شادية حياتها الغنائية بأغنية تتضرع فيها من أعماق الفؤاد رغم أنها كانت قد عزمتْ قبلا على مغادرة الساحة الفنية: غناءً ومسرحًا وأفلامًا. وكان الشيخ محمد الغزالى يستمع أحيانا إلى الغناء فى المذياع، وذكر ذلك فى بعض كتبه مستشهدا ببعض الأغانى الخالية مما يعاب ويُذَمّ... إلخ. بل إنه، فى كتابه: "من معالم الحق فى كفاحنا الإسلامى الحديث"، ليرى أن حب الاستماع إلى الغناء هو جزء من الفطرة التى لا ينبغى ولا يمكن أن تحارَب، بل يحسن الاستفادة منه فى تجديد النشاط الهامد ومحاربة الإحساس بالملل وإيقاظ المشاعر الغافية ودعم الأخلاق القويمة واستنهاض همم العاملين ومساعدتهم على مواجهة الإرهاق والتعب وتحميس الناس للدفاع عن أوطانهم ودينهم بدلا من ترك الشباب يصغون إلى الأغانى الهابطة المستفزة للشهوات وأمثالها. مرة أخرى أنا أتحدث عن الغناء وحده، أما ما قد يصاحب الغناء من أمور خارجة عن الذوق واللياقة أو الخلق والدين فلا يدخل فى كلامى، ولست مسؤولا عنه.
ثم هأنذا أستمع إلى أغنية "فستان العيد"، التى يغنيها الثلاثى المرح مع جماعة من البنات الصغيرات، والتى لا أسمعها أبدا إلا وعدت من فورى على أجنحة الفن البديع إلى صباى حين كنت أسمع هذه الأغنية الرائعة دائما يوم العيد، فأتخيل سلوى حين كانت صغيرة تلبس فستان العيد الجديد والدنيا لا تسعها من الفرحة، ولا تريد أن تغادر موقفها أمام المرآة تتطلع فيها إلى فستانها الجميل، وكذلك حفيدتى لالة، التى لا أكف عن إطراء جمال فستانها الذى اشترته لها ماما بفلوس بابا، وأرى على وجهها علائم السعادة. فهل هناك "بنى أدوم" يمكن أن يرى فى تلك الأغنية إثما يردى صاحبه (مؤلفا وملحنا ومطربات، ومستمعا منحرفا فاسدا مثلى فوق البيعة) فى جهنم الحمراء؟ كل واحد حر، وقد خلقنا الله مختلفين، وخلق من البشر من لا يرتاح ولا يقرّ له قرار إلا إذا نكد على عباد الله المساكين، بينما ترى كثيرا من هؤلاء المنكّدين على غيرهم يعيشون دنياهم بالطول والعرض والتهافت المقيت والتدنى الذليل، وبالمخالفة التامة لما ينادون ويتفيقهون ويتنطعون به أمام الناس، وهو ما يجعلهم محط السخرية والتهكم والتشنيع والتصوير الكاريكاتيرى فى الأفلام والأغانى والمونولوجات والمسرحيات والروايات، وآخرها رواية "مولانا"، بغض النظر عن نية المهاجمين، وهل هم يحبون دينهم فعلا أو يهتبلونها فرصة لتسوية حساباتهم مع الدين نفسه متظاهرين بأنهم إنما يبغضون التنطع ويسخرون من التفيهق. أما نحن، عباد الله المساكين، فنؤمن برب كريم رحيم خلق عباده وسخَّر لهم الدنيا وخلق لهم أفراحا ومسرات حلالا زلالا ليس عليهم حرج فى هُفُوِّ أرواحهم إليها، وشرع لهم دينا يقوم على التيسير، ويكره التنكيد. آمنت بالله ربا، وبمحمد نبيا ورسولا ليس هناك نبى ولا رسول فى قامته السامقة، وبالإسلام دينا عبقريا ليس كمثله دين.
هذا، ولم أقل شيئا عما تحويه تلك الأغنية من القيم الإنسانية الجميلة كالفرحة التى أمرنا الرسول أن ندخلها على قلوب أهلينا فى العيد، وبخاصة الأطفال، الذين كان صلى الله عليه وسلم، يحبهم ويحنو عليهم ويعمل بكل سبيل على إبهاجهم وإسعادهم، وكالدعاء الذى تبتهل به الصغيرة لربها كى يطيل عمر بابا، الذى اشترى لها فستانها الجميل من خيره، وكالذوق البديع المتمثل فى الفستان الفاتن الذى تباهى به البنت لداتها حتى إن الدنيا لا تسعها من الفرحة. ثم هناك الكلمات الرائعة واللحن الساحر والغناء الفريد، وهذه كلها حسنات سوف يجزى بها الله كل واحد منهم جزاء حسنا بعشرة أمثال ما عملوا إلى سبعمائة ضعف، بل إلى ما شاء الله بغير حساب. إن الأغنية لتطفح بالمرح والبهجة بدءا من كلماتها التى تجسد سعادة البنات بفساتينهن تجسيدا، ومرورا باللحن الراقص المرح بإيقاعه السريع، وانتهاء بصوت الثلاثى المرح والبنات الصغيرات اللاتى لقنهن الملحن كلمات وأصواتا يرددنها لم يكن لها موضع فى الأغنية، فزادتها رغم ذلك فتنة فوق فتنتها الأولى. ولو كان الجاحظ حيا بيننا الآن وسمعها وسمع قول البنت الصغيرة السعيدة فيها عن فستانها الجديد: "ما بتشبعشى منُّه عنَيَّه" لقال عن الأغنية المرحة التى تكاد تطير فى الجو من شدة ما فيها من البهجة وحلاوة اللحن الراقص على دقات قلوب الصبايا الفرحات ما قاله أبو شعيب القَلاَّل عن قصيدة النواسى: "لو نُقِرَ هذا الشِّعْر لَطَنَّ". لكنْ للأسف قد مات الجاحظ منذ قرون. فوا خسارتاه ألا تجد تلك الأغنية البديعة من يقدِّر لطفها وروعتها بعد أن فقدنا عمنا الكبير أبا عثمان!
