جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
"وقد أحسن بي"( خطبة جمعة)
مقدمة
أما بعد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة
فيقولون: لبيك ربنا وسعديك
فيقول: هل رضيتم؟
فيقولون: ومالنا لانرضى ياربنا وقد أعطيتنا مالم تُعط ِأحدًا مِن خلقك
فيقول: ألا أُعطيكم أفضل من ذلك ؟
قالوا: يارب أي شيء أفضل من ذلك؟
فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) رواه البخاري
يا ألله
متى سنسمع هذه الكلمة؟
بلغنا يارب نسمعها ... فالنفس تعبت من دنيا تعانيها
رضاك يارب خير من الدنيا وما فيها ... جل الفضائل جامعها وقاضيها
وأنت للروح راح تستريح به .............وأنت للنفس أشهى من أمانيها
فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي ............ أشهى إلي من الدنيا وما فيها
والله يعلم أن الروح قد تلفت ............. من البعاد ويوم الوصل يحييها
أي أنه بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة ويعرف كل منهم قصره أو قصوره وتستقر الأمور يريد المنان الكريم ذو الفضل العظيم عز وجل أن يسمع من أهل الجنة بلسانهم تمام رضاهم عما جزاهم وعما وصلوا اليه من المقام الكريم فيسألهم وهو أعلم : هل رضيتم؟
هل رضيتم؟
أي تمام هذا؟ وأي إكرام هذا للعبد المؤمن؟
فيقولون وما لنا لانرضى ياربنا وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول سبحانه: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟
لقد ادخر لهم وأخَّر لهم أعظم نعيم لايخطر ببالهم بعد ما رأوا مالا عين رأت ولا أذن سمعت من قبل ولا خطر على قلب بشر
فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك؟
أي شيء أفضل مما وصفه الله بقوله (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الانهار أكلها دائم وظلها) (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهارمن ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ........)( وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لايرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوها تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدن مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا)
فيقول سبحانه (أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)
الله
إن في الجنة نعيمًا هو أكبر من كل ما فيها إنه أن المؤمن يمشي في الجنة وهو موقن يقينا جازما أن الله راض عنه رضا لاسخط بعده أبدا
فأي نعيم هذا ؟
إن الله تعالى قال( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهارخالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز االعظيم)
إن رضا الله هو أعلى نعيم في الآخرة
وكذلك رضا قلب المؤمن هو أعلى أعمال القلوب وهو أعلى نعيم بل هو الحياة الطيبة التي قال الله عز وجل ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)
أن يعيش المؤمن وهو راض وهو يشعر بأن الله تعالى قد أحسن اليه
قال العلماء : الرضا باب الله الأعظم وهو جنة الدنيا
جنة الدنيا
وقال ابن تيمية إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة)
ما هي هذه الجنة؟
يقول ابن القيم: "والإقبال على الله تعالى والإنابة اليه والرضا به وعنه وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل وجنة
وجنة
وجنة وعيش لانسبة لعيش الملوك اليه البتة وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"
وقال مالك بن دينار: مساكين أهل الدنيا رحلوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها . قيل وما أطيب ما فيها؟
قال معرفة الله ومحبته؟
مساكين أهل المعاصي والفجور مساكين أهل الدنيا الذين عبدوها ولم يبالوا من حرام أم من حلال جنوها
مساكين أهل الهوى الذين غرقوا في الدنيا فأنستهم ذكر الله فلا صلاة ولاصيام ولا ذكر لله تعالى ولا صدقة ولازكاة
مساكين كل الذين يظنون أن النعيم ليس الا في الدنيا وحدها
أنظر
سيدنا يوسف عليه السلام حكى لأبيه رؤياه
فأولها له أبوه يعقوب عليه السلام
ثم أمده بقوله (إن ربك عليم حكيم)
وبعدها جرت سنن الحياة على هذا النبي الكريم حتى يتعلم الحكمة وينير قلبه نور البصيرة فتقلبت به الدنيا ونقلته من حضن أبيه الى البئر ثم من البئر الى الفرج ثم الى بيعه للقافلة ثم الى مصر التي كانت ثرية حضرية ريفية وليست بدوية وإلى أين في مصر إلى قصر عزيز مصر ثم في القصر كان الابتلاء والمحنة ثم الى السجن والعناء إضافة الى الغربة ومن السجن الى الى الوزارة
أنظر .. سيدنا يوسف العزيز الذي جرت عليه كل هذه التقلبات عندما التقى بأبيه وأخوته ماذا قال لأبيه؟
قال (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي)
هذا هو موضوعنا
هذا هو نعيم القلب الذي نريد أن يمن الله عى كل منا فيعيش ما بقي له من عمر وهو يشعر ويتمتع بالإحساس بأن الله قد أحسن به فلسان حاله وقلبه ولسانه يقول عن ربه ( وقد أحسن بي)
لقد قدر الله على يوسف دخول السجن، وقدر خروجه لكنه لم يذكر من ذلك إلا نعمة الخروج نسي دخول السجن ومعاناته وعذاباته وتذكر الاحسان ثم أخذ يفصل (إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم)
إن يوسف عليه السلام الذي زوده أبوه النبي البصير قبل أن يدخل في بحر الحياة وخضمها وتجاربها وامتحاناتها بقوله (إن ربك عليم حكيم) هاهو بعد أن عاش هذه الابتلاءات والأحداث يقول لأبيه (إنه هو العليم الحكيم)
إن أكبر شيء يربي قلوبنا على الرضا هو المعرفة بالله بصفاته سبحانه
إنه يعرف ربه
كما إن المؤمن يعرف ربه يعرفه بصفاته (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ........)
