"أوجاعى الطيبات"

لكاميليا بهاء الدين

د. إبراهيم عوض

كنت أبتسم طوال الوقت وأنا أقرأ هذه النصوص العجيبة، بل كنت أحيانا أضحك رغم أنها حزينة ومحبَطة ومتشائمة. وهنا المفارقة: أن تقرأ نصا حزينا فتبتسم وتضحك. ذلك أن أفكار الكاتبة المباغتة وصورها المدهشة وتراكيبها الخارجة على ما هو مألوف أو متوقَّع تجعلك تبتسم من تلك الكاتبة التى تستطيع، وهى فى قاع حزنها، أن تفكر فى إبداع مثل تلك الصور والتراكيب العجيبة. إن الحزن يُنْسِى ويَشْغَل ويطيّر العقل، إلا أن مبدعتنا قادرة على الاحتفاظ بـ"رباطة جأشها الإبداعى" إن صح القول. وثم شىء آخر فى هذه النصوص، ألا وهى أن الكاتبة تباغتك بفكرة لا تتوقعها. فهى إذن لا تفاجئك بالصور والتراكيب المدهشة وحدها، بل أيضا بالأفكار المعاكسة لما تنتظره منها.

إليك مثلا كلمات المقدمة، التى تقول المؤلفة فيها على سبيل التهديد: "دون سابق إنذار أنذرك للمرة الألف بعد المئة ألف أني أنا أيضا اشتريت حذاء غيـاب. تَبًّا لي. كم أنا حمقــــاء! ارتديته معكوسًا، فذهبت إليك. وكان إنذارٌ كاذبٌ". ترى هل يمكن أن تخطر هذه الفكرة لأحد؟ هل يمكن أن يتخيل إنسان ارتداء حذائه معكوسا؟ كيف؟ ولو افترضنا المستحيل ولبس الإنسان حذاءه معكوسا فعلا، فهل يمضى به الحذاء عكس الاتجاه الذى كان ينوى هو السير فيه؟ مرة أخرى كيف؟ إن الإنسان هو الذى يمشى ويتجه لا الحذاء. بيد أن الكاتبة تباغتنا بما لا يخطر لنا ولا لأحد غيرنا على بال. وهذا ما تتميز به كتاباتها ضمن مميزات أخرى.

ثم هناك حذاء الغياب. أنا أعرف، وأحسبكم أنتم أيضا تعرفون "شبشب الهنا". وأنا أيضا، وأنتم قبلى، نعرف حذاء منتظر الزايدى، أشهر حذاء فى التاريخ. وأنا وأنتم نعرف "خُفَّىْ حُنَيْن". أما "حذاء الغياب" فلم أسمع به إلا من مبدعتنا. إلا أن للمسألة وجها آخر، فالواحد منا لا يلبس الحذاء إلا إذا كان سيحضر مناسبة ما. أليس كذلك؟ أما إذا غاب فإنه لا يحتاج إلى أن يلبس حذاء ولا أى شىء مما يلبسه فى الخروج. وهذا مما يزيدنا استغرابا لهذه اللفات الذهنية والتصويرية والتركيبية عند الكاتبة، تلك اللفتات التى افترعت "حذاء الغياب" هذا. ولعل الكاتبة كانت فى لاوعيها ترغب فى الذهاب إليه، فلذلك سمته: "حذاء"، إذ من يبقى فى بيته لا يفكر فى حذاء، لأن الأحذية للخروج لا للبيوت!

وإليك كذلك، يا قارئى العزيز، هذه الأسطر من نص "نبض يتيم"، ومطلوب منك أن تلتفت إلى ما فيها من صور وتراكيب وأفكار عجيبة لم نكن نتوقعها: "قالوا لي: إن خبز السعادة متوفِّرٌ الآن فى متجر الحياة على أرفف القدر. مددت يدي لأتناول كسرةً، فعض الرغيف إصبعي! مات الجوع بداخلي وأنا ألوك بعثرتي وأزدردها حتى لا يراني أحد. لِمَ دومًا لا بد أن ندفع ضريبة باهظة حتى ننال ما نريده قبل أن نتذوقه؟".

