الكلمات غير القاموسية*
(من قراءاتى)
الكلمات غير القاموسية*
موضوع اقتراحي أيها السادة هو استمالة نظركم<!-- إلى العناية بالكلمات "غير القاموسية". وأعني بالكلمات غير القاموسية كلماتٍ نستنكف من إيداعها قواميسَنا العربية، لكننا مع هذا لا نستنكف <!--من التكلم بها وإيداعها كتاباتنا أحيانًا. وقد أصبحنا، معشرَ العربِ، مع معاجم لغتنا تجاه أمر واقع غريب الشكل. ذلك أننا نرى
ألوفًا من الكلمات الـحُوشِيَّة<!-- المهجورة الاستعمال قد تبوَّأت من قواميسنا الصدرَ والمحرابَ<!--، وألوفًا من الكلمات الدخيلة التي أَلِفَتْها الأسماعُ والتي نرى أنفسنا مضطرين إلى استعمالها قد حُرِمَتْ دخولَ المعاجم وطُرِحَتْ وراء الأبواب. وهذا على خلاف ما عليه الحال في لغات الأمم الراقية، فإن معاجمها اليوم تتضمن من الكلماتِ القديمَ والحديثَ، الأصيلَ والدخيلَ. وميزان التفاضل بينهما إنما هو استعمال البلغاء لها لا لكونها أصيلة أو دخيلة.
فإذا تصفحتَ معجم "لاروس" مثلا وجدتَ فيه، إزاء الألفاظ الإفرنسية المحضة، ألفاظًا أخرى من لغات مختلفة: فتجد من اللغة العربية مثلا كلمات(Felouque) "فلك"، (Mesquine) "مسكين"، (Cable) "حبل"، (Bled) "بَلَد"، (Marabout)"مُرَابِط"، (Jarre) "جرة"، (Mantille) "منديل"، (Hourie) "حورية"، (Sirop) "شراب" في نظير ذلك من الكلمات العربية <!--التي يُحِلّونها المحلَّ الأرفعَ من معاجمهم، ويزينون بها خطبهم وكتاباتِهم.
ولا يخفى على حضراتكم أيها السادة أن الكلمات الدخيلة التي سميناها: "غير القاموسية" تبقى مرذولة<!-- سيئة السمعة ما دامت لا تُذْكَر في معاجمنا العربية، ومادام ّ كتابنا المجيدون يأنفون من استعمالها خشية أن ينسب إليهم قصور أو توصم كتاباتهم بِلُوثَة العُجْمَة. وكل ما أريده الآن من أفاضلنا ألا ينظروا إلى الكلمات "غير القاموسية" نظرة ازدراء، ولا يحرِّموا استعمالها على السواء، بل أقترح أن يصنفوها ثم يميزوا بين أصنافها: فصِنْفٌ منها يعلن مجمعنا العلمي الفتوى بجواز استعماله بل بلزوم ذكره في معاجمنا اللغوية الحديثة أيضًا، وصِنْفٌ منها يعلن عدم جواز استعماله أصلا ثم يبين السبب في الأمرين: الجواز وعدم الجواز.
وها أنا ذا منذ الساعة أُصَنِّف هذه الكلمات تصنيفًا أوليًّا يدرك الذهن منه ما
هي الكلمات "غير القاموسية" التي يجب اطِّرَاحها وإهمالها:
- الصنف الأول من الكلمات غير القاموسية كلمات عربية قُحَّة<!-- لم تذكرها المعاجم لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين يُحْتَجّ بأقوالهم<!--، مثل فعل "تَبَدَّى" بمعنى "ظهر". لم تذكره المعاجم بهذا المعنى، وإنما ذكرته بمعنى "سكن البادية". لكنه ورد في بيت شعر لعمرو بن مَعْدِي كَرِب من قصيدته الدالية المذكورة في ديوان "الحماسة". والبيت هو قوله:
وبَدَتْ لَـمِيسُ كأنها بَدْرُ السماء إذا تَبَدَّى
فما رأيكم أيها السادة في هذه الكلمة "غير القاموسية"؟ هل يجوز لنا إهمالها بعد أن جاءت في شعر هذا العربي الصميم؟ لكن لماذا لم تذكرها المعاجم؟ هذا شيء آخر لا يتسع الوقت للبحث فيه. ولا أظن أن زملائي أعضاء المجمع العلمي يخالفونني في وجوب الإسراع إلى إعلان الفتوى بجواز استعمال كلمة "تبدى" وما أشبهها.
- الصنف الثاني من الكلمات "غير القاموسية" كلمات عربية خالصة لم تذكرها المعاجم لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الإسلاميين الذين لا يحتج بأقوالهم: وهذا كفعل "أَقَصَّ (الخبر)" (رباعيًّا) بمعنى "قَصَّه" (ثلاثيًّا). لم تذكره المعاجم، لكنه جاء في كلام الإمام الطبري المشهور ببلاغة عبارته، إذ قال في "تاريخه" (جزء ٢ ص ١٨٤ من الطبعة الأوربية) : "فأتيتُه فأَقْصَصْتُ قِصَّتَه". وأظن أن السادة أعضاء المجمع يوافقونني أيضًا على إعطاء الفتوى بجواز استعمال هذا الصنف من الكلمات "غير القاموسية"، ويمكن أن نعد من هذا النوع إقرار العلامة اليازجي لكلمة "فَخِيم" مع أن علماء اللغة لم يذكروا إلا "فَخْم"، واستعمال الإمام الشيخ محمد عبده لكلمة "صُدْفَة") في خطبة <!--شرحه لـ"نهج البلاغة") مكان كلمة "مصادفة".