أنت تعرف ربك روحك تعرفه فطرتك تعرفه قلبك يعرفه دمك ولحمك وذرات جسمك تعرفه وترضى به ربا حكما عدلا قاسما لرزقك
مدبرا لأمرك مختارا لما يقدره هو عليك غير موكلك لنفسك واختيارك. فلماذا تسمح لعدوك أن يحاول أن يعطيك فكرة خطأ عن ربك؟
كيف تميل أذنك له وهو عدوك يحسدك على معرفتك بربك
إن الله تعالى يحب عبده المؤمن ولا يقدر له إلا خيرا ( لايقضي الله لعبده قضاء إلا كان خيرا له)
لذا فان المؤمن يستقبل ما قدره الله عليه استقبال المحب
لانه رضي به
وفرق أن يرضى بربه ويرضى عما قسمه له
الراضي بالله راض بقسمة الله لماذا لانه الله هو الذي قسم وقدر قسم وقدر برحمته وبعدله وبحكمته وبعلمه وبفضله وبكرمه وبحبه لعبده المؤمن
اما الراضي بما أعطاه الله فقد يرضى إذا كان ما أعطاه موافقًا لهواه ولو تغير الحال فلن يرضى كما قال الله عن المنافقين( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)
إن السر العظيم في رضا المؤمن هو رضاه بربه ومحبته له ثم هاهو يوسف عليه السلام يدعو ربه
(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث )
فهو يذكر نعم ربه عليه ويثني بها على الله
فالمؤمن يذكر نعم ربه عليه لذلك مما يزيد القلب رضا أن يذكر المؤمن نفسه دائما بنعم الله عليه
إنه إن لم يفعل فإن الشيطان جاهز مجهز له ما أصيب به من ابتلاءات ومصائب الى أن يجعله يردد أنه منذ أن عرف الحياة وهو مصاب بمصائب يخرج من واحدة فيدخل في ثانية وكأن القدر يعانده ويردد ما يردده الجهال من الاعتراض على القدر :"من يومي ما شفتش يوم حلو" وهذه ليست حقيقة
ان الثناء على الله بما هو أهله يرضي القلب وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على ربه ويقول (لا أحصي ثناء عليك )
ومن ثناء الرسول على الله ففي الصلاة في دعاء الالستفتاح ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ومن الحمد ذكر الرفع من الركوع ( اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ماشئت من شيء بعد.....) الخ،وكان يثني على ربه في تهجده فيقول (اللهم ربنا لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن .......)الخ
الخطبة الثانية
إن من نعيم الدنيا ومن جنة الدنيا أن يعيش الانسان راضيا بالله تعالى وبكل ما يقدره عليه محبا لربه متقبلا كل ما يقدره عليه تقبل المحب لما يأتي ممن يحبه
إن المحب لمن يحب مطيع
ما في الوجود ولا في الكون من أحد
إلا فقير لفضل الواحد الاحد
الله الله ربي لاشريك له
الله الله مقصودي ومعتمدي
الله الله لا اأحصي ثناه ولا
أرجو سواه لكشف الضر والسدد
كيف يجتهد المؤمن ليصل بقلبه الى الرضا
ـ بأن يكون رضا الله تعالى عنه هو غايته وكل أمله في الحياة بحيث يسخر لهذه الغاية وهذا الأمل كل حياته ونفسه وماله ووقته وجهده فإذا رضي الله عنه أرضاه وعاش في نعيم الشعور بالرضا
ـ بكثرة ذكر الله والإكثار من ذكر: "رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا"
ـ بمعرفته ربه سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا
ـ بتذكره لنعم ربه عليه والثناء على ربه بالثناء الذي أثنى عليه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبنعمه عليه
ـ بحبه سبحانه وتقبل كل ما يقدره تقبل المحب
ـ بكثرة قراءة القرآن كلام الرحمن الرحيم
ـ بأن تكون الآخرة أكبر همه وليس الدنيا
دعاء
ساحة النقاش