أدونيس والإسهال اللفظى (4)

د. إبراهيم عوض

ومرة أخرى كعادة أدونيس فى الاندفاع الأهوج نحو إصدار الأحكام نراه يؤكد أن شعور الجاهلى بالقوة الخارقة للدهر التى لا يمكن مقاومتها، إذ تأخذ كل شىء وتغير كل شىء<!--، قد أدى إلى انغراس الكآبة فى الروح العربية والشعر العربى حتى لقد صارت الكآبة فطرة فيها وطبيعة، إذ ثمة حسرة فى الشعر الجاهلى تبطِّن حتى الفرح<!--. وكعادة أدونيس أيضا لا يحاول أن يسوق ولو دليلا واحدا من ذلك الشعر الذى يدعى عليه الدعاوى. لقد بذل الرجل ما فى وسعه فأورد بضع جمل وأنصاف جمل فى بداية الفصل حسمت الأمر بالضربة القاضية، وانتهى الأمر. وكل ما علينا بعد ذلك أن نتجرع ما يقوله دون أية محاولة للتحقق أو المراجعة، إذ يكفى أن يقوله أدونيس حتى نصدقه من فورنا مهما تكن مناطحته لواقع الحياة. ترى أين الكآبة فى الشعر العربى؟ لاحظ أنه يتحدث عن الروح العربية والشعر العربى كله لا الشعر الجاهلى وحده. أما محاولة إقناعنا أن العربى حتى فى أشد لحظات الفرح يظل كئيبا فلا أدرى كيف تدخل العقل. نعم، كيف يكون الإنسان فرحا، وفى ذات الوقت مكتئبا؟ وحتى لو قصرنا هذا الحكم المضحك على الشعر الجاهلى وحده، فأين الدليل يا ترى؟ أمن الممكن أن يكون الاكتئاب هو سمة عصر بكامله؟ فكيف يا ترى؟ هل كان الجاهليون كلهم، ودعنا من بقية عصور التاريخ العربى، يمضون حياتهم جمعاء فى الحزن والصمت واليأس قد وضعوا أيديهم على خدودهم وغرقوا فى آبار أنفسهم منسحبين من الحياة كما هو حال المكتئبين؟ أَوَكانوا، حتى حين يقامرون ويمارسون الجنس ويشربون الخمر ويتعاركون وينتقمون ويتفاخرون ويمدون يد العون للمستضعفين والمكسورين وينظمون الشعر ويخطبون ويرعَوْن ماشيتهم ويسافرون ويتاجرون، حزانى مكتئبين لا يضحكون ولا تَفْتَرّ شفاههم عن أسنانهم ولو ببصيص ابتسامة؟ لقد رأينا أدونيس قبل قليل يؤكد أن الشاعر الجاهلى كان يشهد الأشياء المحيطة به بروح التعاطف، ويغنى للفرح والمأساة، وللغبطة والكآبة، وللحب والكراهية، وللتمرد والرضا، وللرجاء واليأس. فكيف يتسق هذا مع ما قاله عن الاكتئاب المزمن عند ذلك الشاعر؟ والغريب أن أدونيس بعد ذلك كله يزعم أن حس الفروسية الجاهلية هو حس الكفاح ضد الدهر<!--. أى كفاح يا ترى بعدما جَعَلْتَ الكآبة والخنوع لحوادث الدهر سمتين من سمات الشخصية العربية آنذاك؟