والآن تعال نحصى مدهشات النص: أولا عندك يا سيدى "خبز السعادة". الذى أعرفه، وأنا إنسان ريفى أن هناك الخبز المرقرق الذى كنت آكله وأنا ولد صغير قبل أن أنتقل إلى العيش فى المدينة، وكنت أضيق به وأفضل عليه، من سذاجتى وقلة فهمى، الرغيف البلدى الذى كان يباع فى محلات البقالة. غباء منى، عافاك الله! والآن أبحث عنه بملقاط وأشتريه من السوق بشىءٍ وشُوَيّات. وهناك هذا الخبز البلدى، الذى كان منه الطرى والملدَّن والناشف المقبب أيام الصبا والشباب الأول، وكان مبذولا فى كل مكان بنصف قرش للرغيف، ولم يعد منه الآن إلا المسكّع الذى لا يعرف طعم الخميرة، فإما أن تأكله فى التو واللحظة، وإلا فعوضك على ربنا. وهناك الخبز الفينو، الذى كنا نغمّس به فى الزمن البعيد، نحن أبناء الريف غير المتحضرين، الخبز البلدى، وكنا نشتريه من شارع الخان بطنطا من فرن إجريجى، ونشعر بالفخر ونحن نلوكه ونزدرده لروعة طعمه وفخامة ملمسه وجمال منظره وسحر رائحته على عكس الفينو الآن، الذى لا يصلح لشىء. ولتسامحنى الكاتبة على أنى سرقت منها الكلمتين الأخيرتين: "ازدرد وابتلع". وهناك خبز بِيتَا بْرِدْ (Beta bread)، الذى كنا نشتريه فى لندن ونستمتع به لأنه قريب من الخبز الأفرنجى هنا فى مصر. وكان أفضل من طعم الخبز البريطانى كثيرا، وكان معقول الثمن نسبيا.

كل ذلك مفهوم، أما "خبز السعادة" فلا أدرى من أين تحصل عليه كاتبتنا، إن كانت تحصل عليه فعلا. أقصد: لا أدرى أين تراه، إذ من الواضح أنها تراه فقط، أما أن تتذوقه فدون ذلك قيام حرب كونية. ألا تَرَوْن كيف عض الرغيف إصبعها حين مدت يدها؟ نعم لقد قالت إنها شرعت تلوك وتزدرد. لكن مهلا، فإنها لم تقل إنها شرعت تلوك الخبز وتزدرده، بل تلوك وتزدرد بعثرة نفسها. أما الرغيف فما إن مدت يدها لتأخذه من فوق رف القَدَر فى متجر الحياة حتى عض إصبعها فألقته بعيدا. بالله عليكم أليس لى كل الحق فى أن أضحك فى هذه الأيام النحسات التى قمنا فيها بثورة عبقرية، ثم انتهت إلى... إلى ماذا؟ إلى ما تعرفونه مما لا حاجة بى إلى أن أصفه لكم، فأنتم أدرى به منى؟

كل ذلك، ونحن لم نفارق بعدُ الصورة الأولى. ثم عندنا أيضا متجر الحياة، ورف القدر، ولَوْك الشخص بعثرته وازدرادها. كيف ذلك؟ أنا رجل غلبان وصريح وأعرف قدرات نفسى المحدودة ولا أحب أن أخفيها أو أظهرها على غير حقيقتها، ولهذا أقول إننى لا أدرى كيف يلوك الإنسان بعثرته. ذلك أنه، لكى يلوك ويزدرد، لا بد له أن يكون حيا. ولكن كيف يكون حيا، وهو قد تبعثر؟ وكيف يلوك ويزدرد نفسه؟ إن هذا أشبه بل أَوْغَل فى الاستحالة من أن يأكل الواحد منا التفاحة ويحتفظ بها فى ذات الوقت كاملة لم تُمَسّ. هل هذا ممكن؟ ولكن حتى لو استطاع الواحد منا أن يحتفظ رغم ذلك بالتفاحة لم تمس فهل تستطيع التفاحة أن تبقى دوما دون أن تعطب؟ وهكذا يرى القارئ أن الطريق مسدود أمامه فى أى اتجاه أراد أن يمضى! لكن أليست هذه هى الحياة، على الأقل: فى جانب من جوانبها؟

