جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
رفاعة الطهطاوى أبو النهضة الحديثة
(2)
د. إبراهيم عوض
وهناك ميدان آخر تظهر فيه ريادة الطهطاوى أيضا، ألا وهو ميدان التأليف النحوى على الطريقة الحديثة التى تتمثل فى الجداول التوضيحية وشرح الأمثلة المستشهَد بها على القاعدة، إذ كانت الكتب القديمة تكتفى بسرد الشرح سردا دون أن تشفع ذلك بأى جدول يصور ما تقوله القاعدة ويجمع تفصيلات الباب كلها فى شكل واحد يسهّل على الطالب الربط بين أجزائه فى نظرة. كما أنها عند سَوْقها للأمثلة التى تستشهد بها على ماتقول تقف عند هذا فلا تزيد عليه شيئا. أما رفاعة فإنه، كلما انتهى أورد مثالا على ما يشرحه من قاعدة، نراه يُتْبِع المثال بشرح يبين جريه على تلك القاعدة. ولنمثل لذلك بقوله عن الرابط الذى لا بد منه لربط جملة الخبر بالمبتدإ: "وقد يكون الرابط بإعادة المبتدإ بعينه فى موضع التفخيم، نحو: "الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ؟"، إذ يعقّب على هذا المثال قائلا: "فــ"الحاقة" مبتدأ أول، و"ما" اسم استفهام، مبتدأ ثان مبنى على السكون فى محل رفع خبر المبتدإ الأول، والرابط إعادة المبتدإ بعينه"(47).
ونحن الآن، لإِلْفنا هذه الطريقة، يصعب علينا أن نقدر هاتين الإضافتين اللتين أدخلهما رفاعة على التأليف فى النحو والصرف حق قدرهما. ولكن لو أننا استحضرنا فى أذهاننا كتب النحو القديمة مجردة عن الهوامش التى أضافها إليها الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد وأمثاله لشرح أبيات الألفية مثلا وإعراب الشواهد وما إلى هذا لاستطعنا بسهولة أن نعرف قيمة ما صنعه رفاعة فى هذا المجال(48). وربما استفاد رفاعة هذا الأسلوب فى تعليم النحو والصرف من الفرنسيين، فقد أشار فى "تخليص الإبريز" إلى أن المستشرق الفرنسى سلفستر دى ساسى قد ألف كتابا فى قواعد العربية "على ترتيب عجيب لم يُسْبَق إليه أبدا" عنوانه: "التحفة السَّنِيّة فى علم العربية"(49)، فضلا عن حديثه عن السهولة الشديدة فى تعلم اللغة الفرنسية(50).
ومما ينبغى الانتباه إليه أن فى كتاب رفاعة أبوابا لا توجد فى كتب النحو والصرف التى درسناها كــ" قَطْر النَّدَى" و"شُذُور الذهب" و"شرح ابن عَقِيل"، و"أوضح المسالك". مثال ذلك الباب الثانى "فى الاسم وأقسامه" حيث يقسم الاسم إلى ظاهر ومُضْمَر ومُبْهَم من ناحية، وإلى مقصور وناقص من ناحية أخرى (51)، وكذلك باب"ألقاب الإعراب والبناء"، أى الرفع والنصب والخفض والجزم للإعراب، والضم والفتح والكسر والسكون للبناء(52). كما أنه فى تعريفاته قد يتنكّب التعاريف القديمة وينشئ من عنده تعريفا جديدا مثل قوله عن"النحو" إنه "فن تصحيح الكلام العربى كتابةً وقراءةً"، وتحديده لــ"الكلمة" بأنها "قول مفرد مؤلف من حروف المعانى، التى هى حروف الهجاء: ألف، باء ... إلى آخرها"(53)، وإن احتفظ فى ذات الوقت ببعض الملامح التقليدية كالاستشهاد بالشعر القديم أحيانا.