وبالمناسبة ففى هذه الأغنية عبارة لم أسمع بها من قبل، وهى عبارة "شَبُّوا ولَبُّوا من فستانى"، التى تقولها البنت الصغيرة صاحبة الفستان عن بنات الحارة واشتعال غيرتهن حين أبصرن عليها الفستان الجميل الذى تزين صدره ركامة، وفَصَّلَتْه ماما. ولو سمعها زكى مبارك لقال عنها، بعبارته المشهورة عنه، إنها "وثبة من وثبات الخيال"، لكن زكى مبارك كان قد مات قبلها ببضعة عشر عاما. وثم شىء آخر طريف فى الأمر، وهو أن الفتاة تبدى غبطتها بغيرة البنات الأخريات من فستانها رغم اعتقاد المصريين عموما، الذين منهم أم الفتاة بكل تأكيد، بأن عين الحسد والغيرة تضر أى شىء تقع عليه. أفلم تخش أم البنت أن تجىء الطوبة فى المعطوبة فتظهر لابنتها بنت ذات عين شريرة تندبّ فيها رصاصة تنظر إلى فستانها فينشقّ حتتين، ومن ثم تفسد فرحة ابنتها؟ فلماذا تركتها إذن تخرج به متعرضة للعيون؟ نعم لماذا لم تحبس ابنتها فى البيت طوال يوم العيد وتنكد عليها بإمساكها عندها وحرمانها من اللعب مع لِدَاتها، أو على الأقل: لماذا لم تلبسها فستانا قديما مرقعا حائل اللون لا يستفز عيون الحاسدات؟ والله فكرة! ويمكنها أن تفعل ذلك فى العيد القادم، وعليكم خير!
إن الأغانى، كما قلت، ليست فقط الصوت الذى نسمعه ولا الكلام الذى يغنيه هذا الصوت، بل هى أيضا الماضى الذى ينتفض حينئذ ويتجسد رَأْىَ العين ومِلْءَ الكيان فى أسى جياش وحنين غلاب كثيرا ما يثير الدمع فى المآقى. وهو بلسم للقلب المتعب والبال الحيران. وهو، للجند فى القتال، بطولة وعزيمة مضافة إلى بطولتهم وعزيمتهم، وليس عبثا ولعبا كما قد يظن بعض الناس. والنبى عليه الصلاة والسلام قد سمح لجارية بالغناء فى بيت عائشة، وطلب من زوجته أن ترسل مع عروس من عرائس المسلمين من تغنى لها ليلة الدّخْلَة على زوجها... وعلى كل حال فأقصى ما يمكن قوله فى الغناء أنه موضوع خلافى بين الفقهاء. ولابن حزم مثلا والإمام الغزالى وعبد الغنى النابلسى وشلتوت والقرضاوى بحوث فى هذا الموضوع لا ترى فيه مذمة أو معابة أو مأثما، بل متعة حلالا ما دامت لا تخرج عن الدين.
وأنا أزيد على ذلك أن الأغانى قد تكتب، كما يكتب أى عمل بشرى آخر، فى صحائف حسنات الشعراء والملحنين والمغنين الذين تعاونوا فى إبداعها على هذا النحو. ألم يتقنوا عملهم، والإتقان قيمة حضارية وإسلامية ألح عليها سيدنا النبى عليه الصلاة والسلام؟ ألم يتيحوا لنا أسباب البهجة والرضا بما أبدعوه وعرضوه علينا وأدخلوا به السعادة على نفوسنا؟ إن هناك من عباد الله "الصالحين" من يريدون أن يظل الناس طول الوقت مقطبة لا تنفرج شفاهها عن بسمة ولا أفواهها عن كلمة سرور وابتهاج، وكأنهم أَعْطَوْا من أنفسهم  عهدا لله ألا يَدَعُوا أحدا سعيدا وأن يعملوا كل ما فى طاقتهم للتنكيد على البشر. ترى كيف كان لنا أن نقطع طريق الحياة الطويل المرهق لو أنها خلت من هذه المسرات الجميلة البريئة من أغان عاطفية ودينية ووطنية واجتماعية وعائلية وفكاهية ووصفية وأطفالية؟ إن الحياة، فى جانب منها غير صغير، مملة وحزينة وقلقة وتدعو إلى الرثاء والبكاء، وكثير من أحداثها يعصر القلب عصرا، فماذا نفعل إزاء ذلك؟ هل نطقُّ من أجنابنا حتى ينبسط بعض عباد الله النَّكَدِيّين أم نسمع الأغانى، التى تربِّتُ على الكتف المرهق، وتبتسم للعيون الحزينة، وتبث الطمأنينة فى القلوب المرتجفة، وتدهن بالبلسم الشافى الأكباد المقروحة، وترسم الفرحة على الشفاه المكتئبة المزمومة؟ لا يا عم، نسمع الأغانى أفضل، فالحياة لا تنقصها الكآبة والتعاسة حتى نزيدها شقاء وإحباطا.