ثم بعد بضع شقلباظات أدونيسية أخرى ينتهى إلى القول بأن حس الجاهلى بالدهر يتضمن حس التقطع، فقد كان الشاعر قبل الإسلام إنسانا متقطع الحياة والحساسية، فاللحظات التى يعيها متفتتة مبعثرة تجهل سآمة اللذة الطويلة، ولا تعرف غير شرارها المفاجئ والسريع التلاشى فى آن. كما أنه كان يجهل النظام جهلا تاما سواء كان هذا النظام عقليا أو اجتماعيا. هذا ما قاله أدونيس، ولا أريد أن أدخل فى مناقشة كلامه هذا، وإلا ما انتهيت. لكنى أريد أن أناقش ما سوف يقوله عقب ذلك، وهو أن هذا الوضع الوجودى قد انعكس فى شكل الشعر آنذاك، إذ كيف "يتأتى لشاعرٍ هذه حياته أن ينصرف إلى بناء القصيدة والمؤالفة بين أجزائها؟ هكذا كانت القصيدة الجاهلية دون تأليف: لا تلاحم فى أجزائها، وليس لها إطار بنائى. إنها قصيدة متحركة تتبع منحى انفعاليا، وتمضى حيث يحملها شعور دائم التغير. إن تفكيكها الخارجى طبيعى إذن. هو رداء الشعور المتحرك الداخلى. إنها قصيدة ترسم أيام القلب. إنها صورة بالكلمات عن المكان- المتاه، المكان- الصحراء. أعنى أنها أشكال واحدة رتيبة، لكن الرتابة هنا طريفة، وتمكن تسميتها: رتابة التنوع"..."<!--.

ولقد سبق أن قلنا إن الصحراء لم تكن ثابتة على النحو الذى يتوهمه، بل كانت تخضع للتغير، وإن الجاهليين على كل حال لم يكونوا يسكنون المناطق الرملية القاحلة، وإلا لماتوا هم وأنعامهم، إذ من أين لهم أو لحيواناتهم بالطعام والشراب فى مثل هذه الرمال التى تخلو من الكلإ والماء؟ لقد كانوا ينزلون حيث يتوفر الماء والكلأ لا وسط الرمال الجافة. ثم هل كان العربى فى الجاهلية يجهل النظام جهلا تاما؟ ألم يكن يخضع للنظام القبلى بعاداته وتقاليده وأعرافه ودينه وكاهنه وشيخ قبيلته؟ ألم يكن مصيره الخلع من القبيلة إذا خرج على هذا النظام؟ لقد كان عرب الجاهلية يعرفون النظام فى حياتهم، لكنه نظام مختلف عن النظام الذى نعرفه نحن. إلا أن هذا الاختلاف لا يسوغ لنا الزعم بأن حياتهم كانت تفتقر إلى النظام. ولنفترض أنهم لم يكونوا يعرفون النظام فعلا، ألم يعرفه العرب بعدما جاء الإسلام وأسسوا دولة لها حكومة وشريعة؟ فكيف يفسر أدونيس استمرار الشعراء العرب حتى أوائل العصر الحديث فى تعديد موضوعات قصائدهم فى بعض الأحيان؟ بل كيف يفسر لنا أدونيس تفكك شعره هو نفسه لا بتعدد موضوعاته، بل بانفصال كل كلمة فيه عن جارتها بحيث يستحيل فى كثير من الأحيان الخروج بشىء من قصائده رغم أنه لا يعيش فى العصر الجاهلى، بل يعيش فى عصرنا وفى فرنسا؟ وكيف يا ترى يفسر أدونيس تفكك أفكاره على النحو الذى استبان لنا فى كتابه هذا فلا تؤدى فكرة فيه إلى ما يليها، إذ كثير منها لا يزيد عن أن يكون مجرد شقلباظات فى دنيا الفكر، أوبالأحرى: فى دنيا اللافكر؟ ثم هل كانت القصائد فى الجاهلية كلها متعددة الأغراض؟ صحيح أن بعض القصائد كانت تشتمل على عدة موضوعات، لكنْ صحيح أيضا أن بعض القصائد الأخرى لم تكن تعرف هذا التعدد. وقد استمر الأمر على هذا الوضع طوال تاريخ الشعر العربى حتى بدايات العصر الحديث.