على أن رفاعة قد يسهو فى ضرب الأمثلة فلا يأتى بالمثال المطلوب على وجه الدقة. من ذلك أنه، فى كلامه عن علامة الخفض الأصلية، وهى الكسرة، يقول إنها تأتى بثلاثة أوضاع أولها "الاسم المفرد المنصرف"، ثم مثّل ذلك بـ"كتبت بالقلم"(54)، وهو مثال لا يتضح منه المراد لأن "القلم" هنا معرف بالألف واللام، ومن ثم فهو غير منصرف. ثم إن هذه الألف واللام إذا دخلت على الاسم الممنوع من الصرف جعلته يُجَرّ بالكسرة. فكان ينبغى أن يقول: "كتبت بقلمٍ" بدلا من "كتبت بالقلم". كذلك رأيته فى باب"الاستثناء" يجعل "لا سيما" أداة من أدواته(55) رغم أنها إنما تفيد الاسم الواقع بعدها تأكيد الحكم الواقع على الاسم السابق عليها لا استثناءه منه. إننا حين نقول:"أُحِبّ الفواكه، لا سيما التفاح" لا نستثنى التفاح من حبنا للفواكه بل نختصه بتأكيد وقوع هذا الحب عليه. وعلى هذا فهى لا تُخْرِج ما بعدها مما قبلها بل تزيده دخولا فيه. ذلك أن معنى "أُحِبّ الفواكه، لا سيما التفاح"، أننى أحب الفواكه، وأحب التفاح أكثر شىء فى هذه الفواكه. والدليل على أنها ليست للاستثناء أننا لا يمكن أن نستبدل بها أية أداة استثنائية أخرى فلا نقول مثلا: "أحب الفواكه إلا التفاح". كما أنه، رحمه الله، كان يعرف بكل تأكيد أن ترجمة "لا سيما" تختلف عن ترجمة أدوات الاستثناء: فهى تترجم بــ"en particulier"، أما أدوات الاستثناء فتترجم حسب السياق بـ"seulement, excepté, sauf"، وهذا غير ذاك. كذلك فإن رفاعة يقول برفع الاسم التالى لـ"لاسيما" وخفضه ليس غير دون التفرقة بين الاسم المعرَّف والاسم المنكَّر(56). والمعروف أن الأخير يقبل، إلى جانب الرفع والخفض، النصب أيضا. ومع هذا فهناك من كبار النحويين القدماء من يتعامل مع "لا سيما" على أنها أداة استثناء(57).
هذه هى الميادين التى كان لرفاعة قصب السبق فيها. وقد عالج، رحمه الله، من فنون النثر الأدبى فن كتابة الرحلة فى رائعته: "تخليص الإبريز"، كما عالج المقال والخطابة، وترجم رواية فنلون: "Les Aventures de Télémaque"، فكيف كان أسلوبه؟ فأما خُطَبه فهى خُطَبٌ مدرسية كان ينشئها بمناسبة انعقاد الامتحانات آخر العام فى حضور رجال الأمة وأعيان البلاد يمدح فيها العِلْم ويمجّد الوالى لاهتمامه ببناء المدارس وما إلى هذا. ومن ذلك قوله: "حمدا لمن علَّم الإنسان ما لم يَعْلَم، وصلاة وسلاما على ترجمان العلم والحِكَم، العالم بلغات العرب والعَجَم، وعلى آله وأمته أفصح الأمم، وخلفائه ذوى العَلَم، وحَمَلة شريعته الحنيفة، وحَفَظة مِلّته الـمُنِيفة... أما بعد، فلما كانت مملكة مصر، بمقتضى الحكمة الإلهية، ممتازة عن سائر ممالك البَرِيّة، بأنها أهل لسيادتها على جميع الممالك، وكأنها ما بَرَأَها البارى إلا لذلك، وهو أعلم بما هنالك، كما يدل ما سبق فى الأحقاب الخالية، والأزمان المتعاقبة المتتالية، وكانت قد اعترتها فترة، حتى خَوَتْ على عروشها بالمرة، ويأبى الله إلا انتظام ملكها، وانتظامها فى سِمْط الدول وسِلْكها، حَفَّها بألطافه، وأنقذها بإسعافه... وهذا أول مجلس للامتحان، واختبار صدقِ حَدّ صوارم الأذهان، ومقياس تناضُل الفرسان، الذى يظهر فيه الكَمِىّ من الجبان. وقد تشرف هذا المجلس بحضور شيوخ مشايخ الإسلام، ووكلاء الدول الفِخَام، ورئيس مجلس الامتحان. ومن الأمثال التى سارت بها الركبان: "عند الامتحان يكرم المرء أو يهان"(58). ومن الواضح أن مثل هذه الخطبة لا بد أن تكون قد أُعِدّت سَلَفًا، فإن السجع لا يواتى الخطيب بتلك السهولة إذا كان يرتجل الكلام ارتجالا.