ثم ما دمنا نتحدث عن موقف الدين من الأغانى فلا يصح أن ننسى الأغانى الدينية، فمن شأنها تعميق الشعور الدينى فى نفس المسلم. وإنى أتساءل مرة أخرى: هل يعقل أن  المطرب أو المطربة التى تغنى شيئا دينيا تخلو نفسها تماما من العاطفة الدينية، ويكون كل اهتمامها منصبا على تقديم أغنية تفرقع فى الساحة الفنية فقط؟ أنا لا أظن ذلك، إذ المغنى أو المغنية إنما هو شخص مسلم قبل كل شىء، ولا يمكن أن يخلو قلب كل مغن أو مغنية من النبض الدينى مهما كان فى حياته الشخصية بعيدا عن أداء العبادات ويعيش على حَلّ شَعْره كما نقول فى مصر. بل إن  كثيرا منهم ومنهن آتون من بيئات متواضعة ليس فيها تمرد على الخلق الكريم ولا تعرف الفجور منهجا حياتيا، بل ترتبط بالدين الارتباط العادى فى أقل تقدير. كما أن منهم متدينين متمسكين تمسكا قويا بدينهم. وكثيرا ما يتردد فى نفسى هذا التساؤل وأنا أستمع مثلا إلى قصيدة "قُلِ: ادْعُ اللهَ إن يَمْسَسْكَ ضُرٌّ"، التى تغنيها كل من نجاة الصغيرة وشادية، وما من مرة سمعتها فيها إلا وشبت أحاسيسى الدينية والتهبت وشعرت أنى ألامس النجوم، وآخذ فى التساؤل: أيعقل أن يكون كل هذا الشجن مرده إلى الرغبة فى تجويد العمل الفنى ليس إلا؟ أمن المعقول أن نجاة وشادية، وهما تغنيان تلك القصيدة الرائعة على أنغام اللحن البديع لكمال الطويل، كان قلباهما خاليين تماما من أية حماسة دينية؟ أما أنا فلا أستطيع أن أمضى مع هذا الافتراض الغريب. وعلى أية حال لا أظن أن عاقلا يظن أن غناء نجاة أو شادية لهذه القصيدة يثير شهوات المستمعين.
وقد تناول الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق هذا الموضوع فى كتابه: "الفتاوى" فقال ما نصه: "الأصل الذي أرجو أن يُتَنَبَّه إليه في هذا الشأن وأمثاله مما يختلفون في حِلِّهِ وحُرمته هو أن الله خلَق الإنسان بغريزة يَميل بها إلى المستلذات والطيبات التي يَجِدُ لها أثرًا طيبًا في نفسه، به يهدأ، وبه يرتاح، وبه ينشط، وبه تسكن جوارحه. فتراه ينشرح بالمناظر الجميلة، كالخُضرة المُنَسَّقَة والماء الصافي الذي تلعب أمواجه والوجه الحسَن الذي تنْبسط أساريرُه، وينشرح صدرُه بالروائح الزكيَّة التي تُحْدِث خِفَّةً في الجسم والروح، وينشرح صدره بلَمْسِ النُّعومة التي لا خشونة فيها، وينشرح صدره بلذَّة المعرفة في الكشف عن مجهول مَخْبُوءٍ، وتراه بعد هذا مطبوعًا على غريزة الحب لمشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرْث.
الشرائع لا تَقضي على الغرائز بل تنظمها: ولعلَّ قيام الإنسان بمُهِمّته في هذه الحياة ما كانت لِتَتِمَّ على الوجه الذي لأجله خلَقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية تُوجهه نحو المشتهيات وتلك المُتَع التي خلقها الله معه في الحياة، فيأخذ منها القدْر الذي يحتاجه وينفعه. ومن هنا قضت الحِكمة الإلهية أن يُخْلَق الإنسان بتلك العاطفة، وصار من غير المعقول أن يطلب الله منه، بعد أن خلَقه هذا الخلْق وأودع فيه لحِكمته السامية هذه العاطفة، نزْعها أو إِمَاتتها أو مُكافحتها في أصلها. وبذلك لا يُمكن أن يكون من أهداف الشرائع السماوية في أيِّ مرحلة من مراحل الإنسانية طلبُ القضاء على هذه الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة. نعم للشرائع السماوية بإِزاءِ هذه العاطفة مطلب آخر يتلخص في كَبْح الجِمَاح، ومعناه مكافحة الغريزة عن الحدِّ الذي ينسى به الإنسان واجباتِه، أو يُفسد عليه أخلاقه، أو يحول بينه وبين أعمال هي له في الحياة ألزم، وعليه أوجب.
التوسُّط أصلٌ عظيم في الإسلام: ذلك هو موقفُ الشرائع السماوية مِن الغريزة، وهو موقف الاعتدال والقَصْد لا موقف الإفْراط ولا مَوقف التفريط، هو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع. هذا أصلٌ يجب أن يُفهم، ويجب أن تُوزَن به أهداف الشريعة السماوية. وقد أشار إليه القرآن في كثير من الجُزئيات: "ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ". "يا بَنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا"، "واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ".