على كل حال تلك إحدى سمات الأسلوب لدن كاميليا بهاء الدين. وهى سمة تلفت نظرنا لفتا، بل تدهشنا دهشا، وتدفعنا إلى التحسر على أننا لا نستطيع مثل ذلك الأسلوب، فهذا الأسلوب له ناس مخصوصون! صحيح أن كثيرا من الكتاب الشبان هذه الأيام يحرصون على الصور الغريبة، إلا أن صورهم تبدو، لى أنا على أقل تقدير، متكلَّفة ومعتسَفة، أما هذه الصور فتبدو طبيعية. أعنى أنها تصدر عن صاحبتها صدورا طبيعيا لا أثر فيه للكلفة ولا للإجهاد أو الرغبة فى الإبهار. كما أن الأصالة فيها أظهر وأقوى. أو هكذا أحسها، وأرجو ألا أكون مخطئا.

كذلك تبدو الكاتبة أيضا جادة طوال الوقت، بل ومبوِّزة (ولتسامحونى أيضا على هذا الاستعمال، فلم أستطع أن أهتدى إلى  الكلمة الفصيحة التى تدل على هذا المعنى والتى أنا متيقن من وجودها، لكنى لا أذكر أنها مرت بى من قبل، ولا أستطيع الوصول إليها فى المعاجم رغم ما بذلته من جهد وحيلة ضاعا سدى)، ومع جديتها وتبويزها أرانى أضحك، لا استهانة بمشاعرها، بل إعجابا بإبداعها. وكيف أستهين بمشاعرها، وأنا متألم لها ومتعاطف معها، وبودى لو استطعت أن أمد يدى فأزيل غلالة الأحزان عنها؟ بل إنى لأهم بأن أنهض من أمام الكاتوب وأبحث عن الشخص الذى سبب لها كل هذا الضيق وألكمه فى وجهه لكمة تعيد إليه صوابه. وأنا رغم ذلك لست من البارعين فى المعارك. إلا أننى أعتمد على كبر سنى وأنه سوف يستحى أن يرد على اللكمة بمثلها.

لكنى، للأسف، أَعْجَزُ من أن أزيل غلالة أحزانى أنا، فما بالكم بغلالة الأحزان الخاصة بأحد الآخرين، أو بالأحرى: بإحدى الأخريات؟ ذلك أن الحياة لا يمكن أن تصفو لأحد تمام الصفو، وإن كان من فضل الله على عباده أن هناك رغم ذلك أسبابا كثيرة للسعادة متاحة لكل منا بسهولة. كل ما علينا أن نتنبه لها، ولسوف ندرك أوانذاك أنها حولنا وتغمرنا من كل وجه: فأنا مثلا حين آكل شيئا لذيذا حتى لو كان بقسماطة ناشفة أحمد الله وأعدّ هذا لونا من ألوان السعادة. وحين أتوجه إلى الله بالدعاء أحيانا أخاطبه كأنى أخاطب صديقا وأفتح له قلبى منتشيا انتشاء ليس له مثيل، وساعتئذ أشعر كأنى أطير فى الفضاء العالى. وحين أقرأ كتابا ممتعا أشعر أن الله قد أولانى ضربا من ضروب السعادة. وحين رزقنى الله بعض الأحفاد أحسست أن الدنيا قد حِيزَتْ لى، فأحملهم على ركبتى وأداعبهم وأناغيهم وأكلمهم رغم معرفتى أنهم لا يستطيعون فهما ولا ردا، بل إننى لأطلق عليهم ألقابا دعابية وأناديهم بها: فهذا الفيلسوف، وذاك السنجاب، وذلك الحكيم، وهذه الأستاذة... وهكذا مما يزيدنى سعادة فوق سعادة. وفى قطر منذ سنوات قرأت كتاب الصديق د. حجر البِنْعَلِى وزير الصحة القطرى عن الشاعر بدر شاكر السياب ومرضه الغريب الذى أصاب ركبتيه ومنعه تماما من القدرة على المشى، فكنت كلما مشيت فى الشارع أنظر إلى قدمىَّ وأحمد الله لقدرتى على السير دون مشاكل، شاعرا بالسعادة أن أعفتنى الأقدار من هذا البلاء، ومترحما على الشاعر العراقى المسكين.