وأما مقالاته، والقليل منها منشور فى جريدة" الوقائع المصرية"، والباقى فى مجلة "روضة المدارس"، فالأدبى منها مَصُوغٌ فى القالب السجعى، وغير الأدبى مرسلٌ إرسالا(59). وهو فى هذا اللون الأخير قد سبق الشيخ محمد عبده، الذى ينسب إليه د.شوقى ضيف أنه أول من خلّص الكتابة النثرية، وبخاصة المقال الصحفى، من قيود السجع والبديع، وهو ما قد تناولناه من قبل فى هذا الكتاب. وأما"تخليص الإبريز" وغيره من الكتب التى ألفها رفاعة كـ"المرشد الأمين" و"مناهج الألباب المصرية" و"نهاية الإيجاز فى سيرة ساكن الحجاز" فقد سلكها فى قالب النثر المرسل ما عدا المقدمات والخواتيم، التى صاغها سجعا، فضلا عن بعض الفقرات والجمل هنا وهناك. الكتاب الوحيد الذى صاغه كله صياغةً سجعيةً هو ترجمته لرواية فنلون كما قلنا قبلا.
هذه أولى السمات الأسلوبية لكتابات رفاعة، أما الثانية فهى دقته واستقصاؤه فى الوصف. وهذا واضح أشد الوضوح فى "تخليص الإبريز"، كما أنه كثيرا ما ينتقل أثناء وصفه لمشاهداته فى باريس، وكذلك فى كتابه عن تاريخ مصر القديمة، إلى ما يشبه ذلك فى مصر أو فى الحضارة الإسلامية على سبيل المقارنة. والثالثة أنه أحيانا ما يترك الموضوع الاصلى الذى يكون بسبيله إلى موضوع آخر، وبعد أن يستوفى الكلام فيه يعود إلى موضوعه الأول مستعملا لذلك عادةً كلمة "رَجْع" أو ما إليها.
ومن خصائص أسلوبه أيضا تناوله لأهم الموضوعات وأشدها حساسية بأعصاب هادئة ودون ثورة أو غضب أو تطاول على أحد. كما أنه كثيرا ما يؤكد كلامه بشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الحكماء والعلماء من عرب أو أوروبيين، ذاكرا أسماءهم أو مكتفيا بعبارة "وقال بعضهم:..". ومن هذه السمات كذلك السهولة والبساطة المتناهية، فليس هناك ألفاظ صعبة ولا تراكيب متعثكلة حتى فى سجعه. وهو عادة لا يهتم إلا بتوصيل فكرته وتوضيحها إلى أقصى حد، غير مبال بما يتردى فيه أحيانا من ركاكة. وهو فى هذا يذكرنا بالدكتور أحمد أمين إلى حد كبير، وإن كان رفاعة يزيد على ذلك لجوءه إلى العامية فى بعض المواضع.
ومن هذه الركاكة، التى تعود فى بعض حالاتها إلى تأثير الأسلوب الأعجمى عليه، قوله مثلا إن على الموسرين من أبناء الوطن إعانة الحكومة على "تركيب مارستانات تُرْصَد على الأطفال الذين يلتقطونهم من الطرق والأيتام... إلخ"(60) (بدلا من "بناء المارستانات" أو "إنشائها")، وقوله: "فإن يكون كذوبا بخبر"(61) (بدلا من "كذوبا فيما يورده من أخبار")، وقوله: "فكل واحد من المعدنجية أَخَذ قصعة وعَمِل صنعة التنظيف للرمل الخارج من الحفرة"(62) (بدلا من "قام بتنظيف الرمل" مثلا)، وقوله عن مَلِك فرنسا إنه "هو الذى يُوَلِّى المناصب الأصليه ويجدد بعض قوانين وسياسات"(63) (بدلا من "بعض القوانين والسياسات")، وقوله : "بشرط أخذ، قبل التخلية، قيمته"(64) (بدلا من "أخذ قيمته قبل التخلية")، وقوله: "كل أهل العسكرية سوى أصحاب خدمة دائمة... تبقى لهم مدة حياتهم وظيفتهم"(65) (بدلا من "سوى أصحاب الخدمة الدائمة")، وقوله: "إن السبب الأعظم فى كثرة فحول الرجال وكبراء الأبطال فى بلاد اليونان فى أيام جاهليتهم إنما هو كان بعد إحسانهم تربية الأطفال"(66)، وقوله: "وضعوهم فى لياقتهم"(67) (يقصد "وضعوهم فى الوظيفة التى تناسبهم")، وقوله عن الملكة سميراميس إنها "عملت سياحة فى جميع ممالكها"(68)، و"انتصرت بعض نصرات"(69)، وقوله: "ومن أعظم معين على التمدن حرية الملاحة"(70)، وقوله: "هذا الصبى صار قوى الرأس كالبغل الحرون"(71) (وهى ترجمة حرفية للتعبير الفرنسى"forte tête " الذى يدل على العناد وتصلب العقل)، وقوله: "كان متعودا على المرض بالتخمة"(72) (أى كان كثيرا ما يصاب بالتخمة)، وقوله:"كان موظفا بوظيفة الرفادة"(73) (أى كان يتولى وظيفة الرفادة).