وإذنْ فالشريعة تُوجِّه الإنسان في مُقتضيات الغريزة إلى الحدِّ الوسَط: فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حُبِّ المال، إنما نزلت بتَعديلها على الوجه الذي لا جشَع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع الغريزة في حُبِّ المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة، وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على ما لا ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة الحُزْن، وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلَع فيه ولا جزَع. وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز. وقد كلَّف الله العقل، الذي هو حُجته على عباده، بتنظيمها على الوجه الذي جاء به شرعه ودينه. فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت، أو مالَ إلى تعلُّم شيء من ذلك، فقد أدَّى للعاطفة حقَّها. وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحدِّ الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية أو الأخلاق الكريمة أو المكانة التي تتَّفِق ومركزه كان بذلك مُنظمًا لغريزته، سائرًا بها في الطريق السوي، وكان مَرْضِيًّا عند الله وعند الناس. بهذا البيان يتَّضِح أن موقف الشاب في تعلُّم الموسيقى مع حرصه الشديد على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها وعلى أعماله المكلف بها موقف، كما قلنا، نابعٌ من الغريزة التي حكَمها العقل بشرع الله وحكمه، فنزلت على إرادته. وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس في هذه الحياة.
رأْي الفقهاء في السماع: ولقد كنتُ أرى أن هذا القدْر كافٍ في معرفة حكم الشرع في الموسيقى وفي سائر ما يحب الإنسان ويهوَى بمقتضى غريزته لولا أن كثيرًا من الناس لا يكتفون، بل ربما لا يؤمنون، بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب وأُثِر عن الفقهاء. وإذا كان ولا بد فليعلموا أن الفقهاء اتفقوا على إباحة السماع في إثارة الشوق إلى الحج، وفي تحريض الغُزاة على القتال، وفي مناسبات السرور المألوفة كالعيد والعُرس وقُدوم الغائب وما إليها. ورأيناهم، فيما وراء ذلك، على رأيينِ: يُقرر أحدهما الحُرْمة، ويستند إلى أحاديث وآثار. ويُقرر الآخر الحِلِّ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار. وكان من قول القائلين بالحِلِّ: "إنه ليس في كتاب الله ولا سُنّة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات". وقد تعقَّبوا جميع أدلة القائلين بالحُرمة وقالوا: إنه لم يصحَّ منها شيء.
رأْي الشيخ النابلسي: وقد قرأت في هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورَع والتقوى رسالة هي: "إيضاح الدلالات في سماع الآلات" للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم، على فرض صحتها، مُقيدة بذكر الملاهي وبذكر الخمر والقيْنات والفسوق والفجور، ولا يكاد حديث يخلو من ذلك. وعليه كان الحُكْم عنده في سماع الأصوات والآلات المُطرِبة أنه إذا اقترن بشيء من المُحرَّمات أو اتُّخِذ وسيلةً للمُحرَّمات أو أَوقعَ في المحرمات كان حرامًا، وأنه إذا سلِم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلُّمه. وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء، أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمُحرَّم. وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء. وهو يُوافق تمامًا، في المغزى والنتيجة، الأصل الذي قرَّرناهُ في موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية.
الأصل في السماع الحِلُّ والحُرْمة عارضة: وإذن فسماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يُمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة أو صوت إنسان أو صوت حيوان، وإنما يُحَرَّم إذا استُعين به على محرم أو اتُّخِذ وسيلةً إلى محرم أو أَلْهَى عن واجب. وهكذا يجب أن يعلم الناس حُكْم الله في مثل هذه الشئون. ونرجو بعد ذلك ألا نسمع القول يُلْقَى جُزافًا في التحليل والتحريم، فإن تحريم ما لم يُحَرِّمه الله أو تحليل ما حرَّمه الله كلاهما افتراءٌ وقَوْلٌ على الله بغير علم: "قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانًا وأنْ تَقُولُوا علَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)" (الأعراف/ 33). والله أعلم". عفارم عليك يا أبا الشلاتيت!
ومع هذا كله لا بد من قول كلمة عما شاهدته لتوى فى اليوتيوب من مشهد تغنى فيه نجاة الصغيرة أغنية أحبها وأجدها رقيقة مشجية وتنفعل نفسى لها انفعالا عظيما، وهى أغنية "حمد الله ع السلامة"، ولم أكن أعرف أنها جزء من فلم. لكنى ما إن رأيت المغنية ذات الصوت الهامس الحالم الرقيق تستعد لاستقبال حبيبها محمود يا سين وقد أخذتها الحيرة فى اختيار الملابس التى ينبغى أن ترتديها فى استقباله رغم أن الملابس التى كانت تضعها على جسمها قد تخطت حدود الروعة والفتنة بأزمان شاسعة، ويدخل عليها بطل الفلم ويعدو نحوها متلهفا ويأخذها فى أحضانه ويحملها ويدور بها فى الغرفة وهى ملتصقة به التصاقا ثم ينزلها ويراقصها وقد تاها عن الوجود ثم يجثو عند قدميها فتنحنى عليه بوجهها فيغرق صدرها بالقبلات (وكفاية لحد هنا حتى لا يرفعا علىَّ قضية ويكسباها ويحبسانى سنة أنا أيضا، وأنا رجل لا قِبَل لى بالسجن ولا بالحبس حتى ولو فى بيتى)، ولم يشعرا بأنى أنظر إليهما وينبغى أن يراعيا وجودى ويستحييا منى، حتى شرعت أضحك وأقول لنفسى بصوت عال وكأننى أخاطب رجلا سواى: ليس لك حق يا عم إبراهيم فيما قلتََه ترد به على كارهى الغناء، فهأنتذا ترى بأم عينيك وأبيهما ما ترى. فهل ترضى بهذا؟
لكن شيطان الجدل والفن سرعان ما التقط أنفاسه، وبدأ فى الهجوم المضاد قائلا فى قوة: ألم نقل قبلا إننا لسنا مع أى شىء إضافى فاسد أو مفسد فى الغناء؟ نحن ما زلنا على موقفنا من رفض أية إضافات غير غنائية! فألفيت نفسى أنظر إليه من تحت لتحت، وأنا أقول له: عَلَى بابا هذا الكلام يا عفريت يا ابن العفريتة؟ يبدو أنك لن تكف عن جدالاتك ووسوساتك حتى تردينى معك فى النار! وبالمناسبة فالأستاذ خالد صالح، وهو مصور للأفلام الوثائقية ويجمع بين حب الفن والدين تعرفت به منذ فترة قريبة، يقول لى مؤكدا إن الفنانين يرون فى هذه الأدوار عملا فنيا بحتا لا حرمة فيه، وهم لهذا يستغربون انتقاد من ينتقدهم فى القيام بها. إلا أننى، رغم أنى لست من المحبكين كما يرى القارئ، لا يمكننى الموافقة على مثل تلك التصرفات: لا فى الحياة ولا على الشاشة. ولكن لكى تكتمل الصورة لا بد من أن أذكر هنا ما سمعته منذ سنوات غير قليلة من فم زوجة ممثلنا المشهور فى حوار لها بإحدى الفضائيات من أنه يختم القرآن: لا أدرى أقالت: كل ثلاثة أيام، أم كل شهر ثلاث مرات! يا شيخة، قولى كلاما غير هذا!