وهأنذا أحمد الله على دقائق السعادة التى منحها سبحانه إياى وأنا أكتب هذه السطور متمثلة فى أغنية أصالة: "لو تعرفوا"، التى لم أسمعها منذ سنين، والتى أنعشت كيانى كله بما فيها من أداء طبيعى قبل أن تلجأ بعد ذلك المطربة السورية إلى ترعيش صوتها عامدة متعمدة وتبالغ فى هذا الترعيش، محولةً بهذه الطريقة ما يتميز به صوتها الجميل من رعشة طبيعية إلى تصنع وافتعال مفسد. وكنت عصر اليوم أجلس مع زوجتى فى غرفتى، فتذاكرنا بعض ما من الله به علينا وعلى أولادنا، ومنهم سلوى، التى نجحت هذا العام، وسوف تدخل كلية الهندسة، التى تحبها رغم أنى كنت أوثر لها كلية الفنون الجميلة لأنها فنانة موهوبة. وكنا نحن الاثنين نشعر بالسعادة ونحن نتذاكر تلك المنن الإلهية. وعندما أسافر إلى قريتى أحرص على التجول بين الحقول والجداول وفى ظلال الأشجار مستعيدا ذكريات طفولتى ومسبحا الله، وأنا أتملى جمالات الطبيعة، بكل خلية فى جسدى وكل خلجة فى روحى، ومتمنيا أن أُبْعَث يوم القيامة فى مثل ذلك النعيم الأخضر الزاهى. وهناك مجالات كثيرة للسعادة كالعطف على المسحوقين، الذين وقعوا من قعر قُفَّة الحياة فلم يُسَمِّ عليهم أحد، ومنها عملية الكتابة والتأليف، فهى من أغنى تجارب الحياة بالرضا والنشوة، ومنها أن يكسب الإنسان رزقا جديدا لم يكن فى حسبانه يتوّج به جهده وتعبه...

وبالتأكيد فإن لكاتبتنا أيضا أسبابها التى تستطيع بنفس السلاسة أن تستنبط منها ألوان السعادة المختلفة، فهى ليست قليلة الحيلة. وكيف تكون قليلة الحيلة، وهى تكتب هذا الكلام الفاتن العجيب، الذى يذكّرنى وسط الأساليب العربية بطريقة القص عند هانز كريتسيان أندرسون بين طرق كتاب القصة الطفولية؟ ولا تسألنى، أيها القارئ الكريم، كيف تشبه أندرسون، فأنا قد خبطتها هكذا. وسؤالك هذا سوف يحرجنى، ونحن على أبواب الشهر الفضيل. فإذا أردت أن أدعو لك دعوة فى هذا الشهر أرجو أن تكون مستجابة فتجاوز عن هذه النقطة سريعا ولا تحبّكها وتقف عندها فتحرجنى، الله لا يسوؤك!  