وأما الاستعمالات العامية فنسوق عليها الشواهد التالية: "تشهيل الشغل"، "لا ظهر عنهم خبر"، "الشوربة"، "العيلة""، "هذا الترتيب لازم ولا بد"، "عقلٌ كنِز"، "كامل المعانى"، "فى سنة اثنتين للهجرة" (بدلا من السنة الثانية للهجرة)، "الحق على فلان". كما توجد فى كتابات الطهطاوى أخطاء لغوية مثل: "أساء عبده" (بدل "أساء إليه")، "قرروا جميعا على كذا وكذا" (والصواب إسقاط حرف الجر: "على")، "منهمك على" (بدلا من "منهمك فى")، "رَسَيْنا" (بدلا من "رَسَوْنا")، "مِنْ منذ كذا" (بزيادة "من")، "الابن أكبر الأخوات الأيتام" (يقصد "أكبر الإخوة الأيتام")، "نصيحة الأخوات لإخوتهم" (والصواب: "لإخوتهن")، "أما الخلاخل فلا يعرفونها" (والكلام عن النساء، وصوابه من ثم: "فلا يعرفنها"، "أعابه" (بدلا من "عابه")، "سَخِرَ على" (بدلا من "سخر بـ/ سخر من")، "يعملون الكل مع بعضهم" (يقصد: "يعملون يدا واحدة")، "الأستاذون" و"الربّانون" (والكلمتان لا تجمعان جمع مذكر سالما لأنهما ليستا علمين ولا وصفين، بل اسمى جنس، وعلى هذا تجمعان جمع تكسير: "أساتذة، ربابنة"). كذلك وجدت عنده فى بعض الأحيان اضطرابا فى التعامل مع الأعداد، مثل "سنة ألف ومائتين وثلاثة وثمانين"، "إحدى عشر فرسخا"، "سبع فراسخ"، "ثمانية عشر سنة"، "خمسة وعشرون سنة"، "خمسة سنين"، "ثلاث فرنكات"، "سبع فروع"، "خمسة وعشرين سنة"، "بضع عشر يوما"، "ثلاثة عشر فريضة"، وإن كنت لا أستبعد أن تكون بعض هذه الأخطاء غلطات مطبعية. وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فإن المستشرق الفرنسى سلفستر دى ساسى، الذى اطلع على "تخليص الإبريز" وهو لا يزال مخطوطا، قد كتب تقريرا عن ذلك الكتاب إلى المسيو جومار المشرف على رفاعة ورفاقه فى باريس جاء فيه أن "عبارة هذا الكتاب فى الغالب واضحة غير متكلَّفٍ فيها التنميق كما يليق بمسائل هذا الكتاب، وليست دائما صحيحة بالنسبة لقواعد العربية. ولعل سبب ذلك أنه استعجل فى تسديده وأنه سيصلحه عند تبييضه"(74).