وقبل أن أغادر ساحة الغناء وتعارض الرأى فيه تحريما وتحليلا أعرّج على الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهرى العالم والكاتب السعودى المعروف، الذى كان مغرما بالغناء مولها بنجاة الصغيرة بالذات وَلَهًا لم يكن، فيما يبدو، والله أعلم، ولها فنيا غنائيا فقط، بل عاطفيا أيضا حتى لقد ألف كتابا فى "أم الوليد" كما كان يسمى المطربة ذات الصوت العجيب الذى لم يخلق الله صوتا مثله (تكنية لها بابنها الوحيد: "وليد")، وأتى إلى القاهرة وقابلها بمعرفة بعض المصريين وقابلها وأهداها نسخة منه فى شقتها بالزمالك، فشكرته وأنبأته أنها، لو لم تكن القصائد الهائمة التى فى الكتاب قد نُظِمت فيها، لغنت منها شيئا، وهو ما لم يعجبه إذ ورد على خاطره فى الحال أنها غنت لكامل الشناوى قصيدة "لا تكذبى"، وهى إنما نظمت فيها كما يعرف الناس جميعا، وإن لم يبح لها بما دار فى خاطره، بل مكث حييا مرتبكا يعبث بأصابعه دون أن يدرى. وقد وصفها فى هذا اللقاء وقد ارتدت طرحة شفافة لم تغط رقبتها ولا صدرها. وقد ضحكت وهو يقول هذا وعلقت فيما بينى وبين نفسى: أنت طماع يا أبا عبد الرحمن. أوكنت تريد من نجاة أن تقابلك منتقبة كامرأة سعودية داخل السعودية؟ أقول: "داخل السعودية" لأن كثيرات منهن ما إن يصعدن إلى الطائرة مغادرات بلاد الحرمين حتى يخلعن ملابسهن التقليدية ويلبسن ملابس عادية، وأحيانا أبعد من العادية. أما فى البلاد التى يزرنها، وبخاصة إذا كانت أوربية، فإنهن يذهبن أبعد وأبعد. احمد الله أنها قد وضعت طرحة على رأسها، وإن كانت شفافة ولم تغط كل شعرها ولا جاءت ناحية وجهها أو صدرها. ويبدو أن فشل الشيخ الظاهرى فى أن تغنى له نجاة شيئا من شعره الذى كتبه فيها، وبعد كل الذى تجشمه وتكلفه من أجل هذا اللقاء، إضافة إلى ما كان يلقاه من لوم وعتاب من مشايخه ومعارفه بسبب غرامه بالطرب، قد بغَّضاه فيه، فتاب عنه كما يقول، وغير رأيه وكتب ذلك على رؤوس الأشهاد.
ومما قاله فى ذلك ما صرح به فى حوار أجرته معه صحيفة "الجزيرة" السعودية فى أواخر شعبان وأول رمضان لعام 1428هـ من "أن لإبليس، لعنه الله، حيلة لئيمة بالدفع إلى الصوت الجميل بحجة جمال الأداء، ولكن الممارسة أثبتت أن المستحسَن على الحقيقة الصورة والتكسُّر العاطفي، وأن الأداء شيء ثانوي".  ومن رأيه أيضا، كما ورد فى هذا الحوار، أن "الغناء جزء من الفن وليس رديفا له، ومن الغناء بدون آلة ما هو مباح في نطاق ضيق رحمة من الشرع بشرط التجرد من المحظورات كتجديف الكلمة وإثارة الغدد الجنسية. ومناسبات ذلك ضيقة كالأفراح والأعياد. ومع هذا فترك استماعه أفضل، وثبت لي بالتجربة العريضة أنه لا مكان للغناء المميت للقلب إذا حصلت العناية (بالتفرغ الكامل في وقت من الأوقات) لسماع كلام الله بصوت جميل جدا كصوت محمد رفعت وعبدالباسط عبدالصمد، مع التأمل لمعاني التلاوة، والمراجعة السريعة في كتب التفسير والقراءات، أو تسجيل ما ينبغي مراجعته إن ثقل على الإنسان المراجعة. ولهذا بحمد الله لا أضيع من وقتي شيئا".