كل هذا جميل، لكن هناك للأسف بعض الهنات اللغوية، مثل قولها: "حين هبطتْ الطائرة إلى سماء أقرب رأيت أرض فرانكفورت بوضوح، وعندما فُتح باب الطائرة ملأتُ صدري بالهواء المشبَّع بالحميمية كون عددًا ليس بالقليل من أهلي يعيش هنا!". فأنا حتى الآن لا أستطيع أن أستسيغ التعبير بـ"كَوْن" للدلالة على التعليل، إذ ماذا فى "كون" مما يجعلها تعبر عن العِلّيّة؟ لا شىء. والمفروض أن يقول الواحد منا فى هذه الحالة: "لكون" أو "لأن". ثم هناك الكلمة التى بعد ذلك مباشرة، وهى "عددا"، والتى ليس هناك أى سبب لمجيئها منصوبة، إذ هى مضافة إلى "كون"، وحقها إذن أن تُجَرّ لا أن تنصب. ومن ذلك أيضا قولها: "تطير أدخنة فنجان القهوة مع أنفاسي يدًا بيد، ويرتاحا على صفحة وجهي". فلماذا حذفت نون الفعل "يرتاحا"، وهو من الأفعال الخمسة التى لا تحذف نونها إلا فى النصب أو الجزم، وليس عندنا هنا بحمد الله نصب ولا جزم، إذ الفعل معطوف على "تطير"، وهو فعل مرفوع، والمعطوف على المرفوع مرفوع كما هو معروف. أى أنه ينبغى أن يكون "وتكتبان"، بدلا من "ويكتبا"، بإعادة النون إلى موضعها وتحويل الفعل من صيغة التذكير إلى صيغة التأنيث لأن الكلام عن "أدخنة" و"أنفاس". صحيح أنهما جمعان، إلا أن جمع غير العاقل يعامل معاملة المفرد المؤنث، فكأننا أمام مفردين مؤنثين.

ثم هناك علامات الترقيم، وقد لاحظت أنها تضع دائما نقطة قبل علامة الاستفهام وعلامة التعجب. ويا حبذا لو حذفت هذه النقطة واكتفت بالعلامة الاستفهامية والتعجبية وحدهما. ثم هى تكثر من استعمال النقطتين المتجاورتين، وأنا أجد ذلك غريبا رغم انتشاره فى الكتابات العربية، وبخاصة الصحفية. وبالمناسبة فقد أَعَدْتُ كتابة كل استشهاد استشهدتُ به من نصوصها بطريقتى التى أتبعها فى الترقيم.

كما أحب لها، بعد هذه النصوص المتميزة، أن تنطلق إلى آفاق أرحب فتدخل عالم الإبداع القصصى، بادئة بالقصة القصيرة، التى يمكن أن تنتقل منها بعد هذا إلى كتابة الرواية. وبالمناسبة فأنا لست من أنصارالقول بأن القصة القصيرة أصعب من الرواية. المهم أننى متيقن أنها قادرة على ذلك بدلا من البقاء داخل هذه النصوص التى، رغم جمالها، تعانى من ضيق المضطرَب ومن افتقاد العمق الفنى الكبير. نعم فى النصوص تجربة نفسية عميقة وتحليل آسر ووصف رائع ولغة عجيبة، لكنى أقصد العمق الفنى الذى يتمثل فى عمل قصصى لا يكتفى بمخاطبة "الحبيب المجهول" (المجهول لنا نحن القراء لا للكاتبة) فيما يشبه المقال والخطاب، بل يحيله شخصا حيا على الورق تحكى لنا حكايته، وتصور جوانبه الخارجية والداخلية، وتقيم بينه وبين الأشخاص الآخرين صراعات وحوارات، وتصف الأمكنة والأزمنة التى يتحركون خلالها ويتداخل كل هذا ويرتبط بعضه ببعض ارتباطا عضويا كما يقولون كى يكون لنا فى النهاية عمل قصصى معقَّد، أو إن شئت أيها القارئ فَقُلْ: مركَّب. وهى على ذلك من القادرين.  