وفىأسلوب رفاعة كثيرا ما تقابلنا صيغ واشتقاقات واستعمالات وتعبيرات غريبة، على الأقل: بالنسبة لنا الآن، مثل: "مادة تحفيظية" (مادة حافظة)، "المِلّة" (الأُمّة)، "الجمعية التأنّسية" (المجتمع)، "(أشياء) اختراعية" (مخترعات)، "المعارف التمدّنية"، "تنظَّمت المدرسة" (انتظمت)، "تدوَّنتْ" (دُوِّنَتْ)، "والعمليات التشغيلية" (الأشغال)، "استحصال المعونة" (الحصول عليها)، "تسخيرات" (ألوان التسخير)، "فضالة" (فَضْل)، "خسافة" (نقصان أو ضعف)، "قبطة مصر" (القبط)، "كرسى الملك" (العاصمة)، "التماشى" (المشى والتنزه)، "التقليدات" (أنواع التقليد والمحاكاة)، "تفسَّدَتْ" (فسدت)، "وكائل" (وكالات)، "الغُموم" (جمع "غمّ")، "سلطنة" (تسلُّط)، "أخصام" (خصوم)، "الإسلام" (المسلمون)، "الـبُرُور (والبحور)" (جمع "بَرّ")، "، "تجوَّه على فلان" (استطال عليه بجاهه)، "النكائب" (النكبات)، "تنجيز" (إنجاز)، "المدخلية فى كذا" (السبب فى حدوثه)، "رَحُوم" (رحيم)، "ثلوج صدره" (انشراحه)، "سَبُّ فلان وتنقيصه" (سّبُّه وتحقيره)، "العمالات" (الوظائف). كذلك فإنه، بسبب اصطدامه فى فرنسا بكثير من مستجدات الصناعة والثقافة مما لم يكن للعربية به عهد، قد اضْطُرّ إلى استعمال كثير من الكلمات الفرنسية كما هى. نجد هذا بكثرة فى "تخليص الإبريز"، وعلى نحو أقل فى بقية الكتب التى ألفها بعد ذلك، مثل: "فياكْر، والتياتر، والسبكتاكل، وبانورَمة، ووابور، وأوبره كوميك، وكوليج، وكارنتينة، وجرنال، وفابريقة".
ويكثر فى كتابات الطهطاوى استخدام المصدر الصناعى، وبخاصة من اسم الفاعل، مثل: "الوجدانية، المدخلية، المغدورية، الموضوعية (بمعنى أن الحديث موضوع لا أصل له)، الساذجية، الناطقية، الراجحية". وفى النَّسَب كثيرا ما نراه ينسب إلى "فَعِيلة" وصيغة جمع التكسير دون تغيير، مثل: "طبيعى، غريزى، سواحلى، ملوكى، (ذهبٌ) صفائحى، طبائعى، آلاتيّة". فأما النسب إلى "فعيلة" فقد قرأت فى "أدب الكاتب" لابن قتيبة أنك "إذا نسبت إلى فَعِيل أو فَعِيلة من أسماء القبائل والبلدان وكان مشهورا ألقيت منه الياء، مثل: رَبِيعة وبَجِيلة، تقول: رَبَعِيٌّ، وبَجَلِيُّ، وحَنِيفَة حَنَفِيٌّ، وثَقِيف ثَقَفِيٌّ، وعَتِيك عَتَكِيٌّ. وإن لم يكن الاسم مشهورا لم تحذف الياء في الأول ولا الثاني". وفى "المفصل فى صناة الإعراب" للزمخشرى نقرأ أنه "قد تحذف الياء والواو من كل "فعيلة" و"فعولة"، فيقال فيهما:.".. حَنَفِيّ وشَنَئِيّ"، إلا ما كان مضاعفا أو معتلّ العين، نحو شديدة وطويلة، فإنك تقول فيهما: "شديديّ وطويلىّ". وهو ما يفهم منه بكل وضوح أن حذف الياء من "فعيلة" غير حتمى. وأنا بوجه عام لا أستريح إلى أن اقول: "طَبَعِىّ، سَلَقِىّ، عَقَدِىّ" فى النسبة إلى "طبيعة، سليقة، عقيدة"، بل أوثر إجراءها على أصلها فأقول مثل رفاعة: "طبيعىّ، سليقىّ، غريزىّ، عقيدىّ..."، اللهم إلا الكلمات التى اشتهرت وذاعت ولم يعد الذوق يجد فيها غرابة فى الأذن، مثل: "حَنَفِىّ، بَجَلِىّ، رَبَعِىّ"، ومعظمها نسبة إلى الأعلام كما فى كلام ابن قتيبة. وفى "الكتاب" لسيبويه أن العرب كانت تقول: "حَنِيفىّ وعَمِيرىّ وسَلِيمىّ وسَلِيقى". وأما النسب إلى جمع التكسير فلدينا عن القدماء "أعرابىّ، أنصارىّ، صُحُفىّ، الفراهيدى، الحصرىّ، الدوانيقىّ، الكُتُبىّ، الجواليقىّ، القلانِسِىّ" على سبيل المثال. كما أن الكوفيين يجيزون النسب إلى جمع التكسير على حاله. وأنا على أية حال، لا أستحب أن أقول مثلا: "مؤتمرٌ طالبىّ، أو مطالب عامليّة، أو رجُلٌ صانعىّ، أو أخلاقٌ شارعيّة، أو رواية عَجيبيّة أو غريبيّة"، بل أقول: "مؤتمر طلاّبى، ومطالب عُمّالية، ورجلٌ صنائعىّ، وأخلاقٌ شوارعيّة، ورواية عجائبيّة أو غرائبيّة". وفى "هَمْع الهوامع للسيوطى: "وأجاز قوم أن يُنْسَب إلى الجمع على لفظه مطلقا وخُرِّج عليه قول الناس: فرائضيّ وكُتُبيّ وقلانِسِيّ". ومن يرجع إلى كتب الصرف الموسعة يجد أن القواعد التى تحكم النسب تقريبية لا نهائية، وأن للذوق مدخلا فى هذا.