والرجل حر فى موقفيه: فى موقف المتعلق بالغناء أولا، وفى موقف الرافض له الطاوى كشحه عنه آخرا، سواء كان هذا الطى نابعا من نفور فعلى أو كان عن رغبة فى تجنب النقد والإحراج فى بيئة محافظة، وهو الشيخ الملتحى الذى يتحدث فى وسائل الإعلام فى التفسير وشرح الأحاديث النبوية المشرفة. إلا أن كلامه عن دور إبليس فى مسألة الغناء يحتاج إلى وقفة، إذ لا يعنى إلا شيئا واحدا هو أن الغناء جميعه عمل نسائى لا صلة للرجال به. وهذا طبعا غير صحيح البتة.
كما يفهم، من كلامه عن دور النظر إلى المغنية والاستمتاع بتكسرها العاطفى فى خلق التعلق بالغناء، أن كل الأغانى مرئية، وكلها تقوم على التكسر العاطفى. ولعله يقصد الإثارة الجنسية كما تشير إشارته الخاصة بالغدد الجنسية. فهل الأغانى العاطفية الحزينة تؤدى إلى إثارة الشهوات؟ هل كانت أغانى نجاة الصغيرة تثيره جنسيا؟ إن معظمها، إن لم تكن كلها تقريبا، أغان باكية دامعة كما نعرف كلنا. وقد كتب عنه أحدهم ذات مرة: "مرت بأبي عبد الرحمن فترة كان يسمع فيها هينمات ما فيَخْضَلّ دمعُه ويَغَصّ بِرِيقِه". كما أن كثيرات من المغنيات غير جميلات، بل مقبولات فقط، وبعضهن ينزلن درجة أو أكثر عن تقدير "المقبول". أما أن هناك محتوى: عاطفيا أو وطنيا أو فكاهيا أو اجتماعيا أو تصويريا إلى جانب الأداء فهذا أمر طبيعى، وهو مسؤول مع الأداء عن تعلقنا بذلك الفن لا الأداء وحده. فالأداء بدون مضمون لا يمكن أن يملك علينا حسنا وقلبنا كما تصنع الأغانى بنا، وإلا فلم بالله نسمع الأغانى العاطفية أو الوطنية بهذا التبتل، ويبكى الكثيرون وهم ينصتون إليها، إذا كانت مجرد أداء؟
على أن هذا لا يمنع أن يقع بعض المستمعين، حتى لو كانوا مشايخ ملتحين، فى حب هذه المغنية أو تلك. فهو أمر متوقع، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن. وعلى كل من يمر بهذه التجربة ألا ينساق معها، وليعرف أن المغنية التى يعشقها ليست فاضية له، كما أن هناك من أمثاله المغرمين صبابةً الكثيرين. فلو استجابت المغنية لكل من وقع فى غرامها فلن يكون عندها وقت حتى لدخول الحمام! بل لسوف تموت قبل أن تلبى طلبات الهائمين المنتظرين أمام باب شقتها فى طابور طويل من هنا حتى السعودية فى تبتل وخشوع وبكاء ونهنهة ودموع. ثم إنها ليست بالصورة البراقة التى تبدو عليها لنا.
قال لى أحدهم مرة إن فلانة الممثلة الرقيقة التى كانت متخصصة فى إبكاء المشاهدين لأفلامها من شدة رقتها وملائكيتها وبؤس نفسيتها وما يقع عليها من ظلم ومآس كانت، إذا راجعها المنتجون فى قيمة الأجر الذى تريده تشخر لهم. يا ناس، اشكروا ربنا وتمتعوا بالصوت الجميل الشجى وبَسْ، ودعوا الست المغنية فى حالها كى تظل قادرة على أن ترفدكم بفنها البديع، والحمد لله أنها لا تشخر لكم كفلانة الملاك الطاهر التى تذوب رقة وحياء. وبعد فأنا متعاطف مع الشيخ الظاهرى الظريف الذى لم يتنكر لطبيعته الإنسانية فتعلق زمنا بالغناء الجميل من نوعية صوت نجاة، الذى يستدر الدمع من المآقى، وأعذره فى رجوعه عن حب الغناء حتى لو كان هذا الرجوع من خارج القلب. وكنت، وأنا فى السعودية، منذ نحو عشرين عاما، أسمع عنه الكثير، وإن لم أقرأ له شيئا ذا بال. وهو ما أرجو أن أعوض شيئا منه الليلة بقراءة كتيِّبه عن عبد الله القصيمى بلديّه المتمرد.   
