Dr. Maher Elsawaf

الطريق إلي التقدم والتنمية يقوم علي العلم والمعرفة وحرية التعبير

 

مفهوم  دولة  القانون

أ.د. ماهر الصواف

أظهرت الدراسات الدولية ان الدول النامية عليها ان تتحول من حكومات تقليدية الي  حكومات تتبني عناصر الحوكمة الجيدة ،  فما زال حكام بعض هذه الدول تتمتع بسلطات مطلقة ويعتمدون علي مركزية صنع القرارات والإنفراد بصنع السياسيات العامة. ومن المعلوم ان أحد أهم عناصر الحوكمة هو  تفعيل تطبيق دولة القانون.

وقد تبلور مفهوم دولة القانون تدريجياً في أوروبا كتصور بديل عن الدولة الامبراطورية دولة الحكم المطلق والسلطات المطلقة الذي يحظى بها الملك والامبراطور . وأصبح هذا المفهوم شعار سياسي هدفه تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين وإيجاد علاقة متوازنة بين طرفي العلاقة. فمن المعلوم  أن الحاكم كأحد طرفي العلاقة عادة ما يميل الي امتلاك سلطات مطلقة إعتمادا علي أنه يسعي لتغليب ضرورات الأمن القومي والإستقرار وحماية المصلحة العامة حتي لو أدي ذلك إلي التعدي علي حقوق بعض الأفراد. في حين يأمل المحكومين باعتبارهم الطرف الآخر لهذه العلاقة التمتع بالحرية الكاملة في سعية لتحقيق أهدافه باسلوب مشروع او غير مشروع  . ومن هنا تظهر أهمية  دولة القانون في تحديد ضوابط  ممارسة سلطة الحاكم بما يضمن الحد من إساءة  استخدام السلطة ووضع حدود لممارستها من جانب ، وتنظيم الحريات وحقوق الأفراد للحد من فرص التعدي علي حقوق الغير وحقوق المجتمع من جانب أخر .

 

ولا حاجة للقول انه في العصور الوسطي ساد الإعتقاد بأن الحكام مخولين من قبل الله ولا يجوز معارضتهم وأن طاعتهم من طاعة الله. وقد ترتب علي  ذلك أن احتكر الحاكم ورجال الدين تحديد ماهي السلوكيات والتصرفات المخالفة للشرع وما هو محرم  أو مباح .وسرعان ما تحول حكم هؤلاء وفق أهوائهم الشخصية وتحول بذلك نظام الحكم المعتدل إلي نظم مستبدة  تقوم بتعذيب وإعتقال وإعدام كل من يرفض الطاعة لهم او يبدي إعتراض علي قراراتهم .

ومع بداية عصر النهضة اخذ مفهوم دولة القانون ينتشر تدريجيا أواخر القرون الوسطى. " فالعهد الأعظم la Grande Charte " الذي عرفته بريطانيا عام 1215, حدد مجموعة قواعد ومجموعة حقوق تهدف لحماية الفرد من التعسف . ومع ثورة 1689 اعتبرت وثيقة الحقوق " Bill of Rights " بمادتها الأولى إن إلغاء القوانين, أو تنفيذ قوانين , من قبل السلطة الملكية دون موافقة ممثلي الشعب يعتبر عمل غير مشروع.  ، وجاء إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ليحث الحكومات بإصدار قواعد قانونية دستورية تتضمن  حقوق الإنسان وحرياته وضمانات ممارستها إلى جانب ضرورة الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات رافضا بذلك السلطة المطلقة للحكام . كما نص الاعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948  على أنه  من الضروري أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية سيادة القانون.

ويجب الإشارة أن مصطلح دولة القانون هي كلمة من اصول ألمانية  (Rechtsstaat) ويستند على الأفكار التي اكتشفها ايمانويل كانت، حيث أوضح ان القانون هو إطار عقلاني يضمن ان تعيش الناس  في ظل الضمانات المشرعة لحقوق الملكية الخاصة وحرية الفكر،  وان ذلك يستلزم وجود قواعد قانونية تستمد سيادتها من اعتبارات تحقيق العدالة والإنصاف في حياة الناس. وقد تبنت الحكومات بالدول الغربية مبدأ سيادة القانون وأنه لا يجوز تقيد الحريات من السلطة الحاكمة إلا  بالقدر الذي  يقتضيه الصالح والأمن العام،

ومع التطور اصبح من الأمور المستقرة أن القانون ضروري لحفظ كيان الجماعة البشرية واستقرارها وأمنها وطالما أن الجماعة ضرورة ولا حياة للإنسان إلا في الجماعة، فالقانون كذلك ضروري ولا غنى عنه و لولاه لعمت الفوضى.

وبالنسبة للمصطلح القانون فى مجال العلوم القانونية  يقصد به:  مجموعة القواعد القانونية الملزمة التي تحكم سلوك الأفراد في المجتمع.

 ويقسم الفقهاء القانون إلى قسمين أساسيين هما :

<!--فروع القانون العام : وهي مجموعة القوانين التي تنظم  الدولة ومؤسساتها والعلاقة بينهم ، كما تنظم علاقة الحكومة بالإفراد مثل القانون الإداري والجنائي، ويعد القانون الدستوري أهم فروع القانون العام الذي يحدد الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الدولة ، وعلى هذا فإنه لا يجوز مخالفة هذا القانون بقانون آخر يصدر داخل الدولة ، لأن كل القوانين الأخرى أقل منه في المرتبة فهو يعد أسمي القوانين انطلاقا من مبدأ سمو الدستور .

<!--فروع القانون الخاص : وهي مجموعة قوانين تنظم علاقات الأفراد بعضهم ببعض ومن الأمثلة عليها : القانون المدني ، والقانون التجاري ،

 

وعلي أية حال يمكن القول أن لدولة القانون مقومات أساسية اهمها :

<!--وجود دستور ُيحدد وسائل ممارسة السلطة، ویبین طریقة اختیار الحاكم وحدود سلطاته واختصاصاته ،

<!--فصل السلطات، وفصل الدین عن الدولة، المساواة وحریة التعبیر.

<!--خضوع السلطات الثلاثة  للقانون: ولا یجوز لھا "أن تتخذ إجراء أو قراراً إداريا اوعملا من اعمال السيادة إلا بمقتضى القانون وتنفیذاً  للقانون.

<!-- الاعتراف بالحقوق والحریات الفردیة وحمايتها من عسف السلطات العامة.

<!--تدرج القواعد القانونیة وھذا التدرج یستلزم بالضرورة خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى، شكلاً وموضوعاً.

<!--استقلال القضاء: ان وجود قضاء مستقل يشكل احد اهم المرتكزات الاساسية لقيام دولة القانون

ونؤكد أخيرا  أن التنمية المستدامة تعتمد على الحوكمة الجيدة، والتي تعتمد بدورها على دولة القانون ، ومن الأهمية الإلتزام الفعال للقانون فهو ضروري لحفظ كيان الجماعة البشرية واستقرارها وأمنها , ولا يكفي تتبني الدول لدولة القانون ، وإنما يجب أن تتولد لدى الأفراد قناعة راسخة باحترام القانون، من منطلق المبدأ الثابت القائم على الاقتناع، وليس من منطلق الخوف من العقوبة والجزاء القانوني.

 

 

Dr.maher elsawaf الأستاذ الدكتور محمد ماهر الصواف

drelsawaf
نشرالثقافة الإدارية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية »

عدد زيارات الموقع

101,061

ابحث