وأخيرا أشير إلى ما لاحظته من تكرر عدة تراكيب لغوية عنده، وهى: "لم أفعل هذا فقط، بل وذلك أيضا" (بإيراد الواو بعد "بل"، وهو ما لا يوافق عليه المتنطسون فى اللغة، وإن كان لها فى رأيى توجيه مقبول على تقدير "لم أفعل هذا وحده، بل فعلت هذا وذلك أيضا"، ثم حُذِفَت عبارة "فعلت هذا". وممن يستخدمونه كثيرا من كتاب عصرنا د. محمد مندور، وهو مقبول وسائغ، وإن كنت لا أستخدمه إلا على قلة)، و"كان فَعَلَ كذا" (دون إيراد "قد" بين الفعلين. وهو موجود بكثرة عند زكى مبارك مثلا)، و"حيث إن الأمر كذا فينبغى أن تفعل كذا" (بمعنى "ما دام")، و"أليس أنّ..." (بإيراد "أنّ" بعد "ليس")، و"لا أدرى إن كان التلاقى مقدَّرا أم لا" (بدلا من "لا أدرى آلتلاقى مقدَّر أم لا"، وهو تركيبٌ مترجَمٌ فيما يبدو لى من اللغات الأوربية)، و"فالتربية، وإن كانت...، إلا أنها..." (بدلا من "فالتربية، وإن كانت...، فإنها...")، ومثلها: "ومع أن/ ولو أن الأمر على النحو الفلانى إلا أنه ..."، و"لا سيما وأن..." (بزيادة "واو" بعد "لا سيما")، و"الغير العربية" (بزيادة "أل" فى "غير")، و"كما أن... فكذلك..."، و"الأربعة الأشهر"، و"الثلاث سنوات"، وتتالى أربعة متضايفات أو خمسة. كما أنه، فى الجمل المركبة على النحو التالى: "وأما... فــ..."، قد يسهو عن الملاءمة بين المبتدإ والخبر بحيث يبدو الخبر وكأنه منفصل عن مبتدئه، فنراه يقول مثلا: "وأما مقيمو الحدود فكانت الحدود على قسمين" (بدلا من "وأما مقيمو الحدود فكانوا يقسمونها قسمين"، ومثله: "وأما الـمُسْرِجون فكان بلال يسرج لرسول الله"، وأما حفر الخندق فقد ذكر ابن إسحاق... خبر اليهود الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، "وأما التجارة الخصوصية فى عهده صلى الله عليه وسلم التى كانت لكبار الصحابة كالبزّاز والعطّار والصَّيْرَفِىّ، فمن كان بَزّازًا أميرُ المؤمنين عثمانُ بن عفان..."... وهكذا.
الهوامش:
(1) من "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" ضمن "الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى"/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ 2/ 1973م/ 72.
(2) المرجع السابق/ 2/ 107- 111.
(3) السابق/ 2/ 119 وما بعدها.
(4) السابق/ 2/ 159 وما بعدها.
(5) السابق/ 2/ 129- 144.
(6) السابق/ 2/ 93- 1- 6.
(7) السابق/ 2/ 21- 23. وقد عاد إلى تفصيل ذلك فى أواخر الكتاب ابتداءً من ص 227.