أما الكتاب الذى ألفه الشيخ ابن عقيل الظاهرى عن نجاة فإليك، يا عزيزى القارئ، قصته من فمه ذاته حسبما رواها لصحفى بجريدة "المدينة" السعودية بتاريخ 20/ 11/ 2009م: "وأما سؤالك عن الكتاب الذي ألفته عن نجاة فهو مختارات من ديواني: "النغم الذي أحببته". وأظن أن ذلك قبل طبعه مع صورة مهيِّجة وترجمة ضافية وسرد لأغانيها وتواريخها وملحنيها وأصحاب الكلمات. وقد نُشِر بمجلة جمعية الثقافة والفنون، وقال لي سعادة الأستاذ محمد الشدي إنه عرض الموضوع على عالم نفسي، فقال: "إن أبا عبدالرحمن عاشقٌ بجدٍّ لمن كتب لها الكتاب". ولما شككتُ في أن أخي الأستاذ حمد القاضي، حرسه الله، وصَّله إليها أرسلته لها مع متأدِّب مصري اسمه علي الفقي، مضيفا إليه بعض مقالاتي الخاسئة عنها، ثم زرتها بصحبته في الزمالك أو أبو المعاطي أو العجوزة (نسيتُ لطول العهد، والحمد لله على هذا النسيان)، فجاءتنا بعد طول انتظار ولم يبد منها غير وجهها، وعلى بعض رأسها طرحة قماش بيضاء شفافة، وقد بدتْ رقبتها وبعض صدرها، وهذا غاية الستر عند فنانات العصر. ورحَّبتْ، وصرفتني إلى الحديث عن السعودية وأدبائها، وقالت : لولا أنني المعنيَّة لغنَّيت بعض الكلمات. ولم أقل: أنتِ غنيتِ "لا تكذبي" لِلْمُدَحْدَح العاشق عن سذاجةٍ: الشناوي، وأنت المعنيَّة بذلك. وكان، رحمه الله، دميما كبير البطن قصير الرقبة. فلما بلغ به الشوق مبلغه صرحت له بأنها تحبه لأدبه الجميل، فصُدِم بعدها. لم أقل لها ذلك لأنه عُجِم عَلَى لساني، وضاق نَفَسي، وغصصتُ بريقي، وعَرِقْتُ، وصرتُ أثني أطراف أصابعي من غير وعي لشدة الخجل، فاستغربت هي ذلك. فلما خرجنا قال لي الفقي: يخرب بيتك! خجَّلتنا معها! وسرُّ هذه الانغماسة طلاقٌ تكرَّر اضطرارا لأول زوجة لي أُحِبّها حبا شديدا، وعوضني الله بما هو خير في أواسط الكهولة، فَوَلَّد لي هذا هياما وحبا وهميا، وتسلياتٍ بالتأوهات الساقطة في ألحان المغنين" .
وبعد، فمما لا ينبغى أن أمر عليه مرور الكرام، وأنا أتكلم عن المرحلة الثانوية من تعليمى، أننى عرفت فى مدرسة الأحمدية بطنطا طلابا نصارى لأول مرة. لقد كانت قريتى التى أتيت منها قرية مسلمة خالصة الإسلامية، إذ ليس فيها كنيسة كما هو الحال فى بعض القرى الأخرى، بل لم يكن فيها سكان نصارى على عكس قرية شفا المجاورة لقريتنا مثلا، إذ كانت فيها أسرة نصرانية فى الخمسينات والستينات من القرن الماضى هى أسرة عوض الله، وإن لم توجد فيها كنيسة. ومع خلو قريتى من أى ساكن نصرانى لأنها قد بنيت فى العصر الفاطمى فيما يبدو، استنتاجا من اسمها المطابق لاسم قبيلة كتامة المغربية، التى آزرت الفاطميين وأرست حكمهم فى مصر، فقد كنت أرى الكنائس فى طنطا وأمرّ بجوارها وأتعامل هنا وهناك مع النصارى، الذين لم يكونوا يشكلون نسبة تذكر فى تلك المدينة. وقد حضرت عرسا ذات مرة فى إحدى الكنائس، وعمرى خمسة عشر عاما تقريبا، وكنت لا أزال طالبا فى الأزهر، وشاهدت بعض النصارى فى عيد السعف وهم يحملون فى أيديهم سعف النخيل فى شارع السكة الجديدة خارجين من شارع الصاغة حيث كانوا يتركزون. كما كانت هناك خنازير فى شارع الصاغة والمنطقة المحيطة به، ورأيت بعض الشبان ليلا يطاردونها ويضربونها بالنعال وهى ترعى القمامة فى مقلب من مقالبها هناك، وأنا فى الفرقة الثانية الإعدادية الأزهرية. وبالمثل شاهدت فى شارع القنطرة عصر يومٍ جنازةً خارجة من الكنيسة يمشى فيها القُسُوس، وتُضْرَب فيها الصنوج وتُعْزَف الموسيقى، ويتقدمها حصانان يجران عربة عليها نعش الميت متجهة ناحية ميدان الساعة وشارع المديرية فى طريقها إلى المقابر.
والآن أصبحت أجلس فى فصل واحد مع طلاب نصارى، وأذكر منهم الآن أديب، وكان لَسِنًا رغم أنه كان بلسانه ما نسميه فى مصر: "لَتَّة"، وكان يحب أن يتحدث فى الدين ويجادل فيه، ولا أستطيع أن أتذكر موقفى من ذلك اللَّسِن. بيد أننى أذكر جيدا أننا قد أخذنا فى مقرر التربية الدينية فى ذلك العام الحديثَ النبوىَّ الشريفَ الذى يقول: "من ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طِيبِ نفسه فأنا حَجِيجُه يوم القيامة". ولا ريب أن هذا الحديث قد ترك أثره الشديد على نفسى وعقلى، فكنت ألتزم ولا أزال ألتزم به حتى الآن فى صرامة ما دام صاحبى النصرانى يتصرف باحترام وكياسة. وقد كان النصارى فى ذلك الوقت، والحق يقال، يحترمون أنفسهم، وكان المسلمون يحترمونهم أيضا.