أما قوله بعد ذلك بقليل إن "القصيدة الجاهلية خيمة. هى كذلك مليئة بأصوات النهار وأشباح الليل، بالسكون والحركة، بالحسرة وانتظار الوعد. هى شىء يحيط به الفضاء من كل جانب، ملىء بالتجاويف، يتخلل ويترنح، ويجلس فى الحرارة الشاغرة. إنها فضاء الشاعر إلى جانب الفضاء الآخر المحيط"<!--، أما قوله هذا فقد أوردتُه فقط لتسلية القراء والترفيه عنهم، فهو كلام لا معنى له، ومن هنا كان مضحكا مسليا. إنه هلوسات كهلوسات المحموم حين يذهب فى غيبوبة لا يدرى فيها ما يقول. ثم يضيف أن "الشعر الجاهلى صورة الحياة الجاهلية: حِسِّىٌّ غَنِىٌّ بالتشابيه والصور المادية"<!--. فهل هناك شعر بدون تشابيه وصور مادية؟ ثم ما المقصود بالحسية هنا؟ أتراه يقصد أن الجاهليين لم تكن لهم اهتمامات عاطفية وفكرية وأخلاقية؟ لكن هل هناك بشر ليس لهم عواطف ولا أفكار ولا أخلاق؟ ألم يكن الجاهليون يحبون ويسعدون لهذا الحب إذا أقبلت عليهم حبائبهم، ويتألمون إذا هجرنهم وغدرن بهم؟ ألم تقل أنت نفسك يا أدونيس إنهم كانوا ذوى موقف وجودى من الحياة؟ ألم تكن لهم قيمهم الأخلاقية التى يحرصون أشد الحرص على احترامها والانصياع لها؟ فكيف يقال عنهم إنهم كانوا حسيين تامى الحسية؟ كذلك نرى أدونيس يؤكد أن القصيدة الجاهلية لم تكن تحاول خلق الواقع بل تكتفى بالتحدث عنه دون أن يفكر صاحبها فى تغيير حياته<!--. ترى كيف نسى بهذه السرعة ما قاله قبلا من أن الشاعر الجاهلى كان يسعى إلى إخضاع هذا العالم؟

ويختم أدونيس فصله هذا عن الشعر الجاهلى بقوله إن الحياة، بالنسبة للشاعر الجاهلى، "فرح مقبول سلفا، وإيمان يوجه الحياة والحساسية. الوضع أولا، ثم يأتى الشعر فيثبته ويغنيه ويمجده ويهلل له. الشعر الجاهلى سهم مرشوق لا ينظر إلا أمامه: لا  يحيد ولا يلتفت إلى الوراء"<!--. فأما أن الشعر الجاهلى سهم مرشوق... إلخ، وإن كنت لا أدرى أين بالضبط تم رشقه، فأرجو من القراء أن يُعَدّوا عنه لأنه كلام لا معنى له مما يبرع فيه أدونيس وأمثاله من أصحاب الكلام المجعلص الذى لا يشير إلى شىء. وأما أن الحياة بالنسبة للشاعر الجاهلى فرح مقبول سلفا وإيمان يوجه الحياة والحساسية فمن الواضح أنه لا يمكن أن يستقيم مع القول بأن الشاعر الجاهلى كان فى حالة اكتئاب. وهذا تناقض آخر من تناقضات أدونيس، الذى يكتب من وحى اللحظة ولا يفكر فيما سبق ولا فيما هو آت من كلامه. إنه يكتب كتابة مفتتة لا يتصل بها ببعض، كتابةً ذَرِّيّة، أى مكونة من ذرات متناثرة غير متماسكة، كل ذرة منها تمضى فى اتجاهها الخاص لا تربطها بالذرات الأخرى أية وشيجة. والمصيبة أن الرجل يتكلم جادا، والمصيبة الأشد أن هناك حواريين له يَرَوْن فى هذا الكلام الفارغ فكرا تقدميا حداثيا ينبغى الأخذ به لتغيير وجه العالم إلى الأفضل. أَىّ "أفضل"، والحكاية من أولها لا تطمئن ولا تنبئ بخير؟

[email protected]


<!--[endif]-->

<!-- لاحظ أنه قبل قليل قد أكد أن الصحراء لا تعرف التغيير، إذ يبقى كل شىء على حاله، والآن ها هو ذا يلعق كلامه السابق ويقول العكس مؤكدا أن الدهر يغير كل شىء.

<!-- ص28.

<!-- انظر ص29.

<!-- ص29- 30.

<!-- ص31- 32.

<!-- ص32.

<!-- ص33- 33.

<!-- ص33.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 81 مشاهدة
نشرت فى 28 فبراير 2015 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,307