(8) انظر مثلا حديثه عن شدة حسرته عند مقارنته بين ما عليه الفرنسيون من تقدم فى ميدان العلم والصناعة وما يعانى منه المسلمون من تخلف وجهل، وكذلك إشارته إلى ما يقوله "علماء الإفرنج" من أن العرب والمسلمين كانوا أساتذة الأوربيين فى العصور الوسطى، وذِكْره بعض مظاهر التقدم العلمى عند العرب فى أيام عزهم على عهد العباسيين (السابق/ 2/ 11، 16- 18).
(9) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 2/ 433- 435.
(10) سبق أن تكلم رفاعة فى "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" عن اتساع دائرة العلوم كما رآها فى باريس بحيث تشمل الإلهيات واللغة والأدب والفنون التشكيلية والموسيقى والمنطق وعلوم الطبيعة والرياضيات (السابق/ 2/ 227).
(11) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 2/ مقدمة كتاب "المرشد الأمين" من ص275 فصاعدا، والباب الثالث فى "التعلم والتعليم" من ص385 وما بعدها.
(12) المرجع السابق/ 2/ 299 وما يليها.
(13) السابق/ 2/ 307- 318.
(14) السابق/ 2/ 353 وما يليها.
(15) السابق/ 2/ 391- 395.
(16) السابق/ 2/ 447- 468.
(17) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 3/ 1974م/ 9- 10.
(18) المرجع السابق/ 3/ 34.
(19) يقصد خوفو.
(20) خفرع.
(21) نسميه الآن: "منقرع".
(22) المرجع السابق/ 3/ 64.
(23) السابق/ 3/ 74.
(24) السابق/ 3/ 79.
(25) السابق/ 3/ 191.
(26) نفس المرجع والصفحة.
(27) المرجع السابق/ 3/ 80.
(28) السابق/ 3/ 21- 27.
(29) السابق/ 3/ 63- 67.
(30) انظر المرجع السابق/ 3/ 183 وما بعدها، و273 وما بعدها، و473 وما بعدها مثلا.
(31) السابق/ 3/ 11 وما بعدها.
(32) من ذلك على سبيل المثال أنه، عند حديثه عن الإسكندرية ومن أين أخذت اسمها، قد استطرد فذكر ما قاله علماء المسلمين عن شخصية ذى القرنين وأنه ليس الإسكندر المقدونى، ثم قَفَّى بإيراد رأى الإفرنج وأنه هو الإسكندر بن فيلبس (الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 2/ 42).
(33) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 4/1977م/ 51، 139ـ 168، 393، 432...إلخ.
(34) قضى رفاعة فى السودان نحو خمس سنوات بدءا من عام 1850م.
(35) رفاعة رافع الطهطاوى/ مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك/ دار الكتب والوثائق القومية/ القاهرة/ 1423هـ- 2002م/ 29، وانظر أيضا د. إبراهيم عوض/ نقد القصة فى مصر: 1888م- 1980م/ مكتبة زهراء الشرق/ 15. وجدير بالذكر أن د. عبد المحسن طه بدر يذكر "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" بوصفه عملا روائيا، وإن أضاف أنه لم يستكمل عناصر الرواية (انظر كتابه: "تطور الرواية العربية فى مصر: 1870- 1938م/ دار المعارف/ 1963م/ 52 وما بعدها، و61/ هـ1)، وهو رأى خاطئ، فــ"تخليص الإبريز" هو كتاب من كتب الرحلات لا رواية من الروايات، وهذا واضح لكل من له عينان، لكن د. بدر فى ذلك الكتاب لا يراعى الحدود بين الرواية والرحلة، ولا بينها وبين الترجمة الذاتية، ومن ثم أدرج أيضا "الأيام" لطه حسين ضمن الأعمال الروائية التى درسها فى كتابه هذا، وإن تظاهر بالاحتياط كما تظاهر به وهو يتكلم عن رحلة رفاعة إلى باريس فقال إنه لا يشتمل على كل العناصر الروائية (المرجع السابق/ 297 وما يليها). والحق أن هذا تميُّع فى الرؤية والتصنيف، فكتاب "الأيام" هو كتاب فى السيرة الذاتية لا رواية كما يعرف القاصى والدانى. أما إضافته هو و"تخليص الإبريز" إلى كتاب يؤرخ لفن الرواية فلا معنى له، وإلا فلماذا لم يضف الباحث إلى بحثه كل كتب الرحلات وكل كتب التراجم، ولا يخلو أى منها من حكاية بعض الوقائع وإيراد بعض الحوارات؟
(36) مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك/ 185.