والآن أترك القراء مع هذه "الصحبة" البديعة من الصور والتراكيب والأفكار المدهشة: "أقفز من أعلى أسوار الوحدة، فأسقط واقفة على أطراف انطوائي. أُخْرِجُ من جيب خيبتي قِطَعَ أحلامي، أربطها بحبل الأمل وأخفيها ثم أتظاهر بأني وجدتها في جيب أحدهم!".

ومنها كذلك هذه الأسطر التى تحتوى على بعض التراكيب الفريدة مثل: "أنا عندما أختبئ ورائي لا أخفيني"، ومثل "أخاف ألا أتنازل عن "وحدي" وأتشبث بها لطول عشرتنا سويا! ترى من ينزع مني هذه الـ"وحدي"؟". وها هى ذى الأسطر المقصودة: "ماذا لو كان لهذا الكون باب، أو ستار، جدار؟ أريد بشدة أن أختبئ خلف شيء، أي شيء، إلا "أنا". فـ"أنا عندما أختبئ ورائي لا أخفيني، بل أَشِي بنفسي قائلة: ها أنا ذي! هذه الأيام أشعر بالخوف. أرى خلفي طريقًا طويلاً، مُرْهِقًا جدا، وأمامي طريقًا أطول. لن أكون وحدي. أخاف لأنني تعودت أن أكون وحدي. أخاف ألا أتنازل عن "وحدي" وأتشبث بها لطول عشرتنا سويا! ترى من ينزع مني هذه الـ"وحدي"؟".

ثم هذه السطور أيضا: "يا صديقي، إذا تعذر أن تجد لقلبك مُتَّسَعًا في قارورة، فافعل كما فعلتُ أنا. فقد أهديتُ قلبي للتاريخ. جعلته مُتْحَفًا يستقبل الزوار فقط، ولا أحد يقيم! أوصدتُ باب أحلامي الذي كنت أتركه موارَبًا قبل أن أغادر، حتى لا يدخل أحد من دون أن يستأذنني. يتأملني بانبهار مخفي، ثم يرحل كما رحيل الشمس بين أكتاف النهار!".

وكذلك هذه: "بعض الأشخاص يدخلون قلوبنا في غفلة منَّا، ويغلقونها عليهم! تسقط الحيلة من أيدينا لإخراجهم رغم أنهم يقوضون النبض، ينثرون الفوضى بالقلب، ويدهنون جدرانه بالوجع! المفتاح بالداخل معهم. ماذا عسانا أن نفعل؟!".

وهذه: "ما زالتْ صديقتي تتذكر أنَّ الحب الأول كالوشم في حياة بعضهم، لا يزول حتى لو حاولنا إزالته بماء النار، فأثره باقٍ".

ثم فى مفتتح نص "امرأة مأهولة" نقرأ الآتى:

"يوميات امرأة مأهولة!

التاريخ: اللهم اجعله خيرا

الساعة: الواحدة غُرْبَة".

وفى منتصف النص نقرأ:

التاريخ: الثاني مِنْ "لا يهم"

الساعة: بعد منتصف الذهول".

وبعدها بقليل:

        "التاريخ: الثالث من حَنِين

الساعة: السابعة فَقْدًا"... وهكذا دواليك إلى نهاية النص.

ثم نختم بهذه السطور: "تعال، اقترب. ضع كفَّك على عمري، تحسس لحظاتي. كل يوم يمر بدونك يأكل من خريطتي مساحة بمسافة بعدك. لا أضحك، لا أغني، ولا أُشْفَى منك، ولا أهتم بأحد. فقط أتذوق بطن كفي على مهل وأفكر بك. ربما أعاني خيبة ما، صدمة ما، أو أعانيني. ربما!".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 231 مشاهدة
نشرت فى 11 مارس 2015 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,154