وأذكر منهم أيضا سعد، الذى ارتبطتُ به بعض الوقت حين كنت فى السنة الأولى الثانوية، وذهبت معه مرة إلى شقتهم فى حارة تصل بين شارعى القاضى وأحمد ماهر من جهة البحر، واستقبلتنى أمه استقبالا طيبا. وقد طلبت منهم فى تلك الزيارة نسخة من الأناجيل، فأَعْطَوْنى نسخة صغيرة كنت أقرأ فيها فأجد أشياء تذكّرنى بالقرآن المجيد، بيد أن الأسلوب الذى صيغ به الكتاب كان مختلف الطعم والنكهة عما أعرفه من الأساليب العربية. كما كان هناك غموض فى بعض الأسفار لعُسْر الصياغة وركاكة العبارة، التى صرتُ أعزوها الآن، بعدما تعرفت إلى طبيعة فن الترجمة، إلى ركاكتها فى لغتها الأصلية. ولا أستطيع أن أتذكر شيئا آخر يتعلق بذلك الموضوع. ومنهم أيضا قصدى، الذى كان يسكن شقة فى الدور الثانى من أحد المنازل فى طه الحكيم قريبا من شارع الويشى، وكنت أراه أحيانا جالسا فى شرفتهم الصغيرة الرشيقة وأنا مار من هناك. وقد اقترح علىَّ فى آخر ذلك العام قبيل الامتحان أن أدخل معه القسم العلمى كى أكون طبيبا، وبخاصة أننى، كما لاحظ، كنت قويا فى المواد العلمية، فقلت فى نفسى: أُفَكِّر. بيد أننى ما إن دخلت الامتحان الشفوى، وكان السؤال الموجه لى فى مادة "الأحياء" يتعلق بكبد أرنب محفوظة فى مادة كيمائية لعلها الفورمالين ورأيتها وهى على وشك التحلل وشممت رائحتها النفاذة، حتى انقلبت بطنى، وصرفت النظر تماما عن فكرة القسم العلمى. وذهب قصدى بعيدا عنى فى زحمة الحياة بعدما انفصلنا فى تخصصنا، ولم أعد أعرف أى شىء عنه.
وكان من بين أساتذتنا النصارى فى المدرسة أستاذ كان يدرس لنا فى السنة الأولى مادة "الرياضيات". وكان أوربى الملامح إلى حد ما. وكان الطلاب الأشقياء الضخام يطلقون عليه: "فَلْتَس"، فكان ذلك يزعجه ويعصِّبه إلى درجة شديدة. وأذكر الآن ما قاله لنا أحد هؤلاء الشياطين من أنه أخرج لهم بطاقته العائلية وأراها لهم مقسما فى انفعال أن اسمه ليس فلتس. وكان منهم أيضا فى تلك السنة الأستاذ كمال مدرس الجيولوجيا، الذى كان يلبس بدلة سكرية اللون لامعة من قماش الشاركسكين ("الشركستين" كما كنا ننطقها فى ذلك الوقت)، وكان وسيما يفرق شعره اللامع فرقا أنيقا، كما كان صارما يسيطر على الفصل سيطرة تامة رغم أنه لم يكن جسيما ولا طويلا. وكان يتفاصح إذا لفظ كلمتى "صُلْب" و"صَلْد"، اللتين كان ينطقهما: "صَلْب" و"صَلِد" معطشا دال الكلمة الأخيرة تعطيشا قويا كى يُفْهِمنا نطقها "الصحيح"! وكنت فى دخيلة نفسى أبتسم لمعرفتى أن نطقه للكلمتين خطأٌ بَوَاح. وكان أستاذ الأحياء نصرانيا أيضا، ولكن لم يترك فىَّ أثرا لا طيبا ولا سيئا، إذ كان رجلا هادئا لا يهتم بالاقتراب من طلابه ولا تشجيعهم، بل يكتفى بالشرح فقط. وكذلك الأستاذ رمزى، وكان يعطينا جغرافيا فى الثانوية العامة، وكان طيبا لطيفا، وكنا نضحك فى حصته ونداعبه، ولكن لا أظن أننا كنا نستهين به. وكان ينطق الواو مفخمة فتبدو لى غريبة جدا أنا الآتى من قريةٍ تُرَقِّقُها.
وكان منهم كذلك الأستاذ فكرى روفائيل، أستاذ التاريخ فى السنة الأخيرة لنا بالمدرسة، وكان فصيحا يحب استعمال العبارات المتميزة كقوله مثلا عن العثمانيين إنهم "دقوا أبواب فيينا فلم تُفْتَح لهم". يقول ذلك وهو يدق على السبورة أمامه بقبضة يده ويضغط على مخارج الحروف، وكأن فيينا تقف فعلا وراء السبورة وترفض أن تفتح للعثمانيين. وكانت هذه العبارة مثار تندر من جانب ابن قريتى وجارى فى التَّخْتَة المرحوم محمد عاشور، إذ كان يرددها مقلدا الأستاذ فكرى على نحو كاريكاتيرى مبالغ فيه. وأهم شىء يَرِد على ذهنى الآن ما لاحظه بعضنا، ولعلى واحد من هذا البعض، من أن الأستاذ روفائيل قد ذكر، بين البواعث التى دفعت المسلمين الأوائل إلى الخروج من جزيرتهم ونشر الإسلام فى أرجاء الأرض، العامل الاقتصادى. وقد ضايقنا هذا، وأحسب أن بعضنا قد ناقشه فيه، وتمت المناقشة بطريقة هادئة ومحترمة من الجانبين. وكنت أتردد على مدرستى هذه حتى بعدما صرت معيدا فى آداب عين شمس، وأذكر أننى قد قابلت الأستاذ فكرى كالعادة فى إحدى زياراتى لأستاذى سيد أحمد أبو رية هناك، وأنبأته بخِطْبَتى الأولى، فأكرم زيارتى وهنأنى على حسن اختيارى، وتمنى لى زواجا سعيدا، وكان ذلك قبل حرب رمضان المجيد. ولا أظننى قابلته بعد ذلك، فقد ترك أستاذى أبو رية الأحمدية إلى طنطا الثانوية، فلم أعد أذهب إلى مدرستى القديمة.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 55 مشاهدة
نشرت فى 9 مايو 2016 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,136