(37) انظر كتابه: "رفاعة رافع الطهطاوى"/ ط2/ لجنة البيان العربى/ 1959م/ 207.
(38) انظر كتابه: "تطور الرواية العربية فى مصر: 1870- 1938م"/ 117- 119. وممن يتابعه فى هذا الزعم د. أحمد إبراهيم الهوارى (انظر كتابه: "نقد الرواية فى الأدب العربى الحديث"/ دار المعارف/ 1978م/ 39)، وهو ما رددت عليه فى كتابى: "نقد القصة فى مصر: 1888- 1980"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418هـ- 1998م/ فى الفصل المسمَّى: "موقف الأدباء والنقاد من فن القصة" من الباب الأول بدءًا من ص 21 فصاعدا.
(39) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 2/ 80- 81.
(40) المرجع السابق/ 2/ 114.
(41) السابق/ 2/ 229- 231.
(42) السابق/ 2/ 237.
(43) السابق/ 2/ 231.
(44) انظر د. إبراهيم عوض/ نقد القصة فى مصر: 1888- 1980م/ 15.
(45) انظر د. حسام الخطيب/ آفاق الأدب المقارن عربيا وعالميا/ دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بدمشق/ 1992م/ 117.
(46) ط. المنار للطباعة والكمبيوتر/ القاهرة/ 1427هـ- 2006م/ 149- 160.
(47) د. البدراوى زهران/ رفاعة الطهطاوى ووقفة مع الدراسات اللغوية الحديثة، مع النص الكامل للتحفة المكتبية/ دار المعارف/ القاهرة/ 1983م/ 147.
(48) أما تأثيره فيمن جاء بعده من المؤلفين المصريين فى ميدان النحو والصرف فقد أشار إليه د. البدراوى زهران فى كتابه: "رفاعة الطهطاوى ووقفة مع الدراسات اللغوية الحديثة، مع النص الكامل للتحفة المكتبية"/ 385 فصاعدا.
(49) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 2/ 87. ومن المرجح أن يكون رفاعة قد تأثر فى تسمية كتابه بعنوان كتاب دى ساسى، فاسمه: "التحفة السَّنِيّة فى علم العربية"، واسم كتاب رفاعة: "التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية".
(50) المرجع السابق/ 2/ 160. ومع ذلك فقد قال فى موضع آخر من "تخليص الإبريز" إنه وزملاءه قد أنفقوا فى تعلم حروف الهجاء الفرنسية أربعين يوما (الأعمال الكاملة/ 2/ 189). ويمكن التوفيق بين الكلامين على أساس أن الفرنسية كانت فى بداية أمرها صعبة عليهم، إلا أنهم لما ألفوها وانفتحت أبوابها أمامهم أضحت سهلة.
(51) انظر د. البدراوى زهران/ رفاعة الطهطاوى ووقفة مع الدراسات اللغوية الحديثة، مع النص الكامل للتحفة المكتبية/ 97- 101.
(52) المرجع السابق/ 115- 116.
(53) السابق/ 95.
(54) السابق/ 123.
(55) السابق/ 227، 232، 235.
(56) السابق/ 235.
(57) وهم، كما ورد عند السيوطى فى "هَمْع الهوامع"، الكوفيون وجماعة من البصريين كالأخفش وأبى حاتم والفارسى والنحاس وابن مضاء. وقد ذكر د. شوقى ضيف، من هؤلاء، الأخفش الأوسط وحده. انظر كتابه: "المدارس النحوية"/ دار المعارف/ 1976م/ 104.
(58) د. أحمد أحمد بدوى/ رفاعة رافع الطهطاوى/ 253- 254.
(59) المرجع السابق/ 259- 253.
(60) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى/ 1/ 280.
(61) المرجع السابق/ 1/ 299.
(62) السابق/ 2/ 445.
(63) السابق/ 2/ 97.
(64) السابق/ 2/ 105.
(65) السابق/ 2/ 101.
(66) السابق/ 2/ 292.
(67) السابق/ 2/ 389.
(68) السابق/ 2/ 451.
(69) نفس المرجع والصفحة.
(70) السابق/ 2/ 471.
(71) السابق/ 2/ 759.
(72) السابق/ 2/ 761.
(73) السابق/ 4/ 38.
(74) من كتاب "تخليص الإبريز" (فى "الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى"/ 2/ 184).