- الصنف الثالث كلمات عربية المادة ومع هذا لا يعرفها العرب أو يعرفونها في معانٍ أُخَر. وهي كلمات اصطلاحية فنية أو إدارية كقولهم: "هيئة المحكمة"، "تشكيل المحاكم"، "انعقدت الجلسة"، "تعريفة الرسوم"، "ميزانية"، "كمية"، "كيفية" في نظير ذلك. وهذه الكلمات "غير القاموسية" أرجو من رفقائي أعضاء المجمع أن يجوِّزوا استعمالها، ولا سيما أنها كلمات اصطلاحية كما قلنا. ولكل قوم اصطلاحهم.
- الصنف الرابع كلمات عربية المادة ولَّدها <!--المتأخرون من أهل الأمصار الإسلامية لا يعرفها العرب الأولون، ولم ينطق بها الفحول الـمُقْرَمون<!--، مثل فعل "خابره" )بمعنى "راسله")، وفعل "تفرَّج) على الشيء)"، و"احتار) في أمره)"، و"تنزَّه) في البستان" وهكذا. وأنا أعترف بأنني سألقى صعوبة في حمل زملائي أعضاء المجمع العلمي على إعطاء فتوى بجواز استعمال هذا الضَّرْب من الكلمات "غير القاموسية".
- الصنف الخامس كلمات دخيلة أعجمية <!--الأصل: منها ما هو ثقيل على اللسان، نحو "أوتوموبيل"، "بِيرْصُونالِيتِه"<!--، ومنها ما هو خفيف في السمع ، مثل "فِلْم"، "بالون". وأنا على يقين أن أعضاء المجمع لا يجوِّزون استعمال كلا القسمين الثقيل والخفيف، وإنما هم يوجبون العدول عنهما إلى كلمات عربية تقوم مقامهما أو تعريبهما بكلمات ذات صيغة عربية كما قالوا: "مناورة" في تعريب (Manoeuvre). وأنا أوافقهم في الكلمات الثقيلة، أما الخفيفة مثل "فلم" و"بالون" فأرتاح إلى القول بجواز استعمالها كما هي.
- الصنف السادس أساليب أو تراكيب أعجمية تسربت إلى لغتنا مترجمةً عن اللغات الأوربية، وهي مما لا يعرفه العرب الأقدمون. وهذا كقولهم: "ذَرَّ الرمادَ في العيون"، "عاش ستة عشر ربيعًا<!--"، "وضع المسألة على بساط البحث"، "لا جديد تحت الشمس"، "ساد الأمن في البلاد" في نظير ذلك. وكل هذا مما استفاض بيننا وتعاورته أقلامنا، ولا أظن أن أحدًا ينازع في جواز استعماله اللهم إلا الذين أصيبوا بالوسواس اللغوي.
- الصنف السابع من الكلمات "غير القاموسية" كلمات عربية لا يستعملها أحد من الفصحاء بل يتحاشَوْن النطق بها لَعَمْرِي<!--، وهو ما نسميه : "العامي". وهذا كثير لا يجهله أحد مثل كلمة "بَدِّي) أذهب)"، "جِيب) الكتاب)"، "لحشه) على الأرض)"، "تعربش) على الشجرة)"، "تحركش) بفلان)" إلى غير ذلك. وهذا لا يجوز استعماله بالطبع، بل يجب العمل على تقليص ظله من بيننا تدريجًا وتعويد أبنائنا
استعمال غيره من الفصيح الذي يصلح أن يقوم مقامه.
هذا ما خطر لي أيها السادة في تصنيف الكلمات "غير القاموسية". ويمكن تصور أصناف أخرى غيرها، إذ ليس القصد من هذا الاقتراح الاستقصاء وبلوغ الغاية، وإنما القصد الإشارة والتلميح إلى ما يجب على مجمعنا العلمي عمله من التسامح وإعطاء الفتوى في الكلمات التي عَمَّتْ بها البلوى.
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
* هذا نص اقتراح قدمه الشيخ عبد القادر المغربى للمجمع العلمى العربى بدمشق سنة 1927. وقد نقلناه عن كتاب "رسائل الأستاذ الرئيس محمد كرد على إلى الأب أنستاس مارى الكرملى". والمغربى كاتب سورى كبير ولد عام 1867م، ومات عام 1956م. وهو من أسرة علمية عريقة في الدين والفضل، وكان أحد أعضاء المجمع المذكور، وله عدد من الكتب فى اللغة والتفسير والتراجم، كما ترجم رواية "غادة الكاميليا" عن الفرنسية.
<!-- أى توجيه انتباهكم.
<!-- استنكف من كذا: نفر منه واشمأزّ.
<!-- اللفظ الحُوشِىّ: المهجور الخشن.
<!-- تبوأت الصدر والمحراب: احتلت مكان الصدارة.
<!-- فى نظير ذلك من الكلمات العربية: وما أشبه ذلك من الكلمات العربية.
<!-- مرذولة: محتقَرة مَعِيبَة.
<!-- خالصة.
<!-- يُحْتَجّ بأقوالهم: يُؤْخَذ كلامهم حُجَّة.
<!-- "الخطبة" هنا: المقدمة.
<!-- "وَلَّدها" هنا: أدخلها فى اللغة، ولم تكن معروفة للعرب من قبل.
<!-- الفحول المقرمون: الأفذاذ المُبَجَّلون.
<!-- أجنبية.
<!-- كلمة فرنسية معناها: "الشخصية" (personalité).
<!-- "ربيعا" هنا: عاما.
<!-- لعمرى: وحياتى (لون من القسم كان يستعمله العرب القدماء كثيرا).